البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
محرراً : اسم مفعول من حرر، ويأتي اختلاف المفسرين في مدلوله في الآية، والتحرير : العتق، وهو تصيير المملوك حراً.
﴿إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك﴾ الآية، لما ذكر أنه تعالى اصطفى آل عمران، وكان معظم صدر هذه السورة في أمر النصارى وفد نجران، ذكر ابتداء حال آل عمران، وامرأة عمران اسمها : حنة، بالحاء المهملة والنون المشدّدة مفتوحتين وآخرها تاء تأنيث، وهو اسم عبراني، وهي حنة بنت فاقود، ودير حنة بالشام معروف، وثم دير آخر يعرف بدير حنة، وقد ذكر أبو نواس دير حنة في شعره فقال :
يا دير حنة من ذات الاكيداحمن يصح عنك فاني لست بالصاح
وقبر حنة، جدّة عيسى، بظاهر دمشق.
وقال القرطبي : لا يعرف في العربي اسم امرأة حنة، وذكر عبد الغني بن سعيد الحافظ : حنة أم عمر ويروي حديثها ابن جريج.
ويستفاد حنة مع : حبة، بالحاء المهملة وباء بواحدة من أسفل، و : حية، بالحاء المهملة وياء باثنتين من أسفل، وهما اسمان لناس، ومع : خبة، بالخاء المعجمة والباء بواحدة من أسفل، وهي خبة بنت يحيى بن أكثم القاضي، أم محمد بن نصر، ومع : جنة بجيم ونون وهو أبو جنة خال ذي الرمة الشاعر، لا نعرف سواه.
ولم تكتف حنة بنية النذر حتى أظهرته باللفظ، وخاطبت به الله تعالى، وقدّمت قبل التلفظ بذلك نداء ها له تعالى بلفظ الرب.
الذي هو مالكها ومالك كل شيء، وتقدّم معنى النذر وهو استدفاع المخوف بما يعقده الإنسان على نفسه من أعمال البر.
وقيل : ما أوجبه الإنسان على نفسه بشريطة وبغير شريطة.
قال الشاعر :
فليت رجالا فيك قد نذروا دميوهموا بقتلي يا بثين لفوني
و : لك، اللام فيه لام السبب، وهو على حذف التقدير : لخدمة بيتك، أو للاحتباس على طاعتك.
﴿ما في بطني﴾ جزمت النذر على تقدير أن يكون ذكراً، أو لرجاء منها أن يكون ذكراً.
﴿محرراً﴾ معناه عتيقاً من كل شغل من أشغال الدنيا، فهو من لفظ الحرية.
قال محمد بن جعفر بن الزبير : أو خادماً للبيعة.
قاله مجاهد، أو : مخلصاً للعبادة، قاله الشعبي.
ورواه خصيف عن عكرمة، ومجاهد، وأتى بلفظ : ما، دون : من، لأن الحمل إذ ذاك لم يتصف بالعقل، أو لأن : ما، مبهمة تقع على كل شيء، فيجوز أن تقع موقع : من.
ونسب هذا إلى سيبويه.
﴿فتقبل مني﴾ دعت الله تعالى بأن يقبل منها ما نذرته له، والتقبل أخذ الشيء على الرضا به، وأصله المقابلة بالجزاء، و : تقبل، هنا بمعنى : قبل، فهو مما تفعل فيه بمعنى الفعل المجرد، كقولهم : تعدى الشيء وعدّاه، وهو أحد المعاني التي جاءت لها تفعل.
﴿إنك أنت السميع العليم﴾ ختمت بهذين الوصفين لأنها اعتقدت النذر، وعقدته بنيتها، وتلفظت به، ودعت بقبوله.
فناسب ذلك ذكر هذين الوصفين.
والعامل في : إذ، مضمر تقديره : أذكر، قاله الأخفش، والمبرد، أو معنى الاصطفاء، التقدير : واصطفى آل عمران.
قاله الزجاج، وعلى هذا يجعل ﴿وآل عمران﴾ من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات، لأنه إن جعل من باب عطف المفردات لزم أن يكون العامل فيه اصطفى آدم، ولا يسوغ ذلك لتغاير زمان هذا الاصطفاء، وزمان قول امرأة عمران، فلا يصح عمله فيه.
وقال الطبري ما معناه : إن العامل فيه : سميع، وهو ظاهر قول الزمخشري، أو : سميع عليم، لقول امرأة عمران ونيتها، و : إذ، منصوب به. انتهى.
ولا يصح ذلك لأن قوله : عليم، إما ان يكون خبراً بعد خبر، أو وصفاً لقوله : سميع، فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول لأنه أجنبي منهما، وإن كان وصفاً فلا يجوز أن يعمل : سميع، في الظرف، لأنه قد وصف.
اسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وصف قبل أخذ معموله لا يجوز له إذ ذاك أن يعمل على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك، ولأن اتصافه تعالى : بسميع عليم، لا يتقيد بذلك الوقت.
