جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىَ نِسَآءِ الْعَالَمِينَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : والله سميع عليم ﴿إذْ قالتِ امْرَأةُ عِمْرَانَ رَبّ إنّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرّرا﴾، ﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ اصْطَفاكِ﴾.
ومعنى قوله :﴿اصْطَفاكِ﴾ اختارك واجتباك لطاعته، وما خصك به من كرامته. وقوله :﴿وَطَهّرَكِ﴾ يعني : طهر دينك من الريب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم. ﴿وَاصْطَفاكِ على نِساءِ العَالَمِينَ﴾ يعني : اختارك على نساء العالمين في زمَانك بطاعتك إياه، ففضلك عليهم. كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :«خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسائها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ » يعني بقوله : خير نسائها : خير نساء أهل الجنة.
حدثني بذلك الحسين بن عليّ الصدائي، قال : حدثنا محاضر بن المورّع، قال : حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال : سمعت عليا بالعراق، يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«خَيْرُ نِسائها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسائها خَدِيجَةُ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني المنذر بن عبد الله الخزامي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ، قال :«خَيْرُ نِساءِ الجَنّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِساءِ الجَنّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطفاكِ على نِساءِ العالَمِينَ﴾ ذكر لنا أن نبيّ الله، كان يقول :«حَسْبُكَ بِمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَفاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمّدٍ مِنْ نِساءِ العالَمِينَ ». قال قتادة : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صَوَالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أحْناهُ على وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وأرْعاهُ على زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ». قال قتادة : وذكر لنا أنه كان يقول :«لَوْ عَلِمْتُ أنّ مَرْيَمَ رَكِبَتِ الإبِلَ ما فَضّلْتُ عَلَيْهَا أحَدا ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿يا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ على نِساءِ العَالَمِينَ﴾ قال : كان أبو هريرة يحدّث أن النبيّ ﷺ قال :«خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صُلّحُ نِساءِ قُرَيْشٍ أحْناهُ على وَلَدٍ وأرْعاهُ لِزَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ » قال أبو هريرة : ولم تركب مريم بعيرا قط.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله :﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنّ الله اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ على نِساءِ العالَمِينَ﴾ قال : كان ثابت البناني يحدّث عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال :«خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ : مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمّدٍ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم العسقلاني، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا عمرو بن مرّة، قال : سمعت مرّة الهمداني يحدّث عن أبي موسى الأشعري، قال : قال رسول الله ﷺ :«كَمُلَ مِنَ الرّجالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النّساءِ إلاّ مَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرأةُ فِرْعَوْنَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمّدٍ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو الأسود المصري، قال : حدثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنت حسين بن عليّ حدثته أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت : دخل رسول الله ﷺ يوما وأنا عند عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت : لقد عجلتِ، أخبرك بسرّ رسول الله ﷺ ! فتركتني، فلما توفي رسول الله ﷺ، سألتها عائشة، فقالت : نعم، ناجاني فقال :«جِبْرِيلُ كانَ يُعارِضُ القُرْآنَ كُلّ عامٍ مَرّةً، وَإنّهُ قَدْ عارَضَ القُرْآنَ مَرّتَيْنِ، وَإنّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيّ إلاّ عُمّرَ نِصْفُ عُمْرِ الّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَإنّ عِيسىَ أخِي كانَ عُمْرُهُ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، وَهَذِهِ لِي سِتّونَ، وأحْسِبُنِي مَيّتا فِي عامِي هَذَا، وَإنّهُ لَمْ تُرْزأ امْرأةٌ مِنْ نِساءِ العَالَمِينَ بِمِثْلِ مَا رُزِئْتِ، وَلا تَكُونِي دُونَ امْرأةٍ صَبْرا ». قالت : فبكيت، ثم قال :«أَنْتِ سَيّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنّةِ إلاّ مَرْيَمَ البَتُولَ » فتُوفي عامه ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو الأسود، قال : حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن الحارث، أن أبا زياد الحميريّ حدثه، أنه سمع عمار بن سعد يقول : قال رسول الله ﷺ :«فُضّلَتْ خَدِيجَةُ على نِساءِ أُمّتِي كَما فُضّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العَالَمِينَ ».
وبمثل الذي قلنا في معنى قوله :﴿وَطَهّرَكِ﴾ : أنه وطهر دينك من الدنس والريب، قال مجاهد.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿إنّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهّرَكِ﴾ قال : جعلك طيبة إيمانا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَاصْطَفاكِ على نِساءِ العالَمِينَ﴾ قال : ذلك للعالمين يومئذ.
وكانت الملائكة فيما ذكر ابن إسحاق تقول ذلك لمريم شفاها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، قال : كانت مريم حبيسا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيرا حبيسا، فكانا في الكنيسة جميعا، وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف، أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذبان منه، فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلة على مريم :﴿يا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفاكِ على نِساءِ العَالَمِينَ﴾ فإذا سمع ذلك زكريا، قال : إن لابنة عمران لشأنا.