البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿قالت رب أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾ لما أخبرتها الملائكة أن الله بشرها بالمسيح، نادت ربها، وهو الله، مستفهمة على طريق التعجب من حدوث الولد من غير أب إذ ذاك من الأمور الموجبة للتعجب، وهذه القضية أعجب من قضية زكريا، لأن قضية زكريا حدث منها الولد بين رجل وامرأة، وهنا حدث من امرأة بغير واسطة بشر، ولذلك قالت :﴿ولم يمسسني بشر﴾.
وقيل : استفهمت عن الكيفية، كما سأل زكريا عن الكيفية، تقديره : هل يكون ذلك على جري العادة بتقدم وطء ؟ أَمْ بأمر من قدرة الله ؟.
وقال الانباري : لما خاطبها جبريل ظنته آدمياً يريد بها سوءاً، ولهذا قالت :﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً﴾ فلما بشرها لم تتيقن صحة قوله لأنها لم تعلم أنه ملك، فقال :﴿رب أنَّى يكون لي ولد﴾ ؟
ومن ذهب إلى أن قولها : رب، وقول زكريا : رب، إنما هو نداء لجبريل لما بشرهما، ومعناه : يا سيدي فقد أبعد وقال الزمخشري : هو من بدع التفاسير، و : يكون، يحتمل أن تكون الناقصة والتامة، كما سبق في قصة زكريا.
و : لم يمسسني بشر، جملة حالية، والمسيس هنا كناية عن الوطء، وهذا نفي عام أن يكون باشرها أحد بأي نوع كان من تزوّج أو غيره، والبشر يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا النفي العام، وسمي بشراً لظهور بشرته وهو جلده، وبشرت الأديم قشرت وجهه، وأبشرت الأرض أخرجت نباتها، وتباشير الصبح أول ما يبدو من نوره.
﴿قال كذلك الله يخلق ما يشاء﴾ تقدم الكلام في نظيرها في قصة زكريا، إلاَّ أن في قصته ﴿يفعل ما يشاء﴾ من حيث إن أمر زكريا داخل في الإمكان العادي الذي يتعارف، وإن قل، وفي قصة مريم : يخلق، لأنه لا يتعارف مثله، وهو وجود ولد من غير والد، فهو إيجاد واختراع من غير سبب عادي، فلذلك جاء بلفظ : يخلق، الدال على هذا المعنى.
وقد ألغز بعض العرب المستشهد بكلامها فقال :
ألا رب مولود وليس له أبوذي ولد لم يلده أبوان
يريد : عيسى وآدم.
﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ تقدم الكلام على هذه الجملة في البقرة : لغةً وتفسيراً وقراءةً وإعراباً، فأغنى ذلك عن إعادته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبديع : إسناد الفعل للآمر به لا لفاعله، في قوله : إن الله يبشرك، اذ هم المشافهون بالبشارة، والله الآمر بها.
ومثله : نادى السلطان في البلد بكذا، وإطلاق اسم السبب على المسبب في قوله : بكلمة منه، على الخلاف الذي في تفسير : كلمة.
والاحتراس : في قوله : وكهلاً، من ما جرت به العادة أن من تكلم في حال الطفولة لا يعيش.
والكناية : في قوله : ولم يمسسني بشر، كنى بالمسّ عن الوطء، كما كنى عنه : بالحرث، واللباس، والمباشرة.
والسؤال والجواب في : قالت الملائكة وفي أنى يكون ؟ والتكرار : في : جئتكم بآية.
وفي : أنى أخلق لكم.
و، في : الطير، وفي : بإذن الله، وفي : ربي وربكم، وفي : ما، في قوله : بما تأكلون وما.
والتعبير عن الجمع بالمفرد في : الآية، وفي : الأكمة والأبرص، وفي : إذا قضى أمراً.
والطباق في : وأحيي الموتى، وفي : لاحل وحرم والالتفات في : ونعلمه فيمن قرأ بالنون والتفسير بعد الإبهام في : من قال : الكتاب مبهم غير معين، والتوراة والإنجيل تفسير له والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى