البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
نوح : اسم أعجمي مصروف عند الجمهور وإن كان فيه ما كان يقتضي منع صرفه وهو : العلمية والعجمة الشخصية، وذلك لخفة البناء بكونه ثلاثياً ساكن الوسط لم يضف إليه سبب آخر، ومن جوز فيه الوجهين فبالقياس على هذا لا بالسماع، ومن ذهب إلى أنه مشتق من النواح فقوله ضعيف، لأن العجمة لا يدخل فيها الاشتقاق العربي إلاَّ إِنْ ادعى أنه مما اتفقت فيه لغة العرب ولغة العجم، فيمكن ذلك.
ويسمى : آدم الثاني واسمه السكن، قاله غير واحد، وهو ابن لملك بن متوشلخ بن اخنوخ بن سارد بن مهلابيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم.
عمران : اسم أعجمي ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، ولو كان عربياً لامتنع أيضاً للعلمية، وزيادة الألف والنون إذ كان يكون اشتقاقه من العمر واضحاً.
﴿إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ قال ابن عباس : قالت اليهود : نحن أبناء إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب.
ونحن على دينهم، فنزلت.
وقيل : في نصارى نجران لما غلوا في عيسى، وجعلوه، ابن الله تعالى، واتخذوه إلهاً، نزلت رداً عليهم، وإعلاماً أن عيسى من ذرية البشر المتنقلين في الأطوار المستحيلة على الإله، واستطرد من ذلك إلى ولادة أمه، ثم إلى ولادته هو، وهذه مناسبة هذه الآيات لما قبلها.
وأيضاً.
لما قدم قبل :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ووليه ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ وختمها بأنه ﴿لا يحب الكافرين﴾ ذكر المصطفين الذين يحب اتباعهم، فبدأ أولاً بأولهم وجوداً وأصلهم، وثنى بنوح عليه السلام إذ هو آدم الأصغر ليس أحد على وجه الأرض إلاَّ من نسله، ثم أتى ثالثاً بآل إبراهيم، فاندرج فيهم رسول الله ﷺ، المأمور باتباعه وطاعته، وموسى عليه السلام، ثم أتى رابعاً بآل عمران، فاندرج في آله مريم وعيسى عليهما السلام، ونص على آل إبراهيم لخصوصية اليهود بهم، وعلى آل عمران لخصوصية النصارى بهم، فذكر تعالى جعلَ هؤلاءِ صفوة، أي مختارين نقاوة.
والمعنى أنه نقاهم من الكدر.
وهذا من تمثيل المعلوم بالمحسوس.
واصطفاء آدم بوجوه.
منها خلقة أول هذا الجنس الشريف، وجعله خليفة في الأرض، وإسجاد الملائكة له، واسكانه جنته، إلى غير ذلك مما شرّفه به.
واصطفاء نوح عليه السلام بأشياء، منها : أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض بتحريم : البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر ذوي المحارم، وأنه أب الناس بعد آدم وغير ذلك، واصطفاء آل إبراهيم عليه السلام بأن جعل فيهم النبوّة والكتاب.
قال ابن عباس، والحسن : آل إبراهيم من كان على دينه.
وقال مقاتل : آله اسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.
وقيل : المراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه.
وتقدّم لناشىء من الكلام على ذلك في قوله :﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾
وعمران هذا المضاف إليه : آل، قيل هو : عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وهو أبو مريم البتول أم عيسى عليه السلام، قاله : الحسن ووهب.
وقيل : هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن نصير قاله مقاتل.
فعلى الأول آله عيسى، قاله الحسن وعلى الثاني آله موسى وهارون، قاله مقاتل.
وقيل : المراد بآل عمران عمران نفسه، والظاهر في عمران أنه أبو مريم لقوله بعد ﴿إذ قالت امرأة عمران﴾ فذكر قصة مريم وابنها عيسى، ونص على أن الله اصطفاها بقوله ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك﴾ فقوله :﴿إذ قالت امرأة عمران﴾ كالشرح لكيفية الاصطفاء، لقوله : وآل عمران، وصار نظير تكرار الاسم في جملتين، فيسبق الذهن إلى أن الثاني هو الأول، نحو : أكرم زيداً رجل صالح.
وإذا كان المراد بالثاني غير الأول، كان في ذلك إلباس على السامع.
وقد رجح القول الآخر بأن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر، ولا يتطرق الفهم إلى أن عمران الثاني هو أبو موسى وهارون، وإن كانت له بنت تسمى مريم، وكانت أكبر من موسى وهارون سناً، للنص على أن مريم بنت عمران بن ماثان ولدت عيسى، وأن زكريا كفل مريم أم عيسى، وكان زكريا قد تزوج أخت مريم إمشاع ابنة عمران بن ماثان فكان يحيى وعيسى ابني خالة، وبين العمرانين والمريمين أعصار كثيرة.
قيل : بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة.
والظاهر أن الآل من يؤول إلى الشخص في قرابة أو مذهب، والظاهر أنه نص على هؤلاء هنا في الاصطفاء للمزايا التي جعلها الله تعالى فيهم.
وذهب قاضي القضاة بالأندلس : أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي، رحمه الله ورضي عنه، إلى أن ذكر آدم ونوح تضمن الإشارة إلى المؤمنين من بينهما، وأن الآل الأتباع، فالمعنى أن الله اصطفى المؤمنين على الكافرين، وخص هؤلاء بالذكر تشريفاً لهم، ولأن الكلام في قصة بعضهم.
انتهى ما قال ملخصاً، وقوله شبيه في المعنى بقول من تأول قوله آدم وما بعده على حذف مضاف، أي : أن الله اصطفى دين آدم.
وروي معناه عن ابن عباس، قال : المراد اصطفى دينهم على سائر الأديان، واختاره الفراء.
وقال التبريزي : هذا ضعيف، لأنه لو كان ثَمَّ مضاف محذوف لكان : ونوح مجروراً، لأن آدم محله الجر بالإضافة، وهذا الذي قاله التبريزي ليس بشيء، ولولا تسطيره في الكتب ما ذكرته.
لأنه لا يلزم أن يجر المضاف إليه إذا حذف المضاف، فيلزم جر ما عطف عليه، بل يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف المحذوف.
ألا ترى إلى قوله ﴿واسأل القرية﴾ وأما إقراره مجروراً فلا يجوز إلا بشرط ذكر في علم النحو.
﴿على العالمين﴾ متعلق باصطفى، ضمنه معنى فضل، فعداه بعلى.
ولو لم يضمنه معنى فضل لعدى بمن.
قيل : والمعنى على عالمي زمانهم، واللفظ عام، والمراد به الخصوص كما قال جرير :
ويضحى العالمون له عيالاً *** وقال الحطيئة :
أراح الله منك العالميناوكما تؤول في ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾
وقال القتبي : لكل دهر عالم، ويمكن أين يخص بمن سوى هؤلاء، ويكون قد اندرج في قوله : وآل إبراهيم محمد ﷺ، فيكون المعنى : إن هؤلاء فضلوا على من سواهم من العالمين.
واشتراكهم في القدر المشترك من التفضيل لا يدل على التساوي في مراتب التفضيل، كما تقول : زيد وعمر وخال أغنياء، فاشتراكهم في القدر المشترك من الغنى لا يدل على التساوي في مراتب الغنى، وإذا حملنا : العالمين، على من سوى هؤلاء، كان في ذلك دلالة على تفضيل البشر على الملائكة، لأنهم من سوى هؤلاء الصطفين، وقد استدل بالآية على ذلك.
ولا يمكن حمل : العالمين، على عمومه لأجل التناقض، لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين، يلزم كل واحد منهم أن يكون أفضل من الآخر، وهو محال.
وقرأ عبد الله : وآل محمد على العالمين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وفي هذه الآيات أنواع من الفصاحة.
العموم الذي يراد به الخصوص في قوله : على العالمين، والإختصاص في قوله : آدم، ونوحاً، وآل إبراهيم، وآل عمران.
وإطلاق اسم الفرع على الأصل.
والمسبب على السبب، في قوله : ذرية، فيمن قال المراد الأباء، والإبهام في قوله : ما في بطني، لما تعذر عليها الإطلاع على ما في بطنها أتت بلفظ : ما، الذي يصدق على الذكر والأنثى، والتأكيد في قوله :﴿إنك أنت السميع العليم﴾ والخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها : وضعتها أنثى، والاعتراض في قوله :﴿والله أعلم بما وضعت﴾، في قراءة من سكن التاء أو كسرها وتلوين الخطاب ومعدوله في قوله : والله أعلم بما وضعت، في قراءة من كسر التاء، خرج من خطاب الغيبة في قولها : فلما وضعتها، إلى خطاب المواجهة في قوله : بما وضعت والتكرار في : وأنى، وفي : زكريا، وزكريا، وفي : من عند الله، إن الله والتجنيس المغاير في : فتقبلها ربها بقبول، وأنبتها نباتاً، وفي : رزقاً ويرزق والإشارة، وهو أن يعبر باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي، في قوله : هو من عند الله، أي هو رزق لا يقدر على الإتيان به في ذلك الوقت إلاَّ الله.
وفي قوله : رزقاً، أتى به منكّراً مشيراً إلى أنه ليس من جنس واحد، بل من أجناس كثيرة، لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة.
والحذف في عدة مواضع لا يصح المعنى إلا باعتبارها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى