اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
" هنا " هو الاسم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وهو منصوب على الظرف المكاني، ب " دعا " أي : في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى من أمر مريمَ، وهو ظرف لا يتصرف بل يلزم النصبَ على الظرفية ب " مِنْ " وَ " إلَى ".
قال الشاعر :[ الرجز ]
قَدْ وَرَدَتْ مِنْ أمكِنَهْمِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هُنَهْ(١)
وحكمه حكم " ذَا " من كونه يُجَرَّد من حرف التنبيه، ومن الكاف واللام، نحو " هُنَا " وقد يَصْحَبه " ها " التنبيه، نحو هاهنا، ومع الكاف قليلاً، نحو ها هناك، ويمتنع الجمع بينها وبين اللام. وأخوات " هنا " بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها - و " ثَمَّ " بفتح الثاء - وقد يقال :" هَنَّت ". ولا يشار ب " هُنَالِكَ " وما ذُكِرَ مَعَهُ إلا للأمكنة، كقوله :﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] وقوله :﴿هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾
[الكهف: ٤٤] وقوله :﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣].
وقد زعم بعضهم أن " هُنا " و " هناك " و " هنالك " للزمان، فمن ورود " هنالك " بمعنى الزمان عند بعضهم - هذه الآية أي : في ذلك الزمان دعا زكريا ربه، ومثله :﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١]، وقوله :﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ﴾ ومنه قول زهير :[ الطويل ]
هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا. . . (٢)
ومن " هنَّا " قوله :[ الكامل ]
حَنَّتْ نُوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّتِوَبَدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أجَنَّتِ(٣)
لأن " لات " لا تعمل إلا في الأحيان.
وفي عبارة السجاوندي أن " هناك " في المكان، و " هنالك " في الزمان، وهو سهو ؛ لأنها للمكان سواء تجردت، أو اتصلت بالكاف واللام معاً، أم بالكاف من دون اللام.

فصل


ذكر المفسّرون أن زكريا - عليه السلام - لما رأى خَوَارِقَ العادة عند مريم طمع في خرق العادةِ في حقه، فرزقه الله الولد من الشيخة العاقر.
فإن قيل : لِمَ قلتم : إنَّ زكريا -عليه السلام- ما كان عالماً بأن الله قادر على خَرْق العادة إلا عند مشاهدة تلك الكرامات عند مريم، وهذه النسبة شَكٌّ في قدرة الله -تعالى- من زكريا، وإن قلتم بأنه كان عالماً بقدرة الله تعالى على ذلك لم تكن المشاهدة سبباً لزيادة علمه بقدرة الله - تعالى - فلم يكن لمشاهدته لتلك الكرامات أَثرٌ في السببية ؟
فالجواب : أنه كان عالماً قبل ذلك بالخوارق، أما أنّه هل تقع أم لا ؟ فلم يكن عالماً به، فلما شاهد وعلم أنه إذا وقع كرامة لوَلِيّ فبأن يجوز وقوع معجزة لنبيّ كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند ذلك.
قوله :﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه يتعلق ب " هَبْ " وتكون " مِنْ " لابتداء الغاية مجازاً، أي : يا رب هَبْ لي من عندك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه في الأصل صفة لِ " ذُرِّيَّة " فلما قُدِّم عليها انتَصَبَ حالاً.
وتقدم الكلام على " لَدُنْ " وأحكامها.
قال ابن الخطيب :" وقول زكريا :﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ لما لم تكن أسباب الولادة في حقه موجودة، قال :﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي بمحض قدرتك، من غير شيء من هذه الأسباب ".

فصل


الذرية : النسل، وهو يقع على الواحدِ والجمعِ والذكرِ والأنثى، والمراد - هنا - ولد واحد، وهو مثل قوله :" فهب لي من لدنك وليًّا ".
قوله :﴿طَيِّبَةً﴾ إن أريد ب " ذُرِّيَّة " الجنس، فيكون التأنيث في " طيِّبة " باعتبار تأنيث الجماعة، وإن أريد به ذَكر واحد فالتأنيث باعتبارِ اللفظِ.
قال الفراء : وأنّث " طَيِّبَةً " لتأنيث لفظ " الذرية " كما قال القائل في ذلك البيت :[ الوافر ]
أبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَىوَأنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ(٤)
وهذا فيما لم يُقْصَد به واحد مُعين، أما لو قُصِدَ به واحدٌ معيَّن امتنع اعتبار اللفظ نحو طلحة وحمزة، فيجوز أن يُقال : جاءت طلحة ؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكَّراً لم يجز فيه إلا التذكيرُ، وقد جمع الشاعر بين التذكير والتانيث في قوله :[ الطويل ]
فَمَا تَزْدَرِي مِنْ حَيَّةٍ جبَلِيَّةٍسُكَاتٍ إذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدَا(٥)
قوله ﴿سَمِيعٌ الدُّعَآءِ﴾ مثال مبالغة، مُحَوَّل من سامع، وليس بمعنى مُسْمِع ؛ لفساد المعنى ؛ لأن معناه إنك سامعه، وقيل : مُجِيبه، كقوله :﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] أي : فأجيبوني، وكقول المصلي : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، يريد قبل اللهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ من المؤمنين.

فصل


قال القرطبيُّ : دَلَّتْ هذه الآيةُ على طلب الولد، وهي سُنَّةُ المرسلين والصِّدِّيقينَ.
قال تعالى - حكاية عن إبراهيم - :﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقال تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] ودعا النبي ﷺ لأنس فقال :" اللهُمَّ أكثر مالَه وولَده، وبَارِك لَهُ فِيمَا أعْطَيْتَه(٦) " وقال ﷺ :" تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الوَدُودَ ؛ فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ الْقِيَامةِ(٧) " فدلَّ على أن طلب الولَد مندوبٌ إليه ؛ لِما يُرْجَى من نفعه في الدنيا والآخرة، وقال ﷺ :" إذَا مَاتَ أحَدُكُم انْقَطَع عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ " فذكر " أو ولَدٌ صَالح يَدْعُو لَه " (٨).

فصل


ويجب على الإنسان أن يتضرَّع إلى الله - تعالى - في هداية زوجته وولده بالتوفيق، والهداية، والصَّلاح، والعَفَاف، وأن يكونا معينَيْنِ له على دينه ودُنياه، حتى تَعْظُم منفعتُهما قال زكريا :﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾[مريم: ٦]، وقال :﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقال تعالى :﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤].
١ ينظر ابن يعيش ٣/١٣٨ و ٩/٨١ والهمع ١/٧٨ والمنصف ٢/١٥٦ والدرر ١/٥٢ واللسان (للكميت) وضرائر الشعر ص ٢٣٢ والدرر اللوامع ١/ ٥٢ و ٢/٢١٤ و ٢٣٣ وشرح الشافية ص ٤٧٩ والدر المصون ٢/ ٨٠..
٢ صدر بيت وعجزه:
وإن يسألوا يعطوا وأن ييسروا يغلوا
ينظر الخصائص ١/ ٩٨ والمعاني الكبير ١/٥٣٩ ورغبة الآمل ١/١٢٤ ومجاز القرآن ٢/١٨٨ والصناعتين ص ١١٧ والدر المصون ٢/٨٠..

٣ البيت لشبيب بن جعيل ينظر شواهد المغني ص ٩١٩، وخزانة الأدب ٤/١٩٥، والدرر ١/٢٤٤، ١١٩، والمؤتلف والمختلف ص ٨٤، والمقاصد النحوية ١/٤١٨، ولجحل بن نضلة في الشعر والشعراء ص ١٠٢، وبلا نسبة في مغني اللبيب ص ٥٩٢، وجواهر الأدب ص ٢٤٩، وخزانة الأدب ٥/٤٦٣، وشرح الأشموني ١/٦٦، ١٢٦، وهمع الهوامع ١/٧٨، ١٢٦ والجني الداني ص ٤٨٩، وتخليص الشواهد ص ١٣٠، وتذكرة النحاة ص ٧٣٤ والدر المصون ٢/٨٠..
٤ ينظر معاني القرآن ١/٢٠٨ واللسان (خلف) ومجمع البيان ٢/٧١ والتاج ٦/٩٩ والبحر ٢/٤٦٣ والدر المصون ٢/٨١..
٥ ينظر الطبري ٦/٣٦٢ واللسان (سلت) والبحر ٢/٤٦٣ والمذكر والمؤنث ١/٧٠ و ٦٠٢ والتاج ١/٥٥٣ ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٨ والدر المصون ٢/٨١..
٦ أخرجه البخاري (٨/١٣٢) كتاب الدعوات باب قول الله تعالى وصل عليهم (٦٣٣٤)، (٨/١٣٥) كتاب الدعوات باب دعاء النبي ﷺ لخادمه (٦٣٤٤)، (٨/١٤٦) كتاب الدعوات باب الدعاء بكثرة المال رقم (٦٣٨٠، ٦٣٨١) ومسلم رقم (٤٥٨) (١٩٢٨) والترمذي (٣٨٢٩) وأحمد (٣/١٩٤، ٢٤٨، ٦/٤٣٠) والبيهقي (٣/٩٦) والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٨، ٦٥٣) وفي "التاريخ الكبير" (٨/١٢٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/٢٦٧) والطيالسي (٢٥٢٤- منحة) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٢٥٣) والطبراني (١/٢٢١) وابن سعد (٧/١٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٣٣٢) عن أنس وأخرجه البخاري (٨/١٤٦) كتاب الدعوات باب الدعاء بكثرة المال (٦٣٧٨) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٢٥٣) عن أم سليم..
٧ أخرجه ابن حبان (١٢٢٨- موارد) وأحمد (٣/١٥٨، ٢٤٥) وسعيد بن منصور (٤٩٠) والبيهقي (٧/٨١- ٨٢) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/٢١٩) والطبراني في "الأوسط" ما في "المجمع" (٤/٢٥٨) عن أنس بن مالك مرفوعا.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٤/٢٥٨): رواه أحمد والطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وللحديث شاهد عن معقل بن يسار:
أخرجه أبو داود (٢٠٥٠) والنسائي (٦/٦٥- ٦٦) وابن حبان (١٢٢٩- موارد) والبيهقي (٧/ ٨١) وأبو تعيم في "الحلية" (٣/٦١- ٦٢)..

٨ أخرجه مسلم (١/١٢٥٥) كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب (١٤/١٦٣١) والنسائي (٦/٢٥١) كتاب الوصايا: باب فضل الصدقة عن الميت وأبو داود (٢٨٨٠) كتاب الوصايا: باب ما جاء في فضل الصدقة عن الميت.
والترمذي (١٣٧٦) وأحمد (٢/٣٧٢) والبيهقي (٦/٢٧٨) والبغوي في "شرح السنة" (١/٢٢٧) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٩٥) والدولابي في "الكنى والأسماء" (١/١٩٠) عن أبي هريرة مرفوعا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى