اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء - واستثنى عنه التَّقِيَّة في الظاهر - أتبعه بالوعيد على أن يصير الباطنُ موافقاً للظاهر - في وقت التقية - ؛ لئلا يجرَّه ذلك الظاهرُ إلى الموالاةِ في الباطن، فبيَّن - تعالى - أن علمه بالظاهر كعِلْمِه بالباطن.
فإن قيل : قوله :﴿إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ شرط، وقوله :﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جزاء، ولا شك أن الجزاء مترتِّب على الشرط، متأخِّرٌ عنه، فهذا يقتضي حدوثَ علمِ اللهِ تعالى.
فالجوابُ : أن تعلق علم الله بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، وهذا التجدُّد إنما يعرض في النِّسَب، والإضافات، والتعلُّقات، لا في حقيقة العلم.
فإن قيل : إن محل البواعثِ والضمائر هو القلب، فلم قال :﴿إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ولم يَقُلْ :﴿مَا فِي قلُوبِكُمْ﴾ ؟
فالجوابُ : لأن القلبَ في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب، كما قال :﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥].
قوله :﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ قلوبكم، من مودة الكفار وموالاتهم ﴿أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
وقال الكلبيُّ : إن تُسرُّوا ما في قلوبكم لرسول الله ﷺ من التكذيب، أو تُظْهِرُوه، لحَرْبِهِ وقتاله يعلْمه الله، ويجازكم عليه.
قوله :" وَيَعْلَمُ " مستأنف، وليس منسوقاً على جواب الشرطِ ؛ لأن علمه بما في السماوات وما في الأرض غير متوقِّف على شرط، فلذلك جِيء مستأنفاً، وقوله :﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ من باب ذكر العام بعد الخاص. ﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾، وقدَّم - هنا - الإخْفَاءَ على الإبداء وجعل محلهما الصدور، بخلاف آية البقرةِ - فإنه قدَّم فيها الإبداء على الإخفاء، وجعل محلهما النفس، وجعل جواب الشرطِ المحاسبة ؛ تفنُّناً في البلاغة، وذكر ذلك للتحذير ؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف يَخْفَى عليه الضميرُ ؟
قوله :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تمام التحذير ؛ لأنه إذا كان قادراً على جميع المقدورات كان - لا محالة - قادراً على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون هذا تمام الوعدِ، والوعيد، والترغيب، والترهيب.
فإن قيل : قوله :﴿إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ شرط، وقوله :﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جزاء، ولا شك أن الجزاء مترتِّب على الشرط، متأخِّرٌ عنه، فهذا يقتضي حدوثَ علمِ اللهِ تعالى.
فالجوابُ : أن تعلق علم الله بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، وهذا التجدُّد إنما يعرض في النِّسَب، والإضافات، والتعلُّقات، لا في حقيقة العلم.
فإن قيل : إن محل البواعثِ والضمائر هو القلب، فلم قال :﴿إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ولم يَقُلْ :﴿مَا فِي قلُوبِكُمْ﴾ ؟
فالجوابُ : لأن القلبَ في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب، كما قال :﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥].
فصل
قوله :﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ قلوبكم، من مودة الكفار وموالاتهم ﴿أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
وقال الكلبيُّ : إن تُسرُّوا ما في قلوبكم لرسول الله ﷺ من التكذيب، أو تُظْهِرُوه، لحَرْبِهِ وقتاله يعلْمه الله، ويجازكم عليه.
قوله :" وَيَعْلَمُ " مستأنف، وليس منسوقاً على جواب الشرطِ ؛ لأن علمه بما في السماوات وما في الأرض غير متوقِّف على شرط، فلذلك جِيء مستأنفاً، وقوله :﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ من باب ذكر العام بعد الخاص. ﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾، وقدَّم - هنا - الإخْفَاءَ على الإبداء وجعل محلهما الصدور، بخلاف آية البقرةِ - فإنه قدَّم فيها الإبداء على الإخفاء، وجعل محلهما النفس، وجعل جواب الشرطِ المحاسبة ؛ تفنُّناً في البلاغة، وذكر ذلك للتحذير ؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف يَخْفَى عليه الضميرُ ؟
قوله :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تمام التحذير ؛ لأنه إذا كان قادراً على جميع المقدورات كان - لا محالة - قادراً على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون هذا تمام الوعدِ، والوعيد، والترغيب، والترهيب.