المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقول مريم :﴿ربِّ أنّى يكون لي ولد﴾ استفهام عن جهة حملها واستغراب للحمل على حال بكارتها، و﴿يمسسني﴾، معناه يطأ ويجامع، والمسيس الجماع، ومريم لم تنف مسيس الأيدي، والإشارة بقوله :﴿كذلك﴾ يحتمل أن تكون إلى هذه القدرة التي تتضمنها البشارة بالكلمة، ويحتمل أن تكون إلى حال مريم وبكارتها، وقد تقدم شرح هذين التأويلين في أمر زكرياء عليه السلام، وجاءت العبارة في أمر زكريا يفعل وجاءت هنا، ﴿يخلق﴾ من حيث أمر زكرياء داخل في الإمكان الذي يتعارف وإن قل وقصة مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه، وروي أن عيسى عليه السلام، ولد لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من يولد من غيره لمثل ذلك، وقوله تعالى :﴿إذا قضى﴾ معناه إذا أراد إيجاده، والأمر واحد الأمور وهو مصدر سمي به، والضمير في ﴿له﴾ عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة، قال مكي : وقيل المعنى يقول لأجله، وهذا ينحو إلى ما نورده عن أبي علي بعد، وقرأ جمهور السبعة «فيكونُ » بالرفع، وقرأ ابن عامر وحده «فيكونَ » بالنصب، فوجه الرفع العطف على ﴿يقول﴾، أو تقدير فهو يكون، وأما قراءة ابن عامر فغير متجهة لأن الأمر المتقدم خطاب للمقضي وقوله :﴿فيكون﴾، خطاب للمخبر، فليس كقوله قم فأحسن إليك، لكن وجهها أنه راعى الشبه اللفظي في أن تقدم في الكلام لفظ أمر كما قال أبو الحسن الأخفش في نحو قوله تعالى :
﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾(١) إنه مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جواباً في الحقيقة، فكذلك على قراءة ابن عامر يكون قوله، فيكون بمنزلة جواب الأمر وإن لم يكن جواباً، وذهب أبو علي في هذه المسألة إلى أن القول فيها ليس بالمخاطبة المحضة، وإنما هو قول مجازي كما قال :
امتلأ الحوض وقال قطني(٢) ***. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغير ذلك، قال : لأن المنتفي ليس بكائن فلا يخاطب كما لا يؤمر، وإنما المعنى فإنما يكونه فهو يكون، فهذه نزعة اعتزالية(٣) غفر الله له.
١ - من الآية (٣١) من سورة إبراهيم..
٢ - هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه:
......................... مهلا رويدا قد ملأت بطني.
وهو من كلام بعض الماتحين، رأى حوضه قد امتلأ، فقال: حسبي-امتلأ حوضي، ويكفيني، يريد بذلك أن ينصرف إلى دلو غيره، وهذا مما يسمى عندهم بلسان الحال، فإن الحوض لا يتكلم. وقطني بمعنى: حسبي-والبيت في اللسان ولم ينسبه لأحد..

٣ - لأن المعتزلة يقولون: المعدوم منتف فلا يخاطب ولا يؤمر، والأمر عندهم هو عين الإرادة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى