البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الصدر : معروف، وجمعه : صدور.
﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله﴾ تقدّم تفسير نظير هذه الآية في أواخر آي البقرة، وهناك قدّم الإبداء على الإخفاء، وهنا قدم الإخفاء على الإبداء، وجعل محلهما ما في الصدور، وأتى جواب الشرط قوله :﴿يعلمه الله﴾ وذلك من التفنن في الفصاحة.
والمفهوم أن الباري تعالى مطلع على ما في الضمائر، لا يتفاوت علمه تعالى بخفاياها، وهو مرتب على ما فيها الثواب والعقاب إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وفي ذلك تأكيد لعدم الموالاة، وتحذير من ذلك.
﴿ويعلم ما في السموات وما في الأرض﴾ هذا دليل على سعة علمه، وذكر عموم بعد خصوص، فصار علمه بما في صدورهم مذكوراً مرتين على سبيل التوكيد، أحدهما : بالخصوص، والآخر : بالعموم، إذ هم ممن في الأرض.
﴿والله على كل شيء قدير﴾ فيه تحذير مما يترتب على علمه تعالى بأحوالهم من المجازاة على ما أكنته صدروهم.
وقال الزمخشري : وهذا بيان لقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ لأن نفسه، وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى، فلا يجسر أحد على قبيح، ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة، فلا حق به العذاب. انتهى.
وهو كلام حسن، وفيه التصريح بإثبات صفة العلم، والقدرة لله تعالى، وهو خلاف ما عليه أشياخه من المعتزلة، وموافقة لأهل السنة في إثبات الصفات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة :
الخطاب العام الذي سببه خاص في قوله ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾ والتكرار، في قوله : المؤمنون من دون المؤمنين، وفي قوله : من الله، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله، وفي : يعلمه الله، ويعلم، وفي قوله : يعلمه الله، والله على، وفي قوله : ما عملت، وما عملت، وفي قوله : الله نفسه، والله، وفي قوله : ويحذركم الله، والله روؤف، وفي قوله : تحبون الله، يحببكم الله، والله غفور، قل أطيعوا الله، فإن الله.
والتجنيس المماثل في : تحبون ويحببكم، والتجنيس المغاير، في : تتقوا منهم تقاه، وفي يغفر لكم وغفور.
والطباق في : تخفوا وتبدوه، وفي : من خير ومن سوء، وفي : محضراً وبعيداً.
والتعبير بالمحل عن الشيء في قوله : ما في صدوركم، عبر بها عن القلوب، قال تعالى :﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ الآية.
والإشارة في قوله : ومن يفعل ذلك، الآية.
أشار إلى انسلاخهم من ولاية الله.
والاختصاص في قوله : ما في صدوركم، وفي قوله : ما في السموات وما في الأرض.
والتأنيس بعد الإيحاش في قوله : والله رؤوف بالعباد، والحذف في عدة مواضع تقدم ذكرها في التفسير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى