اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما بين - تعالى - أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسول بين علو درجات الرُّسُل فقال :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً﴾ " نوح " اسم أعجمي، لا اشتقاق له عند محققي النحويين، وزعم بعضهم أنه مشتق من النُّواح. وهذا كما تقدم لهم في آدم وإسحاق ويعقوب، وهو منصرف وإن كان فيه عِلَّتان فَرعيَّتان : العلمية والعجمة الشخصية - لخفّة بنائه ؛ لكونه ثلاثياً ساكن الوسط، وقد جوَّز بعضهم منعَه ؛ قياساً على " هند " وبابها لا سماعاً ؛ إذْ لم يُسمَع إلا مصروفاً وادعى الفرّاء أن في الكلام حذفَ مضاف، تقديره : إن الله اصطَفى دينَ آدمَ.
قال التبريزي :" وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل : ونوحٍ - بالجر - إذ الأصل دين آدم ودين نوح ".
وهذه سقطة من التبريزيّ ؛ إذْ لا يلزم أنه إذا حُذِفَ المضاف، بقي المضاف إليه [ على جره ](١) - حتى يرد على الفراء بذلك، بل المشهور - الذي لا يعرف الفصحاء غيره - إعراب المضاف إليه بإعراب المضاف حين حذفه، ولا يجوز بقاؤه على جرِّه إلا في قليل من الكلام، بشَرْطٍ مذكورٍ في النحو يأتي في الأنفال إن شاء الله تعالى.
وكان ينبغي - على رأي التبريزيّ : أن يكون قوله تعالى :﴿وَاسْألِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بجر " القرية " ؛ لأن الكُلَّ هو وغيره - يقولون : هذا على حَذْف مضاف، تقديره : أهل القرية.
قال القرطبيُّ :" وهو - نوح - شيخُ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض - بعد آدم - عليه الصلاة والسلام - بتحريم البنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وسائر القرابات المحرمة، ومن قال - من المؤرخين - إن إدريس كان قبلَه فقد وهم " على ما يأتي بيانه في الأعراف - إن شاء الله تعالى.
وعمران اسم أعجميٌّ.
وقيل : عربيّ، مشتق من العمْر، وعلى كلا القولين فهو ممنوع من الصرف ؛ للعلمية، والعُجْمة الشخصية، وإما للعلمية، وزيادة الألِف والنون.
قوله :﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ متعلق ب " اصْطَفَى ".
قوله :" اصْطَفَى " يتعدى ب " مِنْ " نحو اصطفيتك مِن الناس.
فالجواب : أنه ضُمِّنَ معنى " فَضَّل "، أي : فضَّلَهُم بالاصطفاء.
اعلم أن المخلوقات على قسمين : مكلَّف، وغير مكلَّف، واتفقوا على أن المكلَّف أفضل. وأصناف المكلفين أربعة : الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين.
أما الملائكة فقد روي أنهم خُلِقوا من الريح، ولهذا قدروا على الطيران، وعلى حمل العرش، وسُمُّوا روحانيين.
وروي أنهم خُلِقوا من النور، ولهذا صَفَتْ وأخلصت لله - تعالى - ويُمْكن الجمع بين الروايتين بأن نقول : أبدانهم من الريح، وأرواحهم من النور وهؤلاء سكان عالم السماوات.
أما الشياطين فهم كفرة، أما إبليس فكُفْره ظاهر ؛ لقوله تعالى :﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. وأما سائر الشياطين فكفرة ؛ لقوله تعالى :﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ومن خواص الشياطين أنهم أعداء للبشر، قال تعالى :﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وقال :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وهم مخلوقون من النار ؛ لقوله تعالى - حكاية عن إبليس- :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
وأما الجن فمنهم كافر، ومنهم مؤمن، قال تعالى :﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُون﴾ [الجن: ١٤].
وأما الإنس فوالدهم الأول آدم ؛ لقوله تعالى :﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقوله :﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].
واتفق العقلاءُ على أن البشر أفضل من الجنِّ والشياطين، واختلفوا هل البشر أفضل أم الْمَلَك ؟ كما قدمناه في البقرة، واستدل القائلون بأن البشر أفضل بهذه الآية ؛ لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة، وعُلُوِّ الدرجة، فكما بيّن - تعالى - أنه اصطفى آدم وأولادَه من الأنبياء على كل العالمين، وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة ؛ لأنهم من العالمين.
فإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض ؛ لأن الجمع الكثير إذا وُصفُوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين، يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محالٌ، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي بلدته، أو عالمي زمانه، أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض، فوجب حمله على هذا المعنى، دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى - في صفة بني إسرائيل- ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] ولا يلزم كونهم أفضل من محمَّد ﷺ بل قلنا : المراد به عالمو زمان كل واحد منهم، فكذا هنا.
فالجواب أن ظاهر قوله : اصْطَفَى آدم على العالمين، يتناول كل مَنْ يَصِحُّ إطلاق لفظ " العالم " عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في الباب أنه تُرِكَ العملُ بعمومه - في بعض الصور - لدليل قام عليه فلا يجوز أن يتركه في سائر الصور من غير دليل.
الاصطفاء - في اللغة - الاختيار فمعنى اصْطَفاهُم : أي : جعلهم صفوةَ خلقه تمثيلاً بما يُشَاهَد من الشيء الذي يُصَفَّى من الكدورة، ويقال : صفَّاهم صَفْوَةً، وصِفْوَةً، وصُفْوَةً.
ونظير هذه الآية قوله - لموسى- :﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب :﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] وفي الآية قولان :
أحدهما : المعنى أن الله اصطفى دين آدمَ ودين نوح - على حذف مضاف - كما تقدم.
الثاني : أن الله اصطفاهم ؛ أي : صفَّاهم من الصفاتِ الذميمة، وزينهم بالصفات الحميدة، وهذا أولى لعدم الاحتياج إلى الإضمار، ولموافقة قوله :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
قيل : اختار الله آدم بخمسة أشياءٍ :
أولها : أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته.
الثاني : أنه علَّمه الأسماء كلَّها.
الثالث : أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له.
الرابع : أنه أسكنه الجنة.
الخامس : أنه جعله أبا البشر.
واختار نوحاً بخمسة أشياءٍ :
أولها : أنه جعله أبا البشر - بعد آدم - ؛ لأن الناس كلَّهم غرقوا، وصار ذريته هم الباقين.
الثاني : أنه أطال عمره، ويقال :" طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ".
الثالث : أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين.
الرابع : أنه حمله على السفينة (٢).
الخامس : أنه كان أول من نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يُحَرَّم تزويج الخالات والعمات.
واختار إبراهيم بخمسة أشياء :
أولها : أنه خرج منها جراً إلى ربه(٣) ليَهْدِيه.
الثاني : أنه اتخذه خليلاً.
الثالث : أنه أنجاه من النار.
الرابع : أنه جعله للناس إماماً.
الخامس : أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن.
وأما آل عمران فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنهم اختارهما على العالمين ؛ حيث أنزل على قومهما المن والسلْوَى، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم وإن كان عمران أبا مريم فإنه اصطفى مريم بولادة عيسى من غير أب، وذلك لم يكن لأحد من العالمين والله أعلم.
ذكر الحليمي في كتابه - المنهاج للأنبياء - قال : لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القُوَى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مُدْرِكة، وإمَّا محرِّكة ؛ أما المدركة فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة :
أحدها : القوة الباصرة، فكان ﷺ مخصوصاً بكمال هذه الصفة، لقوله :" زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها " (٤) وقوله :" أقيموا صفوفكم وتراصوا ؛ فإني أراكم من وراء ظهري(٥) " ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم - عليه السلام - قال تعالى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وذكر في تفسيرها أنه - تعالى قَوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل.
قال الحليمي : وهذا غير مُسْتبعَد ؛ لأن البُصراء يتفاوتون، فيُرْوَى أن زرقاء اليمامةِ كانت تُبْصِر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بَصَرُ النبي ﷺ أقْوَى من بصرها.
وثانيها : القوة السامعة، فكان - عليه السلام - أقوى الناسِ في هذه القوة ؛ لقوله :" أطت السماء وحق لها أن تئط ؛ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى " (٦).
وسمع أطيط السماء وسمع دوياً فذكر أنه هويّ صخرة قذفت في جهنم، فلم تبلغ مقرها إلى الآن.
قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ؛ فإنهم زعموا أن فيثاغورث راضَ نفسه حتى سمع حفيف الفلك. ونظير هذه القوة لسليمان - عليه السلام - في قصة النملة حيث قالت :﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فالله - تعالى - أسمع سليمان كلامَ النملة، وأوقفه على معناه وحصل ذلك لمحمد ﷺ حين تكلم مع الذئب والبعير والضَّبِّ.
وثالثها : تقوية قوة الشَّمِّ، كما في حق يعقوب - حين قال :﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] فأحسّ بها من مسيرة ثلاثة أيامٍ.
ورابعها : تقوية قوة الذوقِ، كما في حق نبيِّنَا ﷺ حين قال :" إن هذا الذراع يخبرني بأنه مسموم " (٧).
خامسها : تقوية قوة اللمس، كما في حق الخليل - عليه السلام - حيث جُعِلَتْ له النارُ بَرْداً وسلاماً وكيف يستبعد هذا ويُشَاهَد مثلُه في السَّمَنْدَل، والنعامة.
وأما الحواس الباطنة فمنها : قوة الحفظ، قال تعالى :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى﴾[الأعلى: ٦]،
ومنها : قوة الذكاء : قال عليٌّ - رضي الله عنه - : علمني رسول الله ﷺ ألف باب من العلم، واستنبط من كلّ باب ألف باب. فإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي ﷺ ؟
أما القوى المحرِّكة، فمثل عروج الرسول إلى المعراج، وعروج عيسى حيًّا إلى السماء، ورَفْع إدريس وإلياس - على ما وردت به الأخبار - قال تعالى :﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠].
وأما القوة الروحانية العقلية، فلا بد أن تكون في غاية الكمال، ونهاية الصفاء، إذا عرفت هذا فقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً﴾ معناه أن الله اصطفى آدم، إمَّا من سكان العالم السفلي - على قول من يقول : الملك أفضل من البشر - أو من سكان العالم العلويّ والسفليّ - على قول من يقول : البشر أفضل المخلوقات - ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة، من أولاد آدم، وهم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح الق
قال التبريزي :" وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل : ونوحٍ - بالجر - إذ الأصل دين آدم ودين نوح ".
وهذه سقطة من التبريزيّ ؛ إذْ لا يلزم أنه إذا حُذِفَ المضاف، بقي المضاف إليه [ على جره ](١) - حتى يرد على الفراء بذلك، بل المشهور - الذي لا يعرف الفصحاء غيره - إعراب المضاف إليه بإعراب المضاف حين حذفه، ولا يجوز بقاؤه على جرِّه إلا في قليل من الكلام، بشَرْطٍ مذكورٍ في النحو يأتي في الأنفال إن شاء الله تعالى.
وكان ينبغي - على رأي التبريزيّ : أن يكون قوله تعالى :﴿وَاسْألِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بجر " القرية " ؛ لأن الكُلَّ هو وغيره - يقولون : هذا على حَذْف مضاف، تقديره : أهل القرية.
قال القرطبيُّ :" وهو - نوح - شيخُ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض - بعد آدم - عليه الصلاة والسلام - بتحريم البنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وسائر القرابات المحرمة، ومن قال - من المؤرخين - إن إدريس كان قبلَه فقد وهم " على ما يأتي بيانه في الأعراف - إن شاء الله تعالى.
وعمران اسم أعجميٌّ.
وقيل : عربيّ، مشتق من العمْر، وعلى كلا القولين فهو ممنوع من الصرف ؛ للعلمية، والعُجْمة الشخصية، وإما للعلمية، وزيادة الألِف والنون.
قوله :﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ متعلق ب " اصْطَفَى ".
قوله :" اصْطَفَى " يتعدى ب " مِنْ " نحو اصطفيتك مِن الناس.
فالجواب : أنه ضُمِّنَ معنى " فَضَّل "، أي : فضَّلَهُم بالاصطفاء.
فصل
اعلم أن المخلوقات على قسمين : مكلَّف، وغير مكلَّف، واتفقوا على أن المكلَّف أفضل. وأصناف المكلفين أربعة : الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين.
أما الملائكة فقد روي أنهم خُلِقوا من الريح، ولهذا قدروا على الطيران، وعلى حمل العرش، وسُمُّوا روحانيين.
وروي أنهم خُلِقوا من النور، ولهذا صَفَتْ وأخلصت لله - تعالى - ويُمْكن الجمع بين الروايتين بأن نقول : أبدانهم من الريح، وأرواحهم من النور وهؤلاء سكان عالم السماوات.
أما الشياطين فهم كفرة، أما إبليس فكُفْره ظاهر ؛ لقوله تعالى :﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. وأما سائر الشياطين فكفرة ؛ لقوله تعالى :﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ومن خواص الشياطين أنهم أعداء للبشر، قال تعالى :﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وقال :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وهم مخلوقون من النار ؛ لقوله تعالى - حكاية عن إبليس- :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
وأما الجن فمنهم كافر، ومنهم مؤمن، قال تعالى :﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُون﴾ [الجن: ١٤].
وأما الإنس فوالدهم الأول آدم ؛ لقوله تعالى :﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقوله :﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].
واتفق العقلاءُ على أن البشر أفضل من الجنِّ والشياطين، واختلفوا هل البشر أفضل أم الْمَلَك ؟ كما قدمناه في البقرة، واستدل القائلون بأن البشر أفضل بهذه الآية ؛ لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة، وعُلُوِّ الدرجة، فكما بيّن - تعالى - أنه اصطفى آدم وأولادَه من الأنبياء على كل العالمين، وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة ؛ لأنهم من العالمين.
فإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض ؛ لأن الجمع الكثير إذا وُصفُوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين، يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محالٌ، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي بلدته، أو عالمي زمانه، أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض، فوجب حمله على هذا المعنى، دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى - في صفة بني إسرائيل- ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] ولا يلزم كونهم أفضل من محمَّد ﷺ بل قلنا : المراد به عالمو زمان كل واحد منهم، فكذا هنا.
فالجواب أن ظاهر قوله : اصْطَفَى آدم على العالمين، يتناول كل مَنْ يَصِحُّ إطلاق لفظ " العالم " عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في الباب أنه تُرِكَ العملُ بعمومه - في بعض الصور - لدليل قام عليه فلا يجوز أن يتركه في سائر الصور من غير دليل.
فصل
الاصطفاء - في اللغة - الاختيار فمعنى اصْطَفاهُم : أي : جعلهم صفوةَ خلقه تمثيلاً بما يُشَاهَد من الشيء الذي يُصَفَّى من الكدورة، ويقال : صفَّاهم صَفْوَةً، وصِفْوَةً، وصُفْوَةً.
ونظير هذه الآية قوله - لموسى- :﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب :﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] وفي الآية قولان :
أحدهما : المعنى أن الله اصطفى دين آدمَ ودين نوح - على حذف مضاف - كما تقدم.
الثاني : أن الله اصطفاهم ؛ أي : صفَّاهم من الصفاتِ الذميمة، وزينهم بالصفات الحميدة، وهذا أولى لعدم الاحتياج إلى الإضمار، ولموافقة قوله :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
فصل
قيل : اختار الله آدم بخمسة أشياءٍ :
أولها : أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته.
الثاني : أنه علَّمه الأسماء كلَّها.
الثالث : أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له.
الرابع : أنه أسكنه الجنة.
الخامس : أنه جعله أبا البشر.
واختار نوحاً بخمسة أشياءٍ :
أولها : أنه جعله أبا البشر - بعد آدم - ؛ لأن الناس كلَّهم غرقوا، وصار ذريته هم الباقين.
الثاني : أنه أطال عمره، ويقال :" طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ".
الثالث : أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين.
الرابع : أنه حمله على السفينة (٢).
الخامس : أنه كان أول من نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يُحَرَّم تزويج الخالات والعمات.
واختار إبراهيم بخمسة أشياء :
أولها : أنه خرج منها جراً إلى ربه(٣) ليَهْدِيه.
الثاني : أنه اتخذه خليلاً.
الثالث : أنه أنجاه من النار.
الرابع : أنه جعله للناس إماماً.
الخامس : أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن.
وأما آل عمران فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنهم اختارهما على العالمين ؛ حيث أنزل على قومهما المن والسلْوَى، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم وإن كان عمران أبا مريم فإنه اصطفى مريم بولادة عيسى من غير أب، وذلك لم يكن لأحد من العالمين والله أعلم.
فصل
ذكر الحليمي في كتابه - المنهاج للأنبياء - قال : لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القُوَى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مُدْرِكة، وإمَّا محرِّكة ؛ أما المدركة فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة :
أحدها : القوة الباصرة، فكان ﷺ مخصوصاً بكمال هذه الصفة، لقوله :" زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها " (٤) وقوله :" أقيموا صفوفكم وتراصوا ؛ فإني أراكم من وراء ظهري(٥) " ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم - عليه السلام - قال تعالى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وذكر في تفسيرها أنه - تعالى قَوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل.
قال الحليمي : وهذا غير مُسْتبعَد ؛ لأن البُصراء يتفاوتون، فيُرْوَى أن زرقاء اليمامةِ كانت تُبْصِر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بَصَرُ النبي ﷺ أقْوَى من بصرها.
وثانيها : القوة السامعة، فكان - عليه السلام - أقوى الناسِ في هذه القوة ؛ لقوله :" أطت السماء وحق لها أن تئط ؛ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى " (٦).
وسمع أطيط السماء وسمع دوياً فذكر أنه هويّ صخرة قذفت في جهنم، فلم تبلغ مقرها إلى الآن.
قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ؛ فإنهم زعموا أن فيثاغورث راضَ نفسه حتى سمع حفيف الفلك. ونظير هذه القوة لسليمان - عليه السلام - في قصة النملة حيث قالت :﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فالله - تعالى - أسمع سليمان كلامَ النملة، وأوقفه على معناه وحصل ذلك لمحمد ﷺ حين تكلم مع الذئب والبعير والضَّبِّ.
وثالثها : تقوية قوة الشَّمِّ، كما في حق يعقوب - حين قال :﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] فأحسّ بها من مسيرة ثلاثة أيامٍ.
ورابعها : تقوية قوة الذوقِ، كما في حق نبيِّنَا ﷺ حين قال :" إن هذا الذراع يخبرني بأنه مسموم " (٧).
خامسها : تقوية قوة اللمس، كما في حق الخليل - عليه السلام - حيث جُعِلَتْ له النارُ بَرْداً وسلاماً وكيف يستبعد هذا ويُشَاهَد مثلُه في السَّمَنْدَل، والنعامة.
وأما الحواس الباطنة فمنها : قوة الحفظ، قال تعالى :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى﴾[الأعلى: ٦]،
ومنها : قوة الذكاء : قال عليٌّ - رضي الله عنه - : علمني رسول الله ﷺ ألف باب من العلم، واستنبط من كلّ باب ألف باب. فإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي ﷺ ؟
أما القوى المحرِّكة، فمثل عروج الرسول إلى المعراج، وعروج عيسى حيًّا إلى السماء، ورَفْع إدريس وإلياس - على ما وردت به الأخبار - قال تعالى :﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠].
وأما القوة الروحانية العقلية، فلا بد أن تكون في غاية الكمال، ونهاية الصفاء، إذا عرفت هذا فقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً﴾ معناه أن الله اصطفى آدم، إمَّا من سكان العالم السفلي - على قول من يقول : الملك أفضل من البشر - أو من سكان العالم العلويّ والسفليّ - على قول من يقول : البشر أفضل المخلوقات - ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة، من أولاد آدم، وهم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح الق
١ في أ: مجرورا..
٢ في أ: مشى الماء..
٣ في أ: الله..
٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢١٥ في الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (١٩- ٢٨٨٩) وأبو داود ٢/٤٩٩ في الفتن (٤٢٥٢)، والترمذي ٤/٤١٠ في الفتن (٢١٧٦)، وابن ماجه ٢/١٣٠٤ في الفتن (٣٩٥٢) من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٥ أخرجه البخاري (٢/٣٤٧) كتاب الأذان باب إلزاق المنكب بالمنكب (٧٢٥) والنسائي (٢/٩٥، ١٠٥) وأحمد (٣/١٠٣، ١٨٢، ٢٦٣) والبيهقي (٢/٢١) وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (٦٤٩- منحة) والبغوي في "شرح السنة" (٢/٣٨٠) وابن عبد البر في "التهميد" (٩/١٨٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/٣٠٩) عن أنس بن مالك مرفوعا. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب" (١/٣٢٠)..
٦ أخرجه أحمد (٥/١٧٣) والترمذي (٤/٤٨٢) كتاب الزهد باب قول النبي ﷺ لو تعلمون ما أعلم رقم (٢٣١٢) عن أبي ذر مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في الزهد باب الحزن والبكاء. وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٢٩٨٣٠) وعزاه ابن مردويه عن أنس ورواه ابن منده وابن عساكر عن العلاء بن سعد كما في "كنز العمال" (٢٩٨٦٥)..
٧ أخرجه البخاري ٥/٢٧٢ في الهبة، باب قبول الهداية من المشركين (٢٦١٧)، ومسلم ٤/١٧٢١ في السلام (٤٥- ٢١٩٠) عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها وجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك. فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك. قال أو قال علي: قال قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم..
٢ في أ: مشى الماء..
٣ في أ: الله..
٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢١٥ في الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (١٩- ٢٨٨٩) وأبو داود ٢/٤٩٩ في الفتن (٤٢٥٢)، والترمذي ٤/٤١٠ في الفتن (٢١٧٦)، وابن ماجه ٢/١٣٠٤ في الفتن (٣٩٥٢) من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٥ أخرجه البخاري (٢/٣٤٧) كتاب الأذان باب إلزاق المنكب بالمنكب (٧٢٥) والنسائي (٢/٩٥، ١٠٥) وأحمد (٣/١٠٣، ١٨٢، ٢٦٣) والبيهقي (٢/٢١) وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (٦٤٩- منحة) والبغوي في "شرح السنة" (٢/٣٨٠) وابن عبد البر في "التهميد" (٩/١٨٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/٣٠٩) عن أنس بن مالك مرفوعا. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب" (١/٣٢٠)..
٦ أخرجه أحمد (٥/١٧٣) والترمذي (٤/٤٨٢) كتاب الزهد باب قول النبي ﷺ لو تعلمون ما أعلم رقم (٢٣١٢) عن أبي ذر مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في الزهد باب الحزن والبكاء. وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٢٩٨٣٠) وعزاه ابن مردويه عن أنس ورواه ابن منده وابن عساكر عن العلاء بن سعد كما في "كنز العمال" (٢٩٨٦٥)..
٧ أخرجه البخاري ٥/٢٧٢ في الهبة، باب قبول الهداية من المشركين (٢٦١٧)، ومسلم ٤/١٧٢١ في السلام (٤٥- ٢١٩٠) عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها وجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك. فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك. قال أو قال علي: قال قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم..