البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الطين : معروف، ويقال طانه الله على كذا، وطامه بابدال النون ميماً، جبله وخلقه على كذا، ومطين لقب لمحدث معروف.
الهيئة : الشكل والصورة، وأصله مصدر يقال : هاء الشيء بهاء هيأ وهيئة إذا ترتب واستقر على حال مّا، وتعديه بالتضعيف، فتقول : هيأته، قال
﴿ويهيء لكم﴾
النفخ : معروف.
الإبراء : إزالة العلة والمرض، يقال : برىء الرجل وبرأ من المرض، وأما من الذنب ومن الدّين فبريء.
الكمه : العمى يولد به الإنسان وقد يعرض، يقال : كمه يكمه كمهاً : فهو أكمه.
وكمهتها أنا أعميتها قال سويد :.
كمهت عيناه حتى ابيضتا ***
وقال رؤبة.
فارتد عنها كارتداد الأكمه ***
البرص : داء معروف وهو بياض يعتري الجلد، يقال منه : برص فهو أبرص، ويسمى القمر أبرص لبياضه، والوزغ سام أبرص للبياض الذي يعلو جلده.
ذخر : الشيء يذخره خبأه، والذخر المذخور قال :
لها أشارير من لخم تثمره ***
من الثعالي وذخر من أرانبها
﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾ اختلفوا في : رسولاً، هنا فقيل : هو وصف بمعنى المرسل على ظاهر ما يفهم منه وقيل : هو مصدر بمعنى رسالة، إذ قد ثبت أن رسولاً يكون بمعنى رسالة، وممن جوز ذلك فيه هنا الحوفي، وأبو البقاء، وقالا : هو معطوف على الكتاب، أي : ويعلمه رسالة إلى بني إسرائيل، فتكون : رسالة، داخلاً في ما يعلمه الله عيسى.
وأجاز أبو البقاء في هذا الوجه أن يكون مصدراً في موضع الحال.
وأما الوجه الأول فقالوا في إعرابه، وجوها.
أحدها : أن يكون منصوباً بإضمار فعل تقديره : ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قالوا : فيكون مثل قوله :
أي : ومعتقلاً رمحاً.
لما لم يمكن تشريكه مع المنصوبات قبله في العامل الذي هو : يعلمه، أضمر له فعل ناصب يصح به المعنى، قاله ابن عطية وغيره.
الثاني : أن يكون معطوفاً على : ويعلمه، فيكون : حالاً، إذ التقدير : ومعلماً الكتاب، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله : وجيهاً، قاله الزمخشري، وثنى به ابن عطية، وبدأ به وهو مبني على إعراب : ويعلمه وقد بينا ضعف إعراب من يقول : إن : ويعلمه، معطوف على : وجيهاً، للفصل المفرط بين المتعاطفين.
الثالث : أن يكون منصوباً على الحال من الضمير المستكن في : ويكلم، فيكون معطوفاً على قوله : وكهلاً، أي : ويكلم الناس طفلاً وكهلاً ورسولاً إلى بني إسرائيل، قاله ابن عطية، وهو بعيد جداً لطول الفصل بين المتعاطفين.
الرابع : أن تكون الواو زائدة، ويكون حالاً من ضمير : ويعلمه، قاله الأخفش، وهو ضعيف لزيادة الواو، لا يوجد في كلامهم : جاء زيد وضاحكاً، أي : ضاحكاً.
الخامس : أن يكون منصوباً على إضمار فعل من لفظ رسول، ويكون ذلك الفعل معمولاً لقول من عيسى، التقدير : وتقول أرسلت رسولاً إلى بني إسرائيل، واحتاج إلى هذا التقدير كله، لقوله :﴿أني قد جئتكم﴾ وقوله :﴿ومصدقاً لما بين يدي﴾، إذ لا يصح في الظاهر حمله على ما قبله من المنصوبات لاختلاف الضمائر، لأن ما قبله ضمير غائب، وهذان ضميرا متكلم، فاحتاج إلى هذا الإضمار لتصحيح المعنى.
قاله الزمخشري، وقال : هو من المضايق، يعني من المواضع التي فيها إشكال.
وهذا الوجه ضعيف، إذ فيه إضمار القول ومعموله الذي هو : أرسلت، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة، إذ يفهم من قوله : وأرسلت، أنه رسول، فهي على هذا التقدير حال مؤكدة.
فهذه خمسة أوجه في إعراب : ورسولاً، أولاها الأول، إذ ليس فيه إلاَّ إضمار فعل يدل عليه المعنى، أي : ويجعله رسولاً، ويكون قوله ﴿أني قد جئتكم﴾ معمولاً لرسول، أي ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة الجمهور، ومعمولاً لقول محذوف على قراءة من كسر الهمزة، وهي قراءة شاذة، أي : قائلاً إني قد جئتكم، ويحتمل أن يكون محكياً بقوله : ورسولاً، لأنه في معنى القول، وذلك على مذهب الكوفيين.
وقرأ اليزيدي : ورسولٍ، بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه معطوف على : بكلمة منه، وهي قراءة شاذة في القياس لطول البعد بين المعطوف عليه والمعطوف.
وأرسل عيسى إلى بني إسرائيل مبيناً حكم التوراة، وداعياً إلى العمل بها، ومحللاً أشياء مما حرم فيها : كالثروب، ولحوم الإبل، وأشياء من الحيتان.
والطير، وكان عيسى قد هربت به أمّه من قومها إلى مصر حين عزلوا أولادهم، ونهوهم عن مخالطته، وحبسوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم فقالوا : ليسوا ها هنا، فقال ما في هذا البيت ؟ قالوا : خنازير، قال : كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير.
ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهموا به، فهربت به أمّه إلى أرض مصر.
فلما بلغ اثنتي عشرة سنة أوحى الله إليها : أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة جاءه الوحي على رأس الثلاثين، فكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه.
وكأن أول أنبياء بني إسرائيل : يوسف، وقيل : موسى، وآخرهم عيسى.
والظاهر أن قوله :﴿أني قد جئتكم بآية﴾ إلى قوله ﴿مستقيم﴾ متعلق بقوله ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾ ومعمول له، فيكون ذلك مندرجاً تحت القول السابق.
والخطاب لمريم بقوله : قال كذلك الله، فتكون مريم قد بشرت بأشياء مما يفعلها الله لولدها عيسى : من تعليمه ما ذكر، ومن جعله رسولاً ناطقاً بما يكون منه إذا أرسل : من مجيئه بالآيات، وإظهار الخوارق على يديه، وغير ذلك مما ذكر إلى قوله : مستقيم.
ويكون بعد قوله : مستقيم.
وقيل : قوله : فلما أحس، محذوف يدل عليه وتضطر إلى تقديره، المعنى، تقديره : فجاء عيسى بني إسرائيل ورسولاً، فقال لهم ما تقدّم ذكره، وأتى بالخوارق التي قالها، فكفروا به وتمالأوا على قتله وإذايته، فلما أحس عيسى منهم الكفر.
وقيل : يحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾ ولا يكون ﴿اني قد جئتكم﴾ متعلقاً بما قبله، ولا داخلاً تحت القول والخطاب لمريم، ويكون المحذوف هنا : لا بعد قوله : مستقيم، والتقدير : فجاء عيسى كما بشر الله رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
وقرأ الجمهور : بأنه، على الإفراد، وكذلك في ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ وفي مصحف عبد الله : بآيات، على الجمع في الموضعين.
ويجوز أن يكون : من ربكم، في موضع الصفة، لأنه يتعلق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق : بجئتكم، أي : جئتكم من ربكم بآية.
﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله﴾ قرأ الجمهور : أني أخلق، بفتح الهمزة على أن يكون بدلاً من : آية، فيكون في موضع جر، أو بدلاً من قوله : أني قد جئتكم، فيكون في موضع نصب أو جر على الخلاف، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هي، أي : الآية أني أخلق، فيكون في موضع رفع.
وقرأ نافع بالكسر على الاستئناف، أو على إضمار القول، أو على التفسير للآية.
كما فسر المثل في قوله :﴿كمثل آدم﴾ بقوله :﴿خلقه من تراب﴾ ومعنى : أخلق : أقدّر وأهيء، والخلق يكون بمعنى الإنشاء وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود.
وهذا لا يكون إلاَّ لله تعالى.
ويكون بمعنى : التقدير والتصوير، ولذلك يسمون صانع الأديم ونحوه : الخالق، لأنه يقدّر، وأصله في الإجرام، وقد نقلوه إلى المعاني قال تعالى ﴿وتخلقون إفكاً﴾ ومما جاء الخلق فيه بمعنى التقدير قوله تعالى :﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ أي المقدّرين.
وقال الشاعر :
واللام في : لكم، معناها التعليل، و : من الطين، تقييد بأنه لا يوجد من العدم الصرف، بل ذكر المادة التي يشكل منها صورة.
وقرأ الجمهور : كهيئة، على وزن : حيئة، وقرأ الزهري : كهية، بكسر الهاء وياء مشددة مفتوحة بعدها تاء التأنيث، و : الكاف، من : كهيئة، اسم على مذهب أبي الحسن، فهي مفعولة : بأخلق، وعلى قول الجمهور : يكون، صفة لمفعول محذوف تقديره : هيئة مثل هيئة، ويكون : هيئة، مصدراً في معنى المفعول، أي : مثالاً مهيأً مثل.
وقرأ الجمهور : الطير، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : كهيئة الطائر، والمراد به الجنس : فأنفخ فيه الضمير في : فيه، يعود على : الكاف، أو على موصوفها على القولين المذكورين.
وقرأ بعض القراء : فأنفخها، أعاد الضمير على الهيئة المحذوفة، إذ يكون التقدير : هيئة كهيئة الطير، أو : على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى : مماثلة هيئة الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في المائدة في قوله :﴿فتنفخ فيها﴾ ويكون في هذه القراءة قد حذف حرف الجرّ.
كما قال :
يريد : ولا قامت عليك، وهي قراءة شاذة نقلها الفراء.
وقال النابغة :
كالهبرقيّ تنحَّى ينفخ الفحما *** فعدى : نفخ، لمنصوب، فيمكن أن يكون على إسقاط حرف الجر، ويمكن أن يكون على التضمين، أي : يضرم بالنفخ الفحم، فيكون هنا ناقصة على بابها، أو بمعنى : تصير.
وقرأ نافع ويعقوب هنا وفي المائدة : طائراً، وقرأ الباقون : طيراً، وانتصابه على أنه خبر : يكون، ومن جعل : يكون، هنا تامّة، و : طائراً، حالاً فقد أبعد.
وتعلق بإذن الله، قيل : بيكون.
وقيل : بطائر، ومعنى : بإذن الله، أي بتمكينه وعلمه بأني أفعل، وتعاطي عيسى التصوير بيده والنفخ في تلك الصورة تبيين لتلبسه بالمعجزة، وتوضيح أنها من قبله، وأما خلق الحياة في تلك الصورة الطينية فمن الله وحده.
وظاهر الآية يدل على أن خلقه لذلك لم يكن باقتراح منهم، بل هذه الخوارق جاءت تفسيراً لقوله :﴿أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾ وقيل : كان ذلك باقتراح منهم، طلبوا منه أن يخلق لهم خفاشاً على سبيل التعنت جرياً على عاداتهم مع أنبيائهم، وخصوا الخفاش لأنه عجيب الخلق، وهو أكمل الطير خلقاً، له : ثدي، وأسنان، وآذان، وضرع، يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، إنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويطير بغير ريش، وتحيض أنثاه وتلد.
روي عن أبي سعيد الخدري : أنه قال لهم : ماذا تريدون ؟ قالوا : الخفاش.
فسألوه أشد الطير خلقاً لأنه يطير بغير ريش، ويقال : ما صنع غير الخفاش، ويقال : فعل ذلك أولاً وهو مع معلمه في الكتاب، وتواطأ النقل عن المفسرين أن الطائر الذي خلقه عيسى كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق، وكان بنو إسرائيل مع معاينتهم لذلك الطائر يطير يقولون في عيسى : هذا ساحر.
﴿وأبرئ الأكمه والأبرص﴾ تقدّم تفسيرهما في المفردات.
وقال مجاهد : الأكمه هو الأعشى.
وقال عكرمة : هو الأعمش.
وقال الزمخشري : هو الذي ولد أعمى.
وقيل : هو الممسوح العين، ولم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقال ابن عباس، والحسن، والسدّي : هو الأعمى على الإطلاق.
وحكى النقاش : أن الأكمه هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يُفهم، الميت الفؤاد، وقال ابن عباس أيضاً، وقتادة : هو الذي يولد أعمى مضموم
الهيئة : الشكل والصورة، وأصله مصدر يقال : هاء الشيء بهاء هيأ وهيئة إذا ترتب واستقر على حال مّا، وتعديه بالتضعيف، فتقول : هيأته، قال
﴿ويهيء لكم﴾
النفخ : معروف.
الإبراء : إزالة العلة والمرض، يقال : برىء الرجل وبرأ من المرض، وأما من الذنب ومن الدّين فبريء.
الكمه : العمى يولد به الإنسان وقد يعرض، يقال : كمه يكمه كمهاً : فهو أكمه.
وكمهتها أنا أعميتها قال سويد :.
كمهت عيناه حتى ابيضتا ***
وقال رؤبة.
فارتد عنها كارتداد الأكمه ***
البرص : داء معروف وهو بياض يعتري الجلد، يقال منه : برص فهو أبرص، ويسمى القمر أبرص لبياضه، والوزغ سام أبرص للبياض الذي يعلو جلده.
ذخر : الشيء يذخره خبأه، والذخر المذخور قال :
لها أشارير من لخم تثمره ***
من الثعالي وذخر من أرانبها
﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾ اختلفوا في : رسولاً، هنا فقيل : هو وصف بمعنى المرسل على ظاهر ما يفهم منه وقيل : هو مصدر بمعنى رسالة، إذ قد ثبت أن رسولاً يكون بمعنى رسالة، وممن جوز ذلك فيه هنا الحوفي، وأبو البقاء، وقالا : هو معطوف على الكتاب، أي : ويعلمه رسالة إلى بني إسرائيل، فتكون : رسالة، داخلاً في ما يعلمه الله عيسى.
وأجاز أبو البقاء في هذا الوجه أن يكون مصدراً في موضع الحال.
وأما الوجه الأول فقالوا في إعرابه، وجوها.
أحدها : أن يكون منصوباً بإضمار فعل تقديره : ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قالوا : فيكون مثل قوله :
| يا ليت زوجك قد غدا | متقلداً سيفاً ورمحاً |
لما لم يمكن تشريكه مع المنصوبات قبله في العامل الذي هو : يعلمه، أضمر له فعل ناصب يصح به المعنى، قاله ابن عطية وغيره.
الثاني : أن يكون معطوفاً على : ويعلمه، فيكون : حالاً، إذ التقدير : ومعلماً الكتاب، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله : وجيهاً، قاله الزمخشري، وثنى به ابن عطية، وبدأ به وهو مبني على إعراب : ويعلمه وقد بينا ضعف إعراب من يقول : إن : ويعلمه، معطوف على : وجيهاً، للفصل المفرط بين المتعاطفين.
الثالث : أن يكون منصوباً على الحال من الضمير المستكن في : ويكلم، فيكون معطوفاً على قوله : وكهلاً، أي : ويكلم الناس طفلاً وكهلاً ورسولاً إلى بني إسرائيل، قاله ابن عطية، وهو بعيد جداً لطول الفصل بين المتعاطفين.
الرابع : أن تكون الواو زائدة، ويكون حالاً من ضمير : ويعلمه، قاله الأخفش، وهو ضعيف لزيادة الواو، لا يوجد في كلامهم : جاء زيد وضاحكاً، أي : ضاحكاً.
الخامس : أن يكون منصوباً على إضمار فعل من لفظ رسول، ويكون ذلك الفعل معمولاً لقول من عيسى، التقدير : وتقول أرسلت رسولاً إلى بني إسرائيل، واحتاج إلى هذا التقدير كله، لقوله :﴿أني قد جئتكم﴾ وقوله :﴿ومصدقاً لما بين يدي﴾، إذ لا يصح في الظاهر حمله على ما قبله من المنصوبات لاختلاف الضمائر، لأن ما قبله ضمير غائب، وهذان ضميرا متكلم، فاحتاج إلى هذا الإضمار لتصحيح المعنى.
قاله الزمخشري، وقال : هو من المضايق، يعني من المواضع التي فيها إشكال.
وهذا الوجه ضعيف، إذ فيه إضمار القول ومعموله الذي هو : أرسلت، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة، إذ يفهم من قوله : وأرسلت، أنه رسول، فهي على هذا التقدير حال مؤكدة.
فهذه خمسة أوجه في إعراب : ورسولاً، أولاها الأول، إذ ليس فيه إلاَّ إضمار فعل يدل عليه المعنى، أي : ويجعله رسولاً، ويكون قوله ﴿أني قد جئتكم﴾ معمولاً لرسول، أي ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة الجمهور، ومعمولاً لقول محذوف على قراءة من كسر الهمزة، وهي قراءة شاذة، أي : قائلاً إني قد جئتكم، ويحتمل أن يكون محكياً بقوله : ورسولاً، لأنه في معنى القول، وذلك على مذهب الكوفيين.
وقرأ اليزيدي : ورسولٍ، بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه معطوف على : بكلمة منه، وهي قراءة شاذة في القياس لطول البعد بين المعطوف عليه والمعطوف.
وأرسل عيسى إلى بني إسرائيل مبيناً حكم التوراة، وداعياً إلى العمل بها، ومحللاً أشياء مما حرم فيها : كالثروب، ولحوم الإبل، وأشياء من الحيتان.
والطير، وكان عيسى قد هربت به أمّه من قومها إلى مصر حين عزلوا أولادهم، ونهوهم عن مخالطته، وحبسوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم فقالوا : ليسوا ها هنا، فقال ما في هذا البيت ؟ قالوا : خنازير، قال : كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير.
ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهموا به، فهربت به أمّه إلى أرض مصر.
فلما بلغ اثنتي عشرة سنة أوحى الله إليها : أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة جاءه الوحي على رأس الثلاثين، فكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه.
وكأن أول أنبياء بني إسرائيل : يوسف، وقيل : موسى، وآخرهم عيسى.
والظاهر أن قوله :﴿أني قد جئتكم بآية﴾ إلى قوله ﴿مستقيم﴾ متعلق بقوله ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾ ومعمول له، فيكون ذلك مندرجاً تحت القول السابق.
والخطاب لمريم بقوله : قال كذلك الله، فتكون مريم قد بشرت بأشياء مما يفعلها الله لولدها عيسى : من تعليمه ما ذكر، ومن جعله رسولاً ناطقاً بما يكون منه إذا أرسل : من مجيئه بالآيات، وإظهار الخوارق على يديه، وغير ذلك مما ذكر إلى قوله : مستقيم.
ويكون بعد قوله : مستقيم.
وقيل : قوله : فلما أحس، محذوف يدل عليه وتضطر إلى تقديره، المعنى، تقديره : فجاء عيسى بني إسرائيل ورسولاً، فقال لهم ما تقدّم ذكره، وأتى بالخوارق التي قالها، فكفروا به وتمالأوا على قتله وإذايته، فلما أحس عيسى منهم الكفر.
وقيل : يحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾ ولا يكون ﴿اني قد جئتكم﴾ متعلقاً بما قبله، ولا داخلاً تحت القول والخطاب لمريم، ويكون المحذوف هنا : لا بعد قوله : مستقيم، والتقدير : فجاء عيسى كما بشر الله رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
وقرأ الجمهور : بأنه، على الإفراد، وكذلك في ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ وفي مصحف عبد الله : بآيات، على الجمع في الموضعين.
ويجوز أن يكون : من ربكم، في موضع الصفة، لأنه يتعلق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق : بجئتكم، أي : جئتكم من ربكم بآية.
﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله﴾ قرأ الجمهور : أني أخلق، بفتح الهمزة على أن يكون بدلاً من : آية، فيكون في موضع جر، أو بدلاً من قوله : أني قد جئتكم، فيكون في موضع نصب أو جر على الخلاف، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هي، أي : الآية أني أخلق، فيكون في موضع رفع.
وقرأ نافع بالكسر على الاستئناف، أو على إضمار القول، أو على التفسير للآية.
كما فسر المثل في قوله :﴿كمثل آدم﴾ بقوله :﴿خلقه من تراب﴾ ومعنى : أخلق : أقدّر وأهيء، والخلق يكون بمعنى الإنشاء وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود.
وهذا لا يكون إلاَّ لله تعالى.
ويكون بمعنى : التقدير والتصوير، ولذلك يسمون صانع الأديم ونحوه : الخالق، لأنه يقدّر، وأصله في الإجرام، وقد نقلوه إلى المعاني قال تعالى ﴿وتخلقون إفكاً﴾ ومما جاء الخلق فيه بمعنى التقدير قوله تعالى :﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ أي المقدّرين.
وقال الشاعر :
| ولأنت تَفْرِي ما خَلَقْتَ | وبعض القوم يخلق ثم لا يفري |
وقرأ الجمهور : كهيئة، على وزن : حيئة، وقرأ الزهري : كهية، بكسر الهاء وياء مشددة مفتوحة بعدها تاء التأنيث، و : الكاف، من : كهيئة، اسم على مذهب أبي الحسن، فهي مفعولة : بأخلق، وعلى قول الجمهور : يكون، صفة لمفعول محذوف تقديره : هيئة مثل هيئة، ويكون : هيئة، مصدراً في معنى المفعول، أي : مثالاً مهيأً مثل.
وقرأ الجمهور : الطير، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : كهيئة الطائر، والمراد به الجنس : فأنفخ فيه الضمير في : فيه، يعود على : الكاف، أو على موصوفها على القولين المذكورين.
وقرأ بعض القراء : فأنفخها، أعاد الضمير على الهيئة المحذوفة، إذ يكون التقدير : هيئة كهيئة الطير، أو : على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى : مماثلة هيئة الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في المائدة في قوله :﴿فتنفخ فيها﴾ ويكون في هذه القراءة قد حذف حرف الجرّ.
كما قال :
| ما شق جيب ولا قامتك نائحة | ولا بكتك جياد عند إسلاب |
وقال النابغة :
كالهبرقيّ تنحَّى ينفخ الفحما *** فعدى : نفخ، لمنصوب، فيمكن أن يكون على إسقاط حرف الجر، ويمكن أن يكون على التضمين، أي : يضرم بالنفخ الفحم، فيكون هنا ناقصة على بابها، أو بمعنى : تصير.
وقرأ نافع ويعقوب هنا وفي المائدة : طائراً، وقرأ الباقون : طيراً، وانتصابه على أنه خبر : يكون، ومن جعل : يكون، هنا تامّة، و : طائراً، حالاً فقد أبعد.
وتعلق بإذن الله، قيل : بيكون.
وقيل : بطائر، ومعنى : بإذن الله، أي بتمكينه وعلمه بأني أفعل، وتعاطي عيسى التصوير بيده والنفخ في تلك الصورة تبيين لتلبسه بالمعجزة، وتوضيح أنها من قبله، وأما خلق الحياة في تلك الصورة الطينية فمن الله وحده.
وظاهر الآية يدل على أن خلقه لذلك لم يكن باقتراح منهم، بل هذه الخوارق جاءت تفسيراً لقوله :﴿أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾ وقيل : كان ذلك باقتراح منهم، طلبوا منه أن يخلق لهم خفاشاً على سبيل التعنت جرياً على عاداتهم مع أنبيائهم، وخصوا الخفاش لأنه عجيب الخلق، وهو أكمل الطير خلقاً، له : ثدي، وأسنان، وآذان، وضرع، يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، إنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويطير بغير ريش، وتحيض أنثاه وتلد.
روي عن أبي سعيد الخدري : أنه قال لهم : ماذا تريدون ؟ قالوا : الخفاش.
فسألوه أشد الطير خلقاً لأنه يطير بغير ريش، ويقال : ما صنع غير الخفاش، ويقال : فعل ذلك أولاً وهو مع معلمه في الكتاب، وتواطأ النقل عن المفسرين أن الطائر الذي خلقه عيسى كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق، وكان بنو إسرائيل مع معاينتهم لذلك الطائر يطير يقولون في عيسى : هذا ساحر.
﴿وأبرئ الأكمه والأبرص﴾ تقدّم تفسيرهما في المفردات.
وقال مجاهد : الأكمه هو الأعشى.
وقال عكرمة : هو الأعمش.
وقال الزمخشري : هو الذي ولد أعمى.
وقيل : هو الممسوح العين، ولم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقال ابن عباس، والحسن، والسدّي : هو الأعمى على الإطلاق.
وحكى النقاش : أن الأكمه هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يُفهم، الميت الفؤاد، وقال ابن عباس أيضاً، وقتادة : هو الذي يولد أعمى مضموم