وذهب أبو عبيدة إلى أن إذ زائدة، المعنى : قالت امرأة عمران.
وتقدّم له نظير هذا القول في : مواضع، وكان أبو عبيدة يضعف في النحو.
وانتصب محرراً، على الحال.
قيل : من ما، فالعامل : نذرات وقيل من الضمير الذي في : استقر، العامل في الجار والمجرور، فالعامل في هذا : استقر، وقال مكي فمن نصبه على النعت لمفعول محذوف يقدّره : غلاماً محرراً.
وقال ابن عطية : وفي هذا نظر، يعني أن : نذر، قد أخذ مفعوله، وهو : ما في بطني، فلا يتعدّى إلى آخره، ويحتمل أن ينتصب : محرراً، على أن يكون مصدراً في معنى : تحريراً، لأن المصدر يجوز أن يكون على زنة المفعول من كل فعل زائد على الثلاثة، كما قال الشاعر :
ألم تعلم مسرحي القوافيفلا عياً بهنّ ولا اجتلابا
التقدير : تسريحي القوافي، ويكون إذ ذاك على حذف مضاف، أي : نذر تحرير، أو على أنه مصدر من معنى : نذرت، لأن معنى :﴿نذرت لك ما في بطني﴾ حررت لك بالنذر ما في بطني.
والظاهر القول الأول، وهو أن يكون حالاً من : ما، ويكون، إذ ذاك حالاً مقدّرة إن كان المراد بقوله : محرراً، خادماً للكنيسة، وحالاً مصاحبة إن كان المراد عتيقاً، لأن عتق ما في البطن يجوز.
وكتبوا : امرأة عمران، بالتاء لا بالهاء، وكذلك امرأة العزيز في موضعين، وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون.
سبعة مواضع، فأهل المدينة يقفون بالتاء اتباعاً لرسم المصحف مع أنها لغة لبعض العرب يقفون على طلحة طلحت، بالتاء.
ووقف أبو عمرو، والكسائي : بالهاء ولم يتبعوا رسم المصحف في ذلك، وهي لغة أكثر العرب، وذكر المفسرون سبب هذا الحمل الذي اتفق لامرأة عمران فروي أنها كانت عاقراً، وكانوا أهل بيت لهم عند الله مكانة، فبينا هي يوماً في ظل شجرة نظرت إلى طائر يذق فرخاً له، فتحركت به نفسها للولد، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولداً.
فحملت.
ومات عمران زوجها وهي حامل، فحسبت الحمل ولداً فنذرته لله حبيساً لخدمة الكنيسة أو بيت المقدس، وكان من عادتهم التقرب بهبة أولادهم لبيوت عباداتهم، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وأحبارهم، ولم يكن أحد منهم إلاَّ ومن نسله محرر لبيت المقدس من الغلمان، وكانت الجارية لا تصلح لذلك، وكان جائزاً في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم، فإذا حرر خدم الكنيسة بالكنس والإسراج حتى يبلغ، فيخير، فإن أحب أن يقيم في الكنيسة أقام فيها، وليس له الخروج بعد ذلك، وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء، ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلاَّ ومن نسله محرر لبيت المقدس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وفي هذه الآيات أنواع من الفصاحة.
العموم الذي يراد به الخصوص في قوله : على العالمين، والإختصاص في قوله : آدم، ونوحاً، وآل إبراهيم، وآل عمران.
وإطلاق اسم الفرع على الأصل.
والمسبب على السبب، في قوله : ذرية، فيمن قال المراد الأباء، والإبهام في قوله : ما في بطني، لما تعذر عليها الإطلاع على ما في بطنها أتت بلفظ : ما، الذي يصدق على الذكر والأنثى، والتأكيد في قوله :﴿إنك أنت السميع العليم﴾ والخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها : وضعتها أنثى، والاعتراض في قوله :﴿والله أعلم بما وضعت﴾، في قراءة من سكن التاء أو كسرها وتلوين الخطاب ومعدوله في قوله : والله أعلم بما وضعت، في قراءة من كسر التاء، خرج من خطاب الغيبة في قولها : فلما وضعتها، إلى خطاب المواجهة في قوله : بما وضعت والتكرار في : وأنى، وفي : زكريا، وزكريا، وفي : من عند الله، إن الله والتجنيس المغاير في : فتقبلها ربها بقبول، وأنبتها نباتاً، وفي : رزقاً ويرزق والإشارة، وهو أن يعبر باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي، في قوله : هو من عند الله، أي هو رزق لا يقدر على الإتيان به في ذلك الوقت إلاَّ الله.
وفي قوله : رزقاً، أتى به منكّراً مشيراً إلى أنه ليس من جنس واحد، بل من أجناس كثيرة، لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة.
والحذف في عدة مواضع لا يصح المعنى إلا باعتبارها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى