الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَرَسُولاً﴾ : في " رسول " وجهان :
أحدُهما : أنه صفةٌ بمعنى مُرْسَل فهو صفةٌ على فُعُول كالصبور والشكور.
والثاني : أنه في الأصلِ مصدرٌ، ومن مجيءِ " رسول " مصدراً قولُه :
أي : برسالة، وقال آخر :
أُبَلِّغْ أبا سلمى رسولاً تَرُوعه *** ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : أُبَلِّغُه رسالةً، ومنه قولُه تعالى :﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] على أحدِ التأولين، أي : إنَّا ذوا رسالةِ رب العالمين، وعلى الوجهين يترتَّبُ الكلامُ في إعراب " رسول " :
فعلى الأولِ يكونُ في نصبهِ ستةُ أوجهٍ :
أحدُها : أن يكونَ معطوفاً على " يُعَلِّمه " إذا أعربناه حالاً معطوفاً على " وجيهاً " إذ التقديرُ : وجيها ومُعَلِّماً ومُرْسَلاً، قاله الزمخشري وابن عطية. قال الشيخ :" وهو مَبْنِيٌّ على إعراب " ويُعَلِّمه "، وقد بَيَّنَّا ضعفَ إعرابِ مَنْ يقولُ إنَّ " ويُعَلِّمه " معطوفٌ على " وجيهاً " للفصلِ المُفْرِطِ بين المتعاطِفَيْن ".
الثاني : أن يكونَ نسقاً على " كَهْلاً " الذي هو حالٌ من الضميرِ المستتر في " ويُكَلِّم " أي : يُكَلِّم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيل، جَوَّز ذلك ابنُ عطية. واستبعده الشيخُ لطولِ الفصلِ بين المعطوف والمعطوف عليه. قلت : ويظهرُ أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ : يُكَلِّمُ الناسَ في حالِ كونِه رسولاً إليهم، وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ، فإن قيل : هي حالٌ مقدَّرة كقولهم :" مررت برجل معه صقرٌ صائداً به غداً " وقوله :﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾[الزمر: ٧٣]، قيل : الأصلُ في الحالِ أن تكونَ مقارنةً، ولا تكونُ مقدرةً إلا حيث لا لَبْسَ.
الثالث : أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديرُه : ونجعلُه رسولاً، لَمَّا رأَوه لا يَصِحُّ عَطْفُه على مفاعيلِ التعليم أضمروا له عاملاً يناسبه، وهذا كما قالوا في قوله تعالى :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾[الحشر: ٩] وقوله :
وقول الآخر :
وقوله :
١٢٩٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
أي : واعتقدوا الإِيمانَ، ومعتقلاً رمحاً، وسَقَيْتُها ماءً بارداً، وكَحَّلْنَ العيونَ، وهذا على أحدِ التأويلين في هذه الأمثلةِ.
الرابع : أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ من لفظِ " رسول "، ويكون ذلك الفعلُ معمولاً لقولٍ مضمر أيضاً هو من قولِ عيسى.
الخامس : أنَّ الرسولَ فيه معنى النطق، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم. ويُوَضِّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري، قاله رحمه الله :
" فإن قلت : علامَ تَحْمِلُ " ورسولاً ومصدقاً " من المنصوبات المتقدمة، وقوله :﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ و ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ يأبى حَمْلَه عليها ؟ قلت : هو من المُضايِق، وفيه وجهان، أحدهما : أن تُضْمِرَ له " وأُرْسِلْتُ " على إرادة القول، تقديرُه : ويُعَلِّمه الكتابَ والحكمة ويقول : أُرْسِلْتُ رسولاً باني قد جئتكم ومُصَدِّقاً لِما بين يديَّ.
والثاني : أن الرسول والمُصَدِّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يديّ " انتهى. إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أنَّ ما قبله من المنصوبات لا يَصِحُّ عطفُه عليه في الظاهر ؛ لأنَّ الضمائر المتقدمة غيبٌ، والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم، فاحتاج إلى ذلك التقدير لتتناسَبَ الضمائرُ. قال الشيخ :" وهذا الوجهُ ضعيفٌ ؛ إذ فيه إضمارُ شيئين : القولِ ومعمولهِ الذي هو " أُرْسِلْتُ "، والاستغناءُ عنهما باسم منصوبٍ على الحال المؤكِّدة، إذ يُفْهَمُ من قوله " وأُرْسِلْتُ " أنه رسولٌ فهي حال مؤكِّدة ". واختار الشيخُ الوجَه الثالث قال :" إذ ليس فيه إلا إضمارُ فعلٍ يَدُلُّ عليه المعنى، ويكون قوله :﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ معمولاً لرسول أي : ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة ِ الجمهور.
السادس : أن يكونَ حالاً من مفعولِ " ويُعَلِّمه " وذلك على زيادة الواو، كأنه قيل : ويُعَلِّمه الكتابَ حالَ كونِه رسولاً، قاله الأخفش، وهذا على أصلِ مذهبهِ من تجويزِه زيادةَ الواوِ، وهو مذهبُ مرجوحٌ.
وعلى الثاني في نصبِه وجهان، أنه مفعولٌ به عطفاً على المفعولِ الثاني ليُعَلِّمه أي : ويُعَلِّمه الكتابَ ورسالةً أي : يعلمه الرسالة أيضاً، والثاني : أنه مصدرٌ في موضع الحال، وفيه التأويلاتُ المشهورةُ في : رجلٌ عَدْلٌ.
وقرأ اليزيدي :" ورسولٍ " بالجر، وخَرَّجها الزمخشري على أنها منسوقةٌ على قوله :" بكلمة " أي : نبشِّرك بكلمة وبرسولٍ. وفيه بُعْدٌ لكثرةِ الفصلِ بين المتعاطِفَيْنِ، ولكن لا يَظْهَر لهذه القراءةِ الشاذة غيرُ هذا التخريجِ.
وقوله :﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيه وجهان، أحدهما : أَنْ يتعلَّقَ بنفس " رسولاً " إذ فعلُه يتعدَّى بإلى، والثاني : أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لرسولاً، فيكونَ منصوبَ المحلِّ في قراءةِ الجمهور، مجروره في قراءة اليزيدي.
قوله :﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ قرأ العامة :" أني " بفتح الهمزة وفيها ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدُهما : أنَّ موضعَها جر بعد إسقاطِ الخافض، إذ الأصل : بأني، ف " بأني " متعلِّقٌ برسولاً، وهذا مذهبُ الشيخين : الخليلِ والكسائي.
والثاني : أن موضعَها نصبٌ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ :
الأول : أنه نصبٌ بعد إسقاط الخافض، وهو الباء، وهذا مذهب التلميذين : سيبويه والفراء.
الثاني : أنه منصوبٌ بفعل مقدر أي : يذكر أني، فيذكرُ صفةٌ لرسولا، حُذِفَتِ الصفةُ وبقي معمولُها.
الثالث : أنه منصوب على البدل من " رسولاً " أي : إذا جعلته مصدراً مفعولاً به، تقديرُه : ويُعَلِّمه الكتابَ ويعلِّمه أني قد جئتكم، جَوَّزه أبو البقاء وهو بعيد في المعنى.
الثالث : من الأوجِهِ الأُوَلِ : أنَّ موضعَه رفعٌ على خبرِ متبدأٍ محذوفٍ أي : هو أني قد جِئْتُكم.
وقرأ بعضُ القرَّاء بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان، أحدهما : أنها على إضمارِ القول أي : قائِلاً إني قد جئتكم، فَحَذَفَ القولَ الذي هو حالٌ في المعنى وأَبْقَى معمولَه.
والثاني : أن " رسولاً " بمعنى ناطِق، فهو مُضَمَّنٌ معنى القول، وما كان مُضَمَّناً معنى [ القول ] أُعْطِي حكمَ القولِ، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وقوله :﴿بِآيَةٍ﴾ يُحتمل أن تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حالٌ من فاعل " جئتكم " أي : جِئْتُكم ملتبساً بآية. والثاني : أنها متعلقةُ بنفسِ المجيءِ ِأي : إجاءَتَكم الآية. وقوله :﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ صفةٌ لآية فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي : بآيةٍ من عند ربكم، ف " مِنْ " للابتداءِ مجازاً، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ " من ربكم " بنفسِ المجيء أيضاً. وقَدَّر أبو البقاء الحال في قولِه ﴿بِآيَةٍ﴾ بقوله : محتجَّاً بآية، إنْ عَنَى من جهةِ المعنى صَحَّ، وإن عَنَى من جهة الصناعةِ لم يَصِحَّ، إذ لم يُضْمَرْ في هذه الأماكنِ إلا الأكوان المطلقةُ.
وقرأ الجمهور :" بآيةٍ " بالإِفرادِ في الموضِعَيْن، وابن مسعود :" بآياتٍ " جمعاً في الموضعين.
قوله :﴿أَنِي أَخْلُقُ﴾ قرأ نافع بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. فالكسرُ من ثلاثة أوجه :
الأول : على إضمارِ القولِ أي : فقلت : إني أخلق.
الثاني : أنه على الاستئناف.
الثالث : على التفسير، فَسَّر بهذه الجملةِ قولَه :" بآية " كأنَّ قائِلاً قال : وما الآيةُ ؟ فقال هذا الكلامَ، ونظيرُه ما سيأتي :" إنَّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ " ثم قال :﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فخلقه مفسرةٌ للمثل، ونظيرُه أيضاً قولُه تعالى :﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ثم فَسَّر الوعدَ بقولِه :﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، وهذا الوجهُ هو الوجه الصائرُ إلى الاستئنافِ، فإنَّ المستأنَفَ يُؤْتى به تفسيراً لما قبله، إلا أنَّ الفرقَ بينه وبين ما قبله أنّ الوجهَ الذي قبلَه لا تَجْعَلُ له تعلُّقاً بما تقدَّم البتةَ، بل جيء به لمجردِ الإِخبارِ بما تضمَّنه، والوجه الثالث تقول : إنه متعلِّقٌ بما تقدَّمه، مُفَسِّر له.
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ ففيها أربعةُ أوجهٍ :
أحدُها : أنها بدلٌ من " أني قد جئتكم " فيجيءُ فيها ما تقدَّم في تلك لأنَّ حكمَها حكمُها.
الثاني : أنها بدلٌ من " آية " فتكونُ محلَّها، أي : وجئتكم بأني أخلقُ لكم، وهذا نفسُه آيةٌ من الآيات، وهذا البدلُ يَحْتمل أن يكونَ كلاً مِنْ كل إنْ أُريد بالآية شيءٌ خاص، وأَنْ يكونَ بدلَ بعضٍ من كل إنْ أُريد بالآيةِ الجنس.
الثالث : أنها خبرٌ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه : هي أني أخلق أي : الآيةُ التي جئت بها أني أخلُقُ، وهذه الجملةُ في الحقيقةِ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر كأن قائلاً قال : وما الآيةُ ؟ فقال : ذلك.
الرابعُ : أن تكونَ منصوبةً بإضمارِ فعلٍ، وهو أيضاً جوابٌ لذلك السؤالِ كأنه قال : أعني أنِّي أخلق، وهذان الوجهان يلاقيان في المعنى قراءةَ نافع على بعضِ الوجوهِ فإنهما استئناف.
و " لكم " متعلِّقٌ بأخلُقُ، واللامُ للعلة، أي : لأجلكم بمعنى : لتحصيل إيمانِكم ودَفْعِ تكذيبِكم إياي، وإلاَّ فالذواتُ لا تكونُ عِلَلاً بل أحداثُها.
و " من الطين " متعلقٌ به أيضاً، و " مِنْ " لابتداءِ الغاية، وقولُ مَنْ قال : إنها للبيان " تساهلٌ، إذ لم يَسْبِقْ منهم تبيُّنه.
قوله :﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ في موضع هذه الكافِ ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : أنها نعتٌ لمفعول محذوف تقديره : أني أخلُق لكم هيئةً مثلَ هيئةِ الطير، والهيئةُ : إمَّا مصدرٌ في الأصل، ثم أُطْلِقَتْ على المفعولِ أي المُهَيّأ كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإمَّا اسمٌ لحال الشيء، وليست مصدراً، والمصدرُ : التهَيُّؤُ والتَّهْيِيءُ والتَّهْيِئَةُ، ويُقال :[ هاءَ الشيءُ يَهِيْءُ هَيْئَاً وهَيْئَِةً إذا تَرَتَّب واستقرّ على حالة مخصوصة ]، ويتعدَّى بالتضعيف، قال تعالى :﴿وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ [الكهف: ١٦]. والطينُ : معروف، طانَه الله على كذا وطامه بإبدال النون ميماً أي : جَبَله عليه، والنفخُ معروفٌ.
الثاني : أنَّ الكافَ هي المفعولُ به لأنَّها اسمٌ كسائرِ الأسماءِ وهذا رأيُ الأخفشِ، يجعلُ الكافَ اسماً حيث وَقَعَتْ، وغيرُه من النحاة لا يقولُ بذلك إلا إذا اضْطُرَّ إليه كوقوعِها مجرورةً بحرفٍ أو بإضافةٍ أو تقع فاعلةً أو مبتدأ، وقد تقدَّمَ جميعُ أمثلةِ ذلك مسبوقاً فأغنى عن إعادتِه هنا.
والثالث : أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، قاله الواحدي نَقْلاً عن أبي علي بعد كلامٍ طويلٍ، قال " وتكونُ الكافُ في موضعِ
أحدُهما : أنه صفةٌ بمعنى مُرْسَل فهو صفةٌ على فُعُول كالصبور والشكور.
والثاني : أنه في الأصلِ مصدرٌ، ومن مجيءِ " رسول " مصدراً قولُه :
| لقد كَذَبَ الواشُون ما بُحْتُ عندَهم | بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهمْ برسولِ |
أُبَلِّغْ أبا سلمى رسولاً تَرُوعه *** ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : أُبَلِّغُه رسالةً، ومنه قولُه تعالى :﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] على أحدِ التأولين، أي : إنَّا ذوا رسالةِ رب العالمين، وعلى الوجهين يترتَّبُ الكلامُ في إعراب " رسول " :
فعلى الأولِ يكونُ في نصبهِ ستةُ أوجهٍ :
أحدُها : أن يكونَ معطوفاً على " يُعَلِّمه " إذا أعربناه حالاً معطوفاً على " وجيهاً " إذ التقديرُ : وجيها ومُعَلِّماً ومُرْسَلاً، قاله الزمخشري وابن عطية. قال الشيخ :" وهو مَبْنِيٌّ على إعراب " ويُعَلِّمه "، وقد بَيَّنَّا ضعفَ إعرابِ مَنْ يقولُ إنَّ " ويُعَلِّمه " معطوفٌ على " وجيهاً " للفصلِ المُفْرِطِ بين المتعاطِفَيْن ".
الثاني : أن يكونَ نسقاً على " كَهْلاً " الذي هو حالٌ من الضميرِ المستتر في " ويُكَلِّم " أي : يُكَلِّم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيل، جَوَّز ذلك ابنُ عطية. واستبعده الشيخُ لطولِ الفصلِ بين المعطوف والمعطوف عليه. قلت : ويظهرُ أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ : يُكَلِّمُ الناسَ في حالِ كونِه رسولاً إليهم، وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ، فإن قيل : هي حالٌ مقدَّرة كقولهم :" مررت برجل معه صقرٌ صائداً به غداً " وقوله :﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾[الزمر: ٧٣]، قيل : الأصلُ في الحالِ أن تكونَ مقارنةً، ولا تكونُ مقدرةً إلا حيث لا لَبْسَ.
الثالث : أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديرُه : ونجعلُه رسولاً، لَمَّا رأَوه لا يَصِحُّ عَطْفُه على مفاعيلِ التعليم أضمروا له عاملاً يناسبه، وهذا كما قالوا في قوله تعالى :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾[الحشر: ٩] وقوله :
| يا ليتَ زوجَك قد غدا | متقلِّداً سيفاً ورمحا |
| عَلَفْتُها تِبْناً وماءً باردا | . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
١٢٩٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
أي : واعتقدوا الإِيمانَ، ومعتقلاً رمحاً، وسَقَيْتُها ماءً بارداً، وكَحَّلْنَ العيونَ، وهذا على أحدِ التأويلين في هذه الأمثلةِ.
الرابع : أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ من لفظِ " رسول "، ويكون ذلك الفعلُ معمولاً لقولٍ مضمر أيضاً هو من قولِ عيسى.
الخامس : أنَّ الرسولَ فيه معنى النطق، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم. ويُوَضِّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري، قاله رحمه الله :
" فإن قلت : علامَ تَحْمِلُ " ورسولاً ومصدقاً " من المنصوبات المتقدمة، وقوله :﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ و ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ يأبى حَمْلَه عليها ؟ قلت : هو من المُضايِق، وفيه وجهان، أحدهما : أن تُضْمِرَ له " وأُرْسِلْتُ " على إرادة القول، تقديرُه : ويُعَلِّمه الكتابَ والحكمة ويقول : أُرْسِلْتُ رسولاً باني قد جئتكم ومُصَدِّقاً لِما بين يديَّ.
والثاني : أن الرسول والمُصَدِّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يديّ " انتهى. إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أنَّ ما قبله من المنصوبات لا يَصِحُّ عطفُه عليه في الظاهر ؛ لأنَّ الضمائر المتقدمة غيبٌ، والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم، فاحتاج إلى ذلك التقدير لتتناسَبَ الضمائرُ. قال الشيخ :" وهذا الوجهُ ضعيفٌ ؛ إذ فيه إضمارُ شيئين : القولِ ومعمولهِ الذي هو " أُرْسِلْتُ "، والاستغناءُ عنهما باسم منصوبٍ على الحال المؤكِّدة، إذ يُفْهَمُ من قوله " وأُرْسِلْتُ " أنه رسولٌ فهي حال مؤكِّدة ". واختار الشيخُ الوجَه الثالث قال :" إذ ليس فيه إلا إضمارُ فعلٍ يَدُلُّ عليه المعنى، ويكون قوله :﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ معمولاً لرسول أي : ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة ِ الجمهور.
السادس : أن يكونَ حالاً من مفعولِ " ويُعَلِّمه " وذلك على زيادة الواو، كأنه قيل : ويُعَلِّمه الكتابَ حالَ كونِه رسولاً، قاله الأخفش، وهذا على أصلِ مذهبهِ من تجويزِه زيادةَ الواوِ، وهو مذهبُ مرجوحٌ.
وعلى الثاني في نصبِه وجهان، أنه مفعولٌ به عطفاً على المفعولِ الثاني ليُعَلِّمه أي : ويُعَلِّمه الكتابَ ورسالةً أي : يعلمه الرسالة أيضاً، والثاني : أنه مصدرٌ في موضع الحال، وفيه التأويلاتُ المشهورةُ في : رجلٌ عَدْلٌ.
وقرأ اليزيدي :" ورسولٍ " بالجر، وخَرَّجها الزمخشري على أنها منسوقةٌ على قوله :" بكلمة " أي : نبشِّرك بكلمة وبرسولٍ. وفيه بُعْدٌ لكثرةِ الفصلِ بين المتعاطِفَيْنِ، ولكن لا يَظْهَر لهذه القراءةِ الشاذة غيرُ هذا التخريجِ.
وقوله :﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيه وجهان، أحدهما : أَنْ يتعلَّقَ بنفس " رسولاً " إذ فعلُه يتعدَّى بإلى، والثاني : أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لرسولاً، فيكونَ منصوبَ المحلِّ في قراءةِ الجمهور، مجروره في قراءة اليزيدي.
قوله :﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ قرأ العامة :" أني " بفتح الهمزة وفيها ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدُهما : أنَّ موضعَها جر بعد إسقاطِ الخافض، إذ الأصل : بأني، ف " بأني " متعلِّقٌ برسولاً، وهذا مذهبُ الشيخين : الخليلِ والكسائي.
والثاني : أن موضعَها نصبٌ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ :
الأول : أنه نصبٌ بعد إسقاط الخافض، وهو الباء، وهذا مذهب التلميذين : سيبويه والفراء.
الثاني : أنه منصوبٌ بفعل مقدر أي : يذكر أني، فيذكرُ صفةٌ لرسولا، حُذِفَتِ الصفةُ وبقي معمولُها.
الثالث : أنه منصوب على البدل من " رسولاً " أي : إذا جعلته مصدراً مفعولاً به، تقديرُه : ويُعَلِّمه الكتابَ ويعلِّمه أني قد جئتكم، جَوَّزه أبو البقاء وهو بعيد في المعنى.
الثالث : من الأوجِهِ الأُوَلِ : أنَّ موضعَه رفعٌ على خبرِ متبدأٍ محذوفٍ أي : هو أني قد جِئْتُكم.
وقرأ بعضُ القرَّاء بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان، أحدهما : أنها على إضمارِ القول أي : قائِلاً إني قد جئتكم، فَحَذَفَ القولَ الذي هو حالٌ في المعنى وأَبْقَى معمولَه.
والثاني : أن " رسولاً " بمعنى ناطِق، فهو مُضَمَّنٌ معنى القول، وما كان مُضَمَّناً معنى [ القول ] أُعْطِي حكمَ القولِ، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وقوله :﴿بِآيَةٍ﴾ يُحتمل أن تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حالٌ من فاعل " جئتكم " أي : جِئْتُكم ملتبساً بآية. والثاني : أنها متعلقةُ بنفسِ المجيءِ ِأي : إجاءَتَكم الآية. وقوله :﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ صفةٌ لآية فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي : بآيةٍ من عند ربكم، ف " مِنْ " للابتداءِ مجازاً، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ " من ربكم " بنفسِ المجيء أيضاً. وقَدَّر أبو البقاء الحال في قولِه ﴿بِآيَةٍ﴾ بقوله : محتجَّاً بآية، إنْ عَنَى من جهةِ المعنى صَحَّ، وإن عَنَى من جهة الصناعةِ لم يَصِحَّ، إذ لم يُضْمَرْ في هذه الأماكنِ إلا الأكوان المطلقةُ.
وقرأ الجمهور :" بآيةٍ " بالإِفرادِ في الموضِعَيْن، وابن مسعود :" بآياتٍ " جمعاً في الموضعين.
قوله :﴿أَنِي أَخْلُقُ﴾ قرأ نافع بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. فالكسرُ من ثلاثة أوجه :
الأول : على إضمارِ القولِ أي : فقلت : إني أخلق.
الثاني : أنه على الاستئناف.
الثالث : على التفسير، فَسَّر بهذه الجملةِ قولَه :" بآية " كأنَّ قائِلاً قال : وما الآيةُ ؟ فقال هذا الكلامَ، ونظيرُه ما سيأتي :" إنَّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ " ثم قال :﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فخلقه مفسرةٌ للمثل، ونظيرُه أيضاً قولُه تعالى :﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ثم فَسَّر الوعدَ بقولِه :﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، وهذا الوجهُ هو الوجه الصائرُ إلى الاستئنافِ، فإنَّ المستأنَفَ يُؤْتى به تفسيراً لما قبله، إلا أنَّ الفرقَ بينه وبين ما قبله أنّ الوجهَ الذي قبلَه لا تَجْعَلُ له تعلُّقاً بما تقدَّم البتةَ، بل جيء به لمجردِ الإِخبارِ بما تضمَّنه، والوجه الثالث تقول : إنه متعلِّقٌ بما تقدَّمه، مُفَسِّر له.
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ ففيها أربعةُ أوجهٍ :
أحدُها : أنها بدلٌ من " أني قد جئتكم " فيجيءُ فيها ما تقدَّم في تلك لأنَّ حكمَها حكمُها.
الثاني : أنها بدلٌ من " آية " فتكونُ محلَّها، أي : وجئتكم بأني أخلقُ لكم، وهذا نفسُه آيةٌ من الآيات، وهذا البدلُ يَحْتمل أن يكونَ كلاً مِنْ كل إنْ أُريد بالآية شيءٌ خاص، وأَنْ يكونَ بدلَ بعضٍ من كل إنْ أُريد بالآيةِ الجنس.
الثالث : أنها خبرٌ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه : هي أني أخلق أي : الآيةُ التي جئت بها أني أخلُقُ، وهذه الجملةُ في الحقيقةِ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر كأن قائلاً قال : وما الآيةُ ؟ فقال : ذلك.
الرابعُ : أن تكونَ منصوبةً بإضمارِ فعلٍ، وهو أيضاً جوابٌ لذلك السؤالِ كأنه قال : أعني أنِّي أخلق، وهذان الوجهان يلاقيان في المعنى قراءةَ نافع على بعضِ الوجوهِ فإنهما استئناف.
و " لكم " متعلِّقٌ بأخلُقُ، واللامُ للعلة، أي : لأجلكم بمعنى : لتحصيل إيمانِكم ودَفْعِ تكذيبِكم إياي، وإلاَّ فالذواتُ لا تكونُ عِلَلاً بل أحداثُها.
و " من الطين " متعلقٌ به أيضاً، و " مِنْ " لابتداءِ الغاية، وقولُ مَنْ قال : إنها للبيان " تساهلٌ، إذ لم يَسْبِقْ منهم تبيُّنه.
قوله :﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ في موضع هذه الكافِ ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : أنها نعتٌ لمفعول محذوف تقديره : أني أخلُق لكم هيئةً مثلَ هيئةِ الطير، والهيئةُ : إمَّا مصدرٌ في الأصل، ثم أُطْلِقَتْ على المفعولِ أي المُهَيّأ كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإمَّا اسمٌ لحال الشيء، وليست مصدراً، والمصدرُ : التهَيُّؤُ والتَّهْيِيءُ والتَّهْيِئَةُ، ويُقال :[ هاءَ الشيءُ يَهِيْءُ هَيْئَاً وهَيْئَِةً إذا تَرَتَّب واستقرّ على حالة مخصوصة ]، ويتعدَّى بالتضعيف، قال تعالى :﴿وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ [الكهف: ١٦]. والطينُ : معروف، طانَه الله على كذا وطامه بإبدال النون ميماً أي : جَبَله عليه، والنفخُ معروفٌ.
الثاني : أنَّ الكافَ هي المفعولُ به لأنَّها اسمٌ كسائرِ الأسماءِ وهذا رأيُ الأخفشِ، يجعلُ الكافَ اسماً حيث وَقَعَتْ، وغيرُه من النحاة لا يقولُ بذلك إلا إذا اضْطُرَّ إليه كوقوعِها مجرورةً بحرفٍ أو بإضافةٍ أو تقع فاعلةً أو مبتدأ، وقد تقدَّمَ جميعُ أمثلةِ ذلك مسبوقاً فأغنى عن إعادتِه هنا.
والثالث : أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، قاله الواحدي نَقْلاً عن أبي علي بعد كلامٍ طويلٍ، قال " وتكونُ الكافُ في موضعِ