اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
في الناصب لِ " إذْ " أوجه :
أحدها : أنه " اذكر " مقدَّراً، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، أي : اذكر لهم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت وإليه ذهب أبو الحسن وأبو العباس.
الثاني : أن الناصب له معنى الاصطفاء، أي :" اصْطَفَى " مقدَّراً مدلولاً عليه ب " اصْطَفَى " الأوَّل والتقدير : واصطفى آل عمران - إذ قالت امرأة عمران. وعلى هذا يكون قوله :﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات ؛ إذ لو جُعِل من عطف المفردات لزم أن يكون وقتُ اصطفاءِ آدمَ وقول امرأةِ عمران كيت وكيت، وليس كذلك ؛ لتغاير الزمانَيْن، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير هذا الملفوظِ به، وإلى هذا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ وغيره.
الثالث : أنه منصوب ب " سميع " وبه صرح ابن جرير الطبري، وإليه نحا الزمخشري ؛ فإنه قال : سميع عليم لقول امرأة عمران ونِيَّتها، و " إذْ " منصوب به.
قال أبو حيّان : ولا يَصِحُّ ذَلِكَ ؛ لأن قوله :﴿عَلِيمٌ﴾ إمّا أن يكون خبراً بعد خبر، أو وصفاً لقوله :" سميع " فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول ؛ لأنه أجنبيٌّ عنهما، وإن كان وَصْفاً فلا يجوز أن يَعْمَل ﴿سَمِيعٌ﴾ في الظرف ؛ لأنه قَدْ وُصِفَ، واسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وُصِفَ قَبْلَ معموله لا يجوز له - إذ ذاك - أن يعمل، على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك ؛ لأن اتصافه تعالى ب﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لا يتقيد بذلك الوقت.
قال شهابُ الدين :" وهذا القدر غيرُ مانع ؛ لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيره، ولذلك تقدم على ما في خبر " اَل " الموصولة وما في خبر " أن " المصدرية ".
وأما كونه - تعالى - سميعاً عليماً لا يتقيد بذلك الوقت، فإن سَمْعَه لذلك الكلام مقيَّد بوجود ذلك الكلام، وعلمه - تعالى - بأنها تذكر مقيَّد بذكرها لذلك، والتغيُّر في السمع والعلم، إنما هو في النسبِ والتعلُّقات.
الرابع : أن تكون " إذْ " زائدةً، وهو قول أبي عُبَيْدَةَ، والتقدير : قالت امرأة عمرانَ، وهذا غلط من النحويين، قال الزّجّاج لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً ؛ لأن إلغاء حرفٍ من كتاب الله تعالى - من غير ضرورةٍ لا يجوز، وكان أبو عبيدة يُضَعَّفُ في النحو.
الخامس : قال الأخفش والمُبَرِّد : التقدير :" ألم تر إذْ قالت امرأة عمران، ومثله في كتاب الله كثير ".
امرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا أم مريم، وهي حنة - بالحاء المهملة والنون - وجدة عيسى - عليه السلام - وليس باسم عربي.
قال القرطبيُّ :" ولا يُعْرَف في العربية " حنة " : اسم امرأة - وفي العرب أبو حنة البدريّ، ويقال فيه أبو حبة - بالباء الموحَّدة - وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشام، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك.
قال أبو نواس :
وفي العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاريّ وأبو السنابل بن بعْكك - المذكور في حديث سبيعة الأسلمية، ولا يعرف " خَنَّة " - بالخاء المعجمة - إلا بنت يحيى بن أكثم، وهي أم محمد بن نصر، ولا يُعْرَف " جَنَّة " - بالجيم - إلاَّ أبو جنة وهو خال ذي الرمة الشاعر، نقل هذا كله ابنُ ماكولا.
وعمران بن ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.
وقيل : عمران بن أشهم، وكان زكريا قد تزوَّج إيشاع بنت فاقوذ، وهي أخت حنة أم مريم، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة، وفي كيفية هذا النذر روايات(٢).
قال عكرمةُ : إنها كانت عاقراً لا تلد، وتغبط النساء بالأولاد، فقالت : اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدَّقَ به على بيتك المقدَّس، فيكونَ من سَدَنَتِهِ. (٣)
الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد، فلما شاخت جلست يوماً في ظل شجرة فرأت ظائراً يُطْعِم فِراخًاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت رَبَّها أن يَهَبَ لها وَلَداً، فحملت مريم وهلك عمران - فلما عرفت جعلته لله محرراً - أي : خادماً للمسجد(٤).
قال الحسن البصري : إنما فعلت ذلك بإلهام من الله - تعالى - ولولاه لما فعلت، كما رأى إبراهيم - عليه السلام - ذبحَ ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر الله تعالى - وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أمَّ موسى بقَذْفه في اليم وليس بوحي، فلما حررت ما في بطنها - ولم تعلم ما هو، قال لها زوجها : ويحكِ : ما صنعتِ ؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثَى لا يصح لذلك ؟ فوقعوا جميعاً في هَمٍّ من ذلك، فهلك عمران وحنة حامل بمريم ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى﴾.
قوله :" مُحَرَّراً " في نَصبه أوجه :
أحدها : أنها حال من الموصول - وهو ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ - فالعامل فيها " نذرت ".
الثاني : أنه حال من الضمير المرفوع بالجار ؛ لوقوعه صلة " ما " وهو قريب من الأول، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور.
الثالث : أن ينتصب على المصدر ؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعول من الفعل الزَّائد على ثلاثة أحرف، وعلى هذا، فيجوز أن يكون في الكلام حذفُ مضاف، تقديره : نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير، ويجوز أن يكون " ما " انتصب على المعنى ؛ لأن معنى ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ : حرَّرتُ لك ما في بطني تحريراً، ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله :﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] وقوله :
﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] - في قراءة من فتح الراء - أي : كلَّ تمزيق، فما له من إكرام.
ومثله قول :[ الوافر ]
أي تسريحي القوافي.
الرابع : أن يكون نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ، تقديره : غلاماً مُحَرَّراً، قاله مكيُّ بن أبي طالب - وجعل ابنُ عطية، في هذا القول نظراً.
قال شهاب الدين(٦) :" وجه النظر فيه أن " نذر " قد أخذ مفعوله - وهو قوله :﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ فلم يتعد إلى مفعول آخرَ، وهو نظر صحيح ".
وعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالاً مقارنة إن أريد بالتحرير معنى العِتْق ومقدرة معنى خدمة الكنيسة - كما جاء في التفسير، ووقف أبو عمرو والكسائي على " امرأة " بالهاء - دون التاء - وقد كتبوا " امرأة " بالتاء وقياسها الهاء هاهنا وفي يوسف " امرأة العزيز " موضعين - وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وأهل المدينة يقفون بالتاء ؛ إتباعاً لرسم المصحف، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة : حمزت.
وأنشدوا :
والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه وهذا النوع من النَّذْر كان في بني إسرائيل، ولم يوجَد في شرعنا.
قال ابن العربي :" لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حَمْلِها نذرٌ ؛ لكونها حُرَّةٌ، فلو كانت امرأته أَمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده. وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذرُ عبداً فلم يتقرر وله في ذلك، وإن كان حُرًّا، فلا يصح أن يكون، مملوكاً له، وكذلك المرأة مثله، فأي وجه للنذر فيه ؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريدُ ولَده للأنس به والتسلّي، والاستنصارِ، فطلبت هذه المرأة أنساً به، وسُكوناً إليه، فلمَّا مَنَّ الله - تعالى - عليها به نذرَتْ أن حظها من الأنس متروك فيه، وهو على خدمة الله - تعالى - موقوفٌ، وهذا نَذْر الأحرار من الأبرار، وأرادت به مُحَرَّراً من جهتي رق الدنيا وأشغالها.
قوله :﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ أتى ب " ما " التي لغير العاقلِ ؛ لأن ما في بطنها مُبْهَمٌ أمرُه، والمُبْهَم أمره يجوز أن يُعَبَّر عنه ب " ما ".
ومثاله أن تقول إذا رأيتَ شبحاً من بعيد لا تدري إنسان هو أم غيره : ما هذا ؟ ولو عرفته إنساناً وجهلت كونه ذكراً أو أنثى، قلت : ما هو أيضاً ؟ والآية من هذا القبيل، هذا عند مَنْ يرى أن " ما " مخصوصة بغير العاقل، وأما من يرى وقوعها على العقلاء، فلا يتأوَّل شيئاً.
وقيل : إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبر عنه ب " ما " التي لغير العُقَلاء.
المحرر : الذي يُجْعَل حُرًّا خالصاً، يقال : حرَّرت العبدَ - إذا أخلصته من الرق - وحرَّرْت الكتاب، أي : أصلحته وخلصته من وجوه الغلط، ورجل حُرّ : إذا كان خالصاً لنفسه، وليس لأحد عليه تعلُّق.
والطين الحر : الخالص من الرمل والحمأة والعيوب، فمعنى " مُحَرَّراً "، أي : مُخْلصاً للعبادة، قاله الشعبيُّ.
وقيل : خادماً للبيعة.
وقيل : عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله.
وقيل : خادماً لمن يدرس الكتاب، ويُعَلِّم في البيع.
والمعنى أنها نذرت أن تجعلَ الولدَ وَقْفاً على طاعة الله تعالى.
قيل : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا شيء، فكان تحريرهم جعلَهم أولادَهم على الصفة التي ذكرنا ؛ وذلك ؛ لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صَارَ بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا - بالنذر - يتركون ذلك النوعَ من الانتفاع، ويجعلونهم محرَّرين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى.
وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة - يقوم بخدمتها - حتى يبلغَ الحلم، ثم يُخَيَّر بين المُقام والذهاب فإن أبي المقام، وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعدَ ذلك خيار، ولم يكن نبيّ إلا ومن نسله محرَّر في بيت المقدس.
وهذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان، أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك ؛ لِمَا يُصِيبها من الحيض، والأذى، وحنَّةُ نذرت مطلقاً، إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلةً إلى طلب الذكر ومعنى : نذرت لك أي لعبادتك، وتقدم الكلام على النذر، ثم قال تعالى - حاكياً عنها - :﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، والتقبُّل : أخذ الشيء على الرضا، قال الواحديُّ :" وأصله من المقابلة ؛ لأنه يقابَل بالجزاءِ، وهذا كلام مَن لم يرد بفعله إلا رضا الله - تعالى - والإخلاصَ في عبادته ومعنى ﴿السَّمِيعُ﴾ أي : لتضرعي ودعائي وندائي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضميري ونيَّتي.
أحدها : أنه " اذكر " مقدَّراً، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، أي : اذكر لهم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت وإليه ذهب أبو الحسن وأبو العباس.
الثاني : أن الناصب له معنى الاصطفاء، أي :" اصْطَفَى " مقدَّراً مدلولاً عليه ب " اصْطَفَى " الأوَّل والتقدير : واصطفى آل عمران - إذ قالت امرأة عمران. وعلى هذا يكون قوله :﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات ؛ إذ لو جُعِل من عطف المفردات لزم أن يكون وقتُ اصطفاءِ آدمَ وقول امرأةِ عمران كيت وكيت، وليس كذلك ؛ لتغاير الزمانَيْن، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير هذا الملفوظِ به، وإلى هذا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ وغيره.
الثالث : أنه منصوب ب " سميع " وبه صرح ابن جرير الطبري، وإليه نحا الزمخشري ؛ فإنه قال : سميع عليم لقول امرأة عمران ونِيَّتها، و " إذْ " منصوب به.
قال أبو حيّان : ولا يَصِحُّ ذَلِكَ ؛ لأن قوله :﴿عَلِيمٌ﴾ إمّا أن يكون خبراً بعد خبر، أو وصفاً لقوله :" سميع " فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول ؛ لأنه أجنبيٌّ عنهما، وإن كان وَصْفاً فلا يجوز أن يَعْمَل ﴿سَمِيعٌ﴾ في الظرف ؛ لأنه قَدْ وُصِفَ، واسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وُصِفَ قَبْلَ معموله لا يجوز له - إذ ذاك - أن يعمل، على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك ؛ لأن اتصافه تعالى ب﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لا يتقيد بذلك الوقت.
قال شهابُ الدين :" وهذا القدر غيرُ مانع ؛ لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيره، ولذلك تقدم على ما في خبر " اَل " الموصولة وما في خبر " أن " المصدرية ".
وأما كونه - تعالى - سميعاً عليماً لا يتقيد بذلك الوقت، فإن سَمْعَه لذلك الكلام مقيَّد بوجود ذلك الكلام، وعلمه - تعالى - بأنها تذكر مقيَّد بذكرها لذلك، والتغيُّر في السمع والعلم، إنما هو في النسبِ والتعلُّقات.
الرابع : أن تكون " إذْ " زائدةً، وهو قول أبي عُبَيْدَةَ، والتقدير : قالت امرأة عمرانَ، وهذا غلط من النحويين، قال الزّجّاج لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً ؛ لأن إلغاء حرفٍ من كتاب الله تعالى - من غير ضرورةٍ لا يجوز، وكان أبو عبيدة يُضَعَّفُ في النحو.
الخامس : قال الأخفش والمُبَرِّد : التقدير :" ألم تر إذْ قالت امرأة عمران، ومثله في كتاب الله كثير ".
فصل
امرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا أم مريم، وهي حنة - بالحاء المهملة والنون - وجدة عيسى - عليه السلام - وليس باسم عربي.
قال القرطبيُّ :" ولا يُعْرَف في العربية " حنة " : اسم امرأة - وفي العرب أبو حنة البدريّ، ويقال فيه أبو حبة - بالباء الموحَّدة - وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشام، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك.
قال أبو نواس :
| يَا ديرَ حَنَّةَ مِنْ ذَاتِ الأكَيْرَاحِ | مَنْ يَصْحُ عَنْكِ فَإنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِي(١) |
وعمران بن ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.
وقيل : عمران بن أشهم، وكان زكريا قد تزوَّج إيشاع بنت فاقوذ، وهي أخت حنة أم مريم، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة، وفي كيفية هذا النذر روايات(٢).
قال عكرمةُ : إنها كانت عاقراً لا تلد، وتغبط النساء بالأولاد، فقالت : اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدَّقَ به على بيتك المقدَّس، فيكونَ من سَدَنَتِهِ. (٣)
الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد، فلما شاخت جلست يوماً في ظل شجرة فرأت ظائراً يُطْعِم فِراخًاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت رَبَّها أن يَهَبَ لها وَلَداً، فحملت مريم وهلك عمران - فلما عرفت جعلته لله محرراً - أي : خادماً للمسجد(٤).
قال الحسن البصري : إنما فعلت ذلك بإلهام من الله - تعالى - ولولاه لما فعلت، كما رأى إبراهيم - عليه السلام - ذبحَ ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر الله تعالى - وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أمَّ موسى بقَذْفه في اليم وليس بوحي، فلما حررت ما في بطنها - ولم تعلم ما هو، قال لها زوجها : ويحكِ : ما صنعتِ ؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثَى لا يصح لذلك ؟ فوقعوا جميعاً في هَمٍّ من ذلك، فهلك عمران وحنة حامل بمريم ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى﴾.
قوله :" مُحَرَّراً " في نَصبه أوجه :
أحدها : أنها حال من الموصول - وهو ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ - فالعامل فيها " نذرت ".
الثاني : أنه حال من الضمير المرفوع بالجار ؛ لوقوعه صلة " ما " وهو قريب من الأول، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور.
الثالث : أن ينتصب على المصدر ؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعول من الفعل الزَّائد على ثلاثة أحرف، وعلى هذا، فيجوز أن يكون في الكلام حذفُ مضاف، تقديره : نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير، ويجوز أن يكون " ما " انتصب على المعنى ؛ لأن معنى ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ : حرَّرتُ لك ما في بطني تحريراً، ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله :﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] وقوله :
﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] - في قراءة من فتح الراء - أي : كلَّ تمزيق، فما له من إكرام.
ومثله قول :[ الوافر ]
| ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ الْقَوَافِي | فَلاَ عِيًّا بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَا(٥) |
الرابع : أن يكون نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ، تقديره : غلاماً مُحَرَّراً، قاله مكيُّ بن أبي طالب - وجعل ابنُ عطية، في هذا القول نظراً.
قال شهاب الدين(٦) :" وجه النظر فيه أن " نذر " قد أخذ مفعوله - وهو قوله :﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ فلم يتعد إلى مفعول آخرَ، وهو نظر صحيح ".
وعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالاً مقارنة إن أريد بالتحرير معنى العِتْق ومقدرة معنى خدمة الكنيسة - كما جاء في التفسير، ووقف أبو عمرو والكسائي على " امرأة " بالهاء - دون التاء - وقد كتبوا " امرأة " بالتاء وقياسها الهاء هاهنا وفي يوسف " امرأة العزيز " موضعين - وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وأهل المدينة يقفون بالتاء ؛ إتباعاً لرسم المصحف، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة : حمزت.
وأنشدوا :
| وَاللهُ نَجَّاكَ بِكَفَّيْ مَسْلَمَتْ | مِنْ بَعْدِمَا وَبعْدِمَا وَبَعْدِمَتْ(٧) |
فصل
والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه وهذا النوع من النَّذْر كان في بني إسرائيل، ولم يوجَد في شرعنا.
قال ابن العربي :" لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حَمْلِها نذرٌ ؛ لكونها حُرَّةٌ، فلو كانت امرأته أَمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده. وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذرُ عبداً فلم يتقرر وله في ذلك، وإن كان حُرًّا، فلا يصح أن يكون، مملوكاً له، وكذلك المرأة مثله، فأي وجه للنذر فيه ؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريدُ ولَده للأنس به والتسلّي، والاستنصارِ، فطلبت هذه المرأة أنساً به، وسُكوناً إليه، فلمَّا مَنَّ الله - تعالى - عليها به نذرَتْ أن حظها من الأنس متروك فيه، وهو على خدمة الله - تعالى - موقوفٌ، وهذا نَذْر الأحرار من الأبرار، وأرادت به مُحَرَّراً من جهتي رق الدنيا وأشغالها.
قوله :﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ أتى ب " ما " التي لغير العاقلِ ؛ لأن ما في بطنها مُبْهَمٌ أمرُه، والمُبْهَم أمره يجوز أن يُعَبَّر عنه ب " ما ".
ومثاله أن تقول إذا رأيتَ شبحاً من بعيد لا تدري إنسان هو أم غيره : ما هذا ؟ ولو عرفته إنساناً وجهلت كونه ذكراً أو أنثى، قلت : ما هو أيضاً ؟ والآية من هذا القبيل، هذا عند مَنْ يرى أن " ما " مخصوصة بغير العاقل، وأما من يرى وقوعها على العقلاء، فلا يتأوَّل شيئاً.
وقيل : إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبر عنه ب " ما " التي لغير العُقَلاء.
المحرر : الذي يُجْعَل حُرًّا خالصاً، يقال : حرَّرت العبدَ - إذا أخلصته من الرق - وحرَّرْت الكتاب، أي : أصلحته وخلصته من وجوه الغلط، ورجل حُرّ : إذا كان خالصاً لنفسه، وليس لأحد عليه تعلُّق.
والطين الحر : الخالص من الرمل والحمأة والعيوب، فمعنى " مُحَرَّراً "، أي : مُخْلصاً للعبادة، قاله الشعبيُّ.
وقيل : خادماً للبيعة.
وقيل : عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله.
وقيل : خادماً لمن يدرس الكتاب، ويُعَلِّم في البيع.
والمعنى أنها نذرت أن تجعلَ الولدَ وَقْفاً على طاعة الله تعالى.
قيل : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا شيء، فكان تحريرهم جعلَهم أولادَهم على الصفة التي ذكرنا ؛ وذلك ؛ لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صَارَ بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا - بالنذر - يتركون ذلك النوعَ من الانتفاع، ويجعلونهم محرَّرين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى.
وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة - يقوم بخدمتها - حتى يبلغَ الحلم، ثم يُخَيَّر بين المُقام والذهاب فإن أبي المقام، وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعدَ ذلك خيار، ولم يكن نبيّ إلا ومن نسله محرَّر في بيت المقدس.
وهذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان، أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك ؛ لِمَا يُصِيبها من الحيض، والأذى، وحنَّةُ نذرت مطلقاً، إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلةً إلى طلب الذكر ومعنى : نذرت لك أي لعبادتك، وتقدم الكلام على النذر، ثم قال تعالى - حاكياً عنها - :﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، والتقبُّل : أخذ الشيء على الرضا، قال الواحديُّ :" وأصله من المقابلة ؛ لأنه يقابَل بالجزاءِ، وهذا كلام مَن لم يرد بفعله إلا رضا الله - تعالى - والإخلاصَ في عبادته ومعنى ﴿السَّمِيعُ﴾ أي : لتضرعي ودعائي وندائي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضميري ونيَّتي.
١ ينظر البيت في ديوانه ص ٢٩٧ والبحر ٢/٤٥٥، والتاج ٢/٢١١..
٢ سقط في ب..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٣٢) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣) وزاد نسبته لابن المنذر..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٣٠)..
٥ البيت لجرير ينظر شرح أبيات سيبويه ١/٩٧، والكتاب ١/٢٣٣، ٣٣٦، ولسان العرب (جلب)، (سحج)، والمقتضب ١/٧٥، ٢/١٢١، والدر المصون ٢/٧١..
٦ ينظر: الدر المصون ٢/٧٢..
٧ البيت لأبي النجم –ينظر الخصائص ١/٣٠٤ ومجالس ثعلب (٢٧٠) وسر الصناعة ١/١٧٧ واللسان (للكميت) ورصف المباني ١٦٢ وابن يعيش ٩/٨١ وشرح الشافية ٢/٨٩ وشرح التصريح ٢/٣٤٤ والأشموني ٤/٢١٤ وأوضح المسالك ١/٣٤٨ والخصائص ١/٣٤ وضرائر الشعر ص ٢٣٢ والهمع ٢/٢٠٩ والدرر واللوامع ٢/٢١٤ والدر المصون ٢/٧٢..
٢ سقط في ب..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٣٢) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣) وزاد نسبته لابن المنذر..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٣٠)..
٥ البيت لجرير ينظر شرح أبيات سيبويه ١/٩٧، والكتاب ١/٢٣٣، ٣٣٦، ولسان العرب (جلب)، (سحج)، والمقتضب ١/٧٥، ٢/١٢١، والدر المصون ٢/٧١..
٦ ينظر: الدر المصون ٢/٧٢..
٧ البيت لأبي النجم –ينظر الخصائص ١/٣٠٤ ومجالس ثعلب (٢٧٠) وسر الصناعة ١/١٧٧ واللسان (للكميت) ورصف المباني ١٦٢ وابن يعيش ٩/٨١ وشرح الشافية ٢/٨٩ وشرح التصريح ٢/٣٤٤ والأشموني ٤/٢١٤ وأوضح المسالك ١/٣٤٨ والخصائص ١/٣٤ وضرائر الشعر ص ٢٣٢ والهمع ٢/٢٠٩ والدرر واللوامع ٢/٢١٤ والدر المصون ٢/٧٢..