البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الامد : غاية الشيء، ومنتهاه، وجمعه آماد.
﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا﴾ اختلف في العامل في : يوم، فقال الزجاج : العامل فيه : ويحذركم، ورجحه.
وقال أيضاً : العامل فيه : المصير.
وقال مكي بن أبي طالب : العامل فيه : قدير، وقال أيضاً : فيه مضمر تقديره اذكر.
وقال ابن جرير : تقديره : اتقوا، ويضعف نصبه بقوله : ويحذركم، لطول الفصل.
هذا من جهة اللفظ، وأما من جهة المعنى فلأن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يصح له العمل فيه، ويضعف انتصابه : بالمصير، للفصل بين المصدر ومعموله، ويضعف نصبه : بقدير، لأن قدرته على كل شيء لا تختص بيوم دون يوم، بل هو تعالى متصف بالقدرة دائماً.
وأما نصبه باضمار فعل، فالإضمار على خلاف الأصل.
وقال الزمخشري :﴿يوم تجد﴾ منصوب : بتود، والضمير في : بينه، ليوم القيامة، حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.
انتهى هذا التخريج.
والظاهر في بادىء النظر حسنه وترجيحه، إذ يظهر أنه ليس فيه شيء من مضعفات الأقوال السابقة، لكن في جواز هذه المسألة ونظائرها خلاف بين النحويين، وهي : إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء اتصل بالمعمول للفعل، نحو : غلام هند ضربت، وثوبي أخويك يلبسان، ومال زيد أخذ، فذهب الكسائي، وهشام، وجمهور البصريين : إلى جواز هذه المسائل.
ومنها الآية على تخريج الزمخشري، لأن الفاعل : بتودّ، هو ضمير عائد على شيء اتصل بمعمول : تودّ، وهو : يوم، لأن : يوم، مضاف إلى : تجد كل نفس، والتقدير : يوم وجدان كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودّ.
وذهب الفراء، وأبو الحسن الأخفش، وغيره من البصريين إلى أن هذه المسائل وأمثالها لا تجوز، لأن هذا المعمول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به في هذه المسائل يخرجه عن ذلك، لأنه يلزم ذكر المعمول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به، ولهذه العلة امتنع : زيداً ضرب، وزيداً ظنّ قائماً.
والصحيح جواز ذلك قال الشاعر :
أي : المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يشعر.
و : تجد، الظاهر أنها متعدّية إلى واحد وهو : ما عملت، فيكون بمعنى نصيب، ويكون : محضراً، منصوباً على الحال.
وقيل : تجد، هنا بمعنى : تعلم، فتتعدّى إلى اثنين، وينتصب : محضراً على أنه مفعول ثان لها، وما، في : ما عملت، موصولة، والعائد عليها من الصلة محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية أي : عملها، ويراد به إذ ذاك اسم المفعول، أي : معمولها، فقوله : ما عملت، هو على حذف مضاف أي : جزاء ما عملت وثوابه.
قيل : ومعنى : محضراً على هذا موفراً غير مبخوس.
وقيل : ترى ما عملت مكتوباً في الصحف محضراً إليها تبشيراً لها، ليكون الثواب بعد مشاهدة العمل.
وقرأ الجمهور : محضراً، بفتح الضاد، اسم مفعول.
وقرأ عبيد بن عمير : محضرا بكسر الضاد، أي محضراً الجنة أو محضراً مسرعاً به إلى الجنة من قولهم : أحضر الفرس، إذا جرى وأسرع.
و : ما عملت من سوء، يجوز أن تكون في موضع نصب، معطوفاً على : ما عملت من خير، فيكون المفعول الثاني إن كان : تجد، متعدّية إليهما، أو الحال إن كان يتعدّى إلى واحد محذوفاً، أي : وما عملت من سوء محضراً.
وذلك نحو : ظننت زيداً قائماً وعمراً، إذا أردت : وعمراً قائماً، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون : تودّ، مستأنفاً.
ويجوز أن يكون : تود، في موضع الحال أي : وادة تباعد ما بينها وبين ما عملت من سوء، فيكون الضمير في بينه عائداً على ما عملت من سوء، وأبعد الزمخشري في عوده على اليوم، لأن أحد القسمين اللذين أحضر له في ذلك اليوم هو : الخير الذي عمله، ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير إلاَّ بتجوّز إذا كان يشتمل على إحضار الخير والشر، فتودّ تباعده لتسلم من الشر، ودعه لا يحصل له الخير.
والأولى : عوده على : ما عملت من السوء، لأنه أقرب مذكور، لأن المعنى : أن السوء يتمنى في ذلك اليوم التباعد منه، وإلى عطف : ما عملت من سوء، على : ما عملت من خير، وكون، تودّ، في موضع الحال ذهب إليه الطبري، ويجوز أن يكون : وما عملت من سوء، موصولة في موضع رفع بالابتداء و : تودّ، جملة في موضع الخبر : لما، التقدير : والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري وثنى به ابن عطية، واتفقا على أنه لا يجوز أن يكون : وما عملت من سوء، شرطاً.
قال الزمخشري : لارتفاع : تودّ.
وقال ابن عطية : لأن الفعل مستقبل مرفوع يقتضى جزمه، اللهم إلاَّ أن يقدر في الكلام محذوف، أي : فهي تودّ، وفي ذلك ضعف.
انتهى كلامه.
وظهر من كلاميهما امتناع الشرط لأجل رفع : تودّ، وهذه المسألة كان سألني عنها قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي، رحمه الله، واستشكل قول الزمخشري.
وقال : ينبغي أن يجوز غاية ما في هذا أن يكون مثل قول زهير :
وإن أتاه خليل يوم مسألة *** يقول : لا غائب مالي ولا حرم
وكتبت جواب ما سألني عنه في كتابي الكبير المسمى :( بالتذكرة )، ونذكر هنا ما تمس إليه الحاجة من ذلك، بعد أن نقدّم ما ينبغي تقديمه في هذه المسألة، فنقول : إذا كان فعل الشرط ماضياً، وما بعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء، جاز في ذلك المضارع الجزم، وجاز فيه الرفع، مثال ذلك : إن قام زيد يقوم عمرو، وان قام زيد يقم عمرو.
فاما الجزم فعلى أنه جواب الشرط، ولا تعلم في جواز ذلك خلافاً، وأنه فصيح، إلاَّ ما ذكره صاحب كتاب ( الإعراب ) عن بعض النحويين أنه : لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع : كان، لقوله تعالى
﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها﴾ لأنها أصل الأفعال، ولا يجوز ذلك مع غيرها.
وظاهر كلام سيبويه، ونص الجماعة، أنه لا يختص ذلك بكان، بل سائر الأفعال في ذلك مثل كان، وأنشد سيبويه للفرزدق :
وقال أيضاً :
وأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثير.
وقال بعض أصحابنا : وهو أحسن من الجزم، ومنه بين زهير السابق إنشاده، وهو قوله أيضاً :
وإن سل ريعان الجميع مخافة *** يقول جهاراً : ويلكم لا تنفروا
وقال أبو صخر :
ولا بالذي إن بان عنه حبيبه *** يقول ويخفي الصبر : إني لجازع
وقال الآخر :
وقال الآخر :
وقال الآخر :
فهذا الرفع، كما رأيت كثير، ونصوص الأمة على جوازه في الكلام، وإن اختلفت تأويلاتهم كما سنذكره.
وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن رشيد المالقي، وهو مصنف ( رصف المباني ) رحمه الله : لا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسه الجزم لأنه أصل العمل في المضارع، تقدّم الماضي أو تأخر، وتأوّل هذا المسموع على إضمار الفاء، وجعله مثل قول الشاعر :
إنك إن يصرع أخوك تصرع ***.
على مذهب من جعل الفاء منه محذوفة.
وأما المقدّمون فاختلفوا في تخريج الرفع، فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم.
وأما جواب الشرط فهو محذوف عنده.
وذهب الكوفيون، وأبو العباس إلى أنه هو الجواب حذفت منه الفاء، وذهب غيرهما إلى أنه لما لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط، لكونه ماضياً، ضعف عن العمل في فعل الجواب، وهو عنده جواب لا على إضمار الفاء، ولا على نية التقديم، وهذا والمذهب الذي قبله ضعيفان.
وتلخص من هذا الذي قلناه : أن رفع المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً، لكن امتنع أن يكون : وما عملت، شرطاً لعلة أخرى، لا لكون : تود، مرفوعاً، وذلك على ما نقرره على مذهب سيبويه من أن النية بالمرفوع التقديم، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفس الجواب، فنقول : إذا كان : تود، منوياً به كالتقديم أدّى إلى تقدّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة في العربية.
ألا ترى أن الضمير في قوله : وبينه، عائد على اسم الشرط الذي هو : ما، فيصير التقدير : تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء ؟ فيلزم من هذا التقدير تقدّم المضمر على الظاهر، وذلك لا يجوز.
فإن قلت : لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط ؟ فإن كان نيته التقديم فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله، وذلك نظير : ضرب زيداً غلامه، فالفاعل رتبته التقديم ووجب تأخيره لصحة عود الضمير.
فالجواب : إن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء لا جملة دليله، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل، بل إنما تعمل في جملة الجزاء وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب.
وإذا كان كذلك تدافع الأمر، لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل الشرط، ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط اقتضتها، فتدافعا.
وهذا بخلاف : ضرب زيداً غلامه، هي جملة واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، وكل واحد منهما يقتضي صاحبه، ولذلك جاز عند بعضهم : ضرب غلامها هنداً، لاشتراك الفاعل المضاف للضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع : ضرب غلامها جار هند، لعدم الاشتراك في العامل، فهذا فرق ما بين المسألتين.
ولا يحفظ من لسان العرب : أودَّ لو أني أكرمه أياً ضربت هند، لأنه يلزم منه تقديم المضمر على مفسره في غير المواضع التي ذكرها النحويون، فلذلك لا يجوز تأخيره.
وقرأ عبد الله، وابن أبي عبلة : من سوء ودّت لو أن، وعلى هذه القراءة يجوز أن تكون : ما، شرطية في موضع نصب، فعملت.
أو في موضع رفع على إضمار الهاء في : عملت، على مذهب الفراء، إذ يجيز ذلك في اسم الشرط في فصيح الكلام، وتكون : ودّت، جزاء الشرط.
قال الزمخشري : لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى، لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، وأثبت لموافقة قراءة العامة. انتهى.
و : لو، هنا حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف، ومفعول : تود، محذوف، والتقدير : تود تباعد ما بينهما لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسرت بذلك، وهذا الإعراب والتقدير هو على المشهور في : لو، و : أن، وما بعدها في موضع مبتداً على مذهب سيبويه، وفي موضع فاعل على مذهب أبي العباس.
وأمّا على قول من يذهب إلى أن : لو، بمعنى : أن، وأنها مصدرية فهو بعيد هنا لولايتها أن وأن مصدرية، ولا يباشر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلاَّ قليلاً، كقوله تعالى ﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ والذي يقتضيه المعنى أن : لو أن، وما يليها هو معمول : لتودّ، في موضع المفعول به.
قال الحسن : يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً، ذلك معناه.
﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا﴾ اختلف في العامل في : يوم، فقال الزجاج : العامل فيه : ويحذركم، ورجحه.
وقال أيضاً : العامل فيه : المصير.
وقال مكي بن أبي طالب : العامل فيه : قدير، وقال أيضاً : فيه مضمر تقديره اذكر.
وقال ابن جرير : تقديره : اتقوا، ويضعف نصبه بقوله : ويحذركم، لطول الفصل.
هذا من جهة اللفظ، وأما من جهة المعنى فلأن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يصح له العمل فيه، ويضعف انتصابه : بالمصير، للفصل بين المصدر ومعموله، ويضعف نصبه : بقدير، لأن قدرته على كل شيء لا تختص بيوم دون يوم، بل هو تعالى متصف بالقدرة دائماً.
وأما نصبه باضمار فعل، فالإضمار على خلاف الأصل.
وقال الزمخشري :﴿يوم تجد﴾ منصوب : بتود، والضمير في : بينه، ليوم القيامة، حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.
انتهى هذا التخريج.
والظاهر في بادىء النظر حسنه وترجيحه، إذ يظهر أنه ليس فيه شيء من مضعفات الأقوال السابقة، لكن في جواز هذه المسألة ونظائرها خلاف بين النحويين، وهي : إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء اتصل بالمعمول للفعل، نحو : غلام هند ضربت، وثوبي أخويك يلبسان، ومال زيد أخذ، فذهب الكسائي، وهشام، وجمهور البصريين : إلى جواز هذه المسائل.
ومنها الآية على تخريج الزمخشري، لأن الفاعل : بتودّ، هو ضمير عائد على شيء اتصل بمعمول : تودّ، وهو : يوم، لأن : يوم، مضاف إلى : تجد كل نفس، والتقدير : يوم وجدان كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودّ.
وذهب الفراء، وأبو الحسن الأخفش، وغيره من البصريين إلى أن هذه المسائل وأمثالها لا تجوز، لأن هذا المعمول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به في هذه المسائل يخرجه عن ذلك، لأنه يلزم ذكر المعمول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به، ولهذه العلة امتنع : زيداً ضرب، وزيداً ظنّ قائماً.
والصحيح جواز ذلك قال الشاعر :
| أجل المرء يستحث ولا يد | ري إذا يبتغي حصول الأماني |
و : تجد، الظاهر أنها متعدّية إلى واحد وهو : ما عملت، فيكون بمعنى نصيب، ويكون : محضراً، منصوباً على الحال.
وقيل : تجد، هنا بمعنى : تعلم، فتتعدّى إلى اثنين، وينتصب : محضراً على أنه مفعول ثان لها، وما، في : ما عملت، موصولة، والعائد عليها من الصلة محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية أي : عملها، ويراد به إذ ذاك اسم المفعول، أي : معمولها، فقوله : ما عملت، هو على حذف مضاف أي : جزاء ما عملت وثوابه.
قيل : ومعنى : محضراً على هذا موفراً غير مبخوس.
وقيل : ترى ما عملت مكتوباً في الصحف محضراً إليها تبشيراً لها، ليكون الثواب بعد مشاهدة العمل.
وقرأ الجمهور : محضراً، بفتح الضاد، اسم مفعول.
وقرأ عبيد بن عمير : محضرا بكسر الضاد، أي محضراً الجنة أو محضراً مسرعاً به إلى الجنة من قولهم : أحضر الفرس، إذا جرى وأسرع.
و : ما عملت من سوء، يجوز أن تكون في موضع نصب، معطوفاً على : ما عملت من خير، فيكون المفعول الثاني إن كان : تجد، متعدّية إليهما، أو الحال إن كان يتعدّى إلى واحد محذوفاً، أي : وما عملت من سوء محضراً.
وذلك نحو : ظننت زيداً قائماً وعمراً، إذا أردت : وعمراً قائماً، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون : تودّ، مستأنفاً.
ويجوز أن يكون : تود، في موضع الحال أي : وادة تباعد ما بينها وبين ما عملت من سوء، فيكون الضمير في بينه عائداً على ما عملت من سوء، وأبعد الزمخشري في عوده على اليوم، لأن أحد القسمين اللذين أحضر له في ذلك اليوم هو : الخير الذي عمله، ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير إلاَّ بتجوّز إذا كان يشتمل على إحضار الخير والشر، فتودّ تباعده لتسلم من الشر، ودعه لا يحصل له الخير.
والأولى : عوده على : ما عملت من السوء، لأنه أقرب مذكور، لأن المعنى : أن السوء يتمنى في ذلك اليوم التباعد منه، وإلى عطف : ما عملت من سوء، على : ما عملت من خير، وكون، تودّ، في موضع الحال ذهب إليه الطبري، ويجوز أن يكون : وما عملت من سوء، موصولة في موضع رفع بالابتداء و : تودّ، جملة في موضع الخبر : لما، التقدير : والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري وثنى به ابن عطية، واتفقا على أنه لا يجوز أن يكون : وما عملت من سوء، شرطاً.
قال الزمخشري : لارتفاع : تودّ.
وقال ابن عطية : لأن الفعل مستقبل مرفوع يقتضى جزمه، اللهم إلاَّ أن يقدر في الكلام محذوف، أي : فهي تودّ، وفي ذلك ضعف.
انتهى كلامه.
وظهر من كلاميهما امتناع الشرط لأجل رفع : تودّ، وهذه المسألة كان سألني عنها قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي، رحمه الله، واستشكل قول الزمخشري.
وقال : ينبغي أن يجوز غاية ما في هذا أن يكون مثل قول زهير :
وإن أتاه خليل يوم مسألة *** يقول : لا غائب مالي ولا حرم
وكتبت جواب ما سألني عنه في كتابي الكبير المسمى :( بالتذكرة )، ونذكر هنا ما تمس إليه الحاجة من ذلك، بعد أن نقدّم ما ينبغي تقديمه في هذه المسألة، فنقول : إذا كان فعل الشرط ماضياً، وما بعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء، جاز في ذلك المضارع الجزم، وجاز فيه الرفع، مثال ذلك : إن قام زيد يقوم عمرو، وان قام زيد يقم عمرو.
فاما الجزم فعلى أنه جواب الشرط، ولا تعلم في جواز ذلك خلافاً، وأنه فصيح، إلاَّ ما ذكره صاحب كتاب ( الإعراب ) عن بعض النحويين أنه : لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع : كان، لقوله تعالى
﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها﴾ لأنها أصل الأفعال، ولا يجوز ذلك مع غيرها.
وظاهر كلام سيبويه، ونص الجماعة، أنه لا يختص ذلك بكان، بل سائر الأفعال في ذلك مثل كان، وأنشد سيبويه للفرزدق :
| دسَّت رسولاً بأن القوم إن قدروا | عليك يشفوا صدوراً ذات توغير |
| تعال فإن عاهدتني لا تخونني | نكن مثل من يا ذئب يصطحبان |
وقال بعض أصحابنا : وهو أحسن من الجزم، ومنه بين زهير السابق إنشاده، وهو قوله أيضاً :
وإن سل ريعان الجميع مخافة *** يقول جهاراً : ويلكم لا تنفروا
وقال أبو صخر :
ولا بالذي إن بان عنه حبيبه *** يقول ويخفي الصبر : إني لجازع
وقال الآخر :
| وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه | تشوّف أهل الغائب بالمتنظِّر |
| وإن كان لا يرضيك حتى تردّني | إلى قطري لا إخالك راضياً |
| إن يسألوا الخير يعطوه، وإن خبروا | في الجهد أدرك منهم طيب إخبار |
وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن رشيد المالقي، وهو مصنف ( رصف المباني ) رحمه الله : لا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسه الجزم لأنه أصل العمل في المضارع، تقدّم الماضي أو تأخر، وتأوّل هذا المسموع على إضمار الفاء، وجعله مثل قول الشاعر :
إنك إن يصرع أخوك تصرع ***.
على مذهب من جعل الفاء منه محذوفة.
وأما المقدّمون فاختلفوا في تخريج الرفع، فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم.
وأما جواب الشرط فهو محذوف عنده.
وذهب الكوفيون، وأبو العباس إلى أنه هو الجواب حذفت منه الفاء، وذهب غيرهما إلى أنه لما لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط، لكونه ماضياً، ضعف عن العمل في فعل الجواب، وهو عنده جواب لا على إضمار الفاء، ولا على نية التقديم، وهذا والمذهب الذي قبله ضعيفان.
وتلخص من هذا الذي قلناه : أن رفع المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً، لكن امتنع أن يكون : وما عملت، شرطاً لعلة أخرى، لا لكون : تود، مرفوعاً، وذلك على ما نقرره على مذهب سيبويه من أن النية بالمرفوع التقديم، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفس الجواب، فنقول : إذا كان : تود، منوياً به كالتقديم أدّى إلى تقدّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة في العربية.
ألا ترى أن الضمير في قوله : وبينه، عائد على اسم الشرط الذي هو : ما، فيصير التقدير : تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء ؟ فيلزم من هذا التقدير تقدّم المضمر على الظاهر، وذلك لا يجوز.
فإن قلت : لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط ؟ فإن كان نيته التقديم فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله، وذلك نظير : ضرب زيداً غلامه، فالفاعل رتبته التقديم ووجب تأخيره لصحة عود الضمير.
فالجواب : إن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء لا جملة دليله، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل، بل إنما تعمل في جملة الجزاء وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب.
وإذا كان كذلك تدافع الأمر، لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل الشرط، ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط اقتضتها، فتدافعا.
وهذا بخلاف : ضرب زيداً غلامه، هي جملة واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، وكل واحد منهما يقتضي صاحبه، ولذلك جاز عند بعضهم : ضرب غلامها هنداً، لاشتراك الفاعل المضاف للضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع : ضرب غلامها جار هند، لعدم الاشتراك في العامل، فهذا فرق ما بين المسألتين.
ولا يحفظ من لسان العرب : أودَّ لو أني أكرمه أياً ضربت هند، لأنه يلزم منه تقديم المضمر على مفسره في غير المواضع التي ذكرها النحويون، فلذلك لا يجوز تأخيره.
وقرأ عبد الله، وابن أبي عبلة : من سوء ودّت لو أن، وعلى هذه القراءة يجوز أن تكون : ما، شرطية في موضع نصب، فعملت.
أو في موضع رفع على إضمار الهاء في : عملت، على مذهب الفراء، إذ يجيز ذلك في اسم الشرط في فصيح الكلام، وتكون : ودّت، جزاء الشرط.
قال الزمخشري : لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى، لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، وأثبت لموافقة قراءة العامة. انتهى.
و : لو، هنا حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف، ومفعول : تود، محذوف، والتقدير : تود تباعد ما بينهما لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسرت بذلك، وهذا الإعراب والتقدير هو على المشهور في : لو، و : أن، وما بعدها في موضع مبتداً على مذهب سيبويه، وفي موضع فاعل على مذهب أبي العباس.
وأمّا على قول من يذهب إلى أن : لو، بمعنى : أن، وأنها مصدرية فهو بعيد هنا لولايتها أن وأن مصدرية، ولا يباشر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلاَّ قليلاً، كقوله تعالى ﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ والذي يقتضيه المعنى أن : لو أن، وما يليها هو معمول : لتودّ، في موضع المفعول به.
قال الحسن : يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً، ذلك معناه.