جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿لَكِنِ الّذِينَ اتّقَوْاْ رَبّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لّلأبْرَارِ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه :﴿لَكِنِ الّذِينَ اتّقَوْا رَبّهُمْ﴾ : لكن الذين اتقوا الله بطاعته، واتباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه. ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ﴾ يعني : بساتين، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ خالِدِينَ فِيها﴾ يقول : باقين فيها أبدا، ﴿نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ يعني : إنزالاً من الله إياهم فيها أنزله موها¹ ونصب «نُزُلاً » على التفسير، من قوله : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، كما يقال : لك عند الله جّنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا، وكما يقال : هو لك صدقة، وهو لك هبة. وقوله :﴿مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ يعني : من قبل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم. وقوله :﴿وَما عِنْدَ اللّهِ خيْر للأَبْرَارِ﴾ يقول : وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب خير للأبرار، مما يتقلب فيه الذين كفروا فإن الذي يتقلبون فيه زائل فان، وهو قليل من المتاع خسيس، وما عند الله خير من كرامته للأبرار، وهم أهل طاعته، باق غير فانٍ ولا زائل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله :﴿وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ للأَبْرَارِ﴾ قال : لمن يطيع الله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة عن الأسود، عن عبد الله، قال : ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها. ثم قرأ عبد الله :﴿وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ للأَبْرَارِ﴾ وقرأ هذه الآية :﴿وَلا يَحْسَبنّ الّذِينَ كَفَرُوا أنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسَهِمْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء أنه كان يقول : ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له. ومن لم يصدقني، فإن الله يقول :﴿وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ للأَبْرَارِ﴾ ويقول :﴿وَلا يَحْسَبنّ الّذِينَ كَفَرُوا أنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْما﴾.