فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿إِذْ قَالَتِ﴾ بدل من قوله :«وإذ قالت » المذكور قبله، وما بينهما اعتراض، وقيل : بدل من «إذ يختصمون » وقيل : منصوب بفعل مقدر. وقيل : بقوله :﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ وقيل : بقوله :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾.
والمسيح اختلف فيه مماذا أخذ ؟ فقيل : من المسح ؛ لأنه مسح الأرض، أي : ذهب فيها، فلم يستكن بكن، وقيل : إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، فسمي مسيحاً، فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل، وقيل : لأنه كان يمسح بالدهن الذي كانت الأنبياء تمسح به، وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل : لأن الجمال مسحه، وقيل : لأنه مسح بالتطهير من الذنوب، وهو على هذه الأربعة الأقوال : فعيل بمعنى مفعول. وقال أبو الهيتم : المسيح ضد المسيخ بالخاء المعجمة. وقال ابن الأعرابي : المسيح الصديق. وقال أبو عبيد : أصله بالعبرانية مشيخاً بالمعجمتين فعرّب، كما عرّب موشى بموسى. وأما الدجال، فسمي مسيحاً ؛ لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل : لأنه يمسح الأرض أي : يطوف بلدانها إلا مكة، والمدينة وبيت المقدس.
وقوله :﴿عِيسَى﴾ عطف بيان، أو بدل، وهو اسم أعجمي، وقيل : هو عربي مشتق من عاسه يعوسه إذا ساسه. قال في الكشاف : هو معرّب من أيشوع. انتهى. والذي رأيناه في الإنجيل في مواضع أن اسمه يشوع بدون همزة، وإنما قيل : ابن مريم مع كون الخطاب معها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب، فنسب إلى أمه. والوجيه ذو الوجاهة : وهي : القوّة والمنعة، ووجاهته في الدنيا النبوّة، وفي الآخرة الشفاعة، وعلوّ الدرجة، وهو : منتصب على الحال من كلمة، وإن كانت نكرة، فهي موصوفة، وكذلك قوله :﴿وَمِنَ المقربين﴾ في محل نصب على الحال. قال الأخفش : هو : معطوف على ﴿وجيها﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿بِكَلِمَةٍ﴾ قال : عيسى هو : الكلمة من الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : المهد : مضجع الصبيّ في رضاعه. وقد ثبت في الصحيح أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى، وكان في بني إسرائيل : رجل يقال له جريج كان يصلي، فجاءته أمه فدعته فقال : أجيبها، أو أصلي ؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعة، فتعرضت له امرأة، وكلمته، فأبى، فأتت راعياً، فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت : من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه، وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال الراعي، قالوا : نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا إلا من طين. وكانت امرأة من بني إسرائيل ترضع ابناً لها، فمرّ بها رجل راكب ذو شارة، فقالت : اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال : اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مرّ بأمة تجرجر، ويلعب بها، فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال : اللهمّ اجعلني مثلها، فقالت : لم ذاك ؟ فقال : الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون لها زَنيتِ، وتقول حسبي الله، ونعم الوكيل، ويقولون سرقت، وتقول حسبي الله.
وأخرج أبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة فرعون».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿وَيُكَلّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً﴾ قال : يكلمهم صغيراً، وكبيراً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : الكهل هو من في سن الكهولة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : الكهل : الحليم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَيُعَلّمُهُ الكتاب﴾ قال : الخط بالقلم. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريح، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال : إنما خلق عيسى طائراً واحداً، وهو الخفاش. وأخرج ابن جريج، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق الضحاك، عن ابن عباس ؛ قال : الأكمه الذي يولد أعمى. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال : الأكمه الأعمى الممسوح العينين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : الأكمه : الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل. وأخرجوا عن عكرمة قالوا : الأكمه : الأعمش. وأخرج أحمد في الزهد، عن خالد الحذاء قال : كان عيسى ابن مريم إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم : قولوا كذا، فإذا وجدتم قشعريرة، ودمعة، فادعوا عند ذلك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ قال : بما أكلتم البارحة من طعام، وما خبأتم منه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار بن ياسر قال :﴿أُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ من المائدة ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا، ولا يدّخروا، فأكلوا، وادّخروا، وخانوا، فجعلوا قردة، وخنازير. وأخرج ابن جرير، عن وهب أن عيسى كان على شريعة موسى، وكان يسبت، ويستقبل بيت المقدس، وقال لبني إسرائيل : إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم، وأضع عنكم من الآصار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في الآية : قال : كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرّم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرّم عليهم الشحوم، فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير، وفي أشياء أخر حرّمها عليهم، وشدّد عليهم فيها، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ من ربّكُمْ﴾ قال : ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى