البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ومصدقاً لما بين يدي من التوراة﴾ عطف و : مصدقاً، على قوله : بآية إذ الباء فيه للحال، ولا تكون للتعدية لفساد المعنى، فالمعنى : وجئتكم مصحوباً بآية من ربكم، ومصدقاً لما بين يدي.
ومنعوا أن يكون : ومصدقاً، معطوفاً على : رسولاً إلى بني إسرائيل، ولا على : وجيهاً، لما يلزم من كون الضمير في قوله : لما بين يدي، غائباً.
فكان يكون : لما بين يديه، وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله : ورسولاً، أن يكون منصوباً بإضمار فعل، أي : وأرسلت رسولاً، فعلى هذا التقدير يكون : ومصدقاً، معطوفاً على : ورسولاً.
ومعنى تصديقه للتوراة الإيمان بها وإن كانت شريعته تخالف في أشياء.
قال وهب بن منبه : كان يسبت ويستقبل بيت المقدس.
﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ قال ابن جريج : أحل لهم لحوم الابل والشحوم.
وقال الربيع : وأشياء من السمك وما لا ضئضئة له من الطير، وكان ذلك في التوراة محرماً.
وقال بعض المفسرين : حرم عليكم، إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه، فكأن عيسى ردّ أحكام التوراة إلى حقائقها التي نزلت من عند الله.
انتهى كلامه.
واختلفوا في إحلاله لهم السبت.
وقرأ عكرمة : ما حرم عليكم، مبنياً للفاعل، والفاعل ضمير يعود على : ما، من قوله : لما بين يدي، أو يعود على : الله، منزل التوراة، أو على : موسى، صاحب التوراة.
والظاهر الأول لأنه مذكور.
وقرأ : حرم، بوزن : كرم، إبراهيم النخعي، والمراد ببعض مدلولها المتعارف، وزعم أبو عبيدة أن المراد به هنا معنى كل خطأ، لأنه كان يلزم أن يحل لهم : القتل، والزنا، والسرقه، لأن ذلك محرم عليهم، واستدلاله على أن : بعضاً، تأتي بمعنى : كل، بقول لبيد :
ترَّاك أمكنة إذا لم أرضهاأو ترتبط بعض النفوس حمامها
ليس بصحيح، لأن بعضاً على مدلوله، إذ يريد نفسه، فهو تبعيض صحيح، وكذلك استدلال من استدل بقوله :
إن الأمور إذا الأحداث دبرهادون الشيوخ ترى في بعضها خللا
لصحة التبعيض، إذ ليس كل ما دبره الأحداث يكون فيه الخلل.
وقال بعضهم : لا يقوم : بعض، مقام : كل إلا إذا دلت قرينة على ذلك، نحو قوله :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضناحنانيك بعض الشر أهون من بعض
يريد : بعض الشر أهون من كله. انتهى.
وفي ذلك نظر.
واللام في : ولأحل لكم، لام كي، ولم يتقدم ما يسوغ عطفه عليه من جهة اللفظ، فقيل : هو معطوف على المعنى، إذ المعنى في : ومصدقاً، أي : لأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم.
وهذا هو العطف على التوهم، وليس هذا منه، لأن معقولية الحال مخالفة لمعقولية التعليل، والعطف على التوهم لا بد أن يكون المعنى متحداً في المعطوف والمعطوف عليه.
ألا ترى إلى قوله : فأصدق وأكن كيف اتحد المعنى من حيث الصلاحية لجواب التحضيض ؟ وكذلك قوله :
تقي نقي لم يكثر غنيمةبنكهة ذي قربى ولا بحفلد
كيف اتحد معنى النفي في قوله : لم يكثر، ولا في قوله : ولا بحفلد ؟ أي : ليس بمكثر ولا بحفلد.
وكذلك ما جاء من هذا النوع.
وقيل : اللام تتعلق بفعل مضمر بعد الواو يفسره المعنى : أي وجئتكم لأحلّ لكم.
وقيل : تتعلق اللام بقوله : وأطيعون، والمعنى : واتبعون لأحل لكم، وهذا بعيد جداً.
وقال أبو البقاء : هو معطوف على محذوف تقديره : لأخفف عنكم، أو نحو ذلك.
وقال الزمخشري : ولأحل، ردّ على قوله : بآية من ربكم، أي : جئتكم بآية من ربكم، لأن : بآية، في موضع حال، و : لأحل، تعليل، ولا يصح عطف التعليل على الحال لأن العطف بالحرف المشترك في الحكم يوجب التشريك في جنس المعطوف عليه، فإن عطفت على مصدر، أو مفعول به، أو ظرف، أو حال، أو تعليل، أو غير ذلك شاركه في ذلك المعطوف.
﴿وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾ ظاهر اللفظ أن يكون قوله :﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ للتأسيس لا للتوكيد، لقوله : قد جئتكم بآية من ربكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبديع : إسناد الفعل للآمر به لا لفاعله، في قوله : إن الله يبشرك، اذ هم المشافهون بالبشارة، والله الآمر بها.
ومثله : نادى السلطان في البلد بكذا، وإطلاق اسم السبب على المسبب في قوله : بكلمة منه، على الخلاف الذي في تفسير : كلمة.
والاحتراس : في قوله : وكهلاً، من ما جرت به العادة أن من تكلم في حال الطفولة لا يعيش.
والكناية : في قوله : ولم يمسسني بشر، كنى بالمسّ عن الوطء، كما كنى عنه : بالحرث، واللباس، والمباشرة.
والسؤال والجواب في : قالت الملائكة وفي أنى يكون ؟ والتكرار : في : جئتكم بآية.
وفي : أنى أخلق لكم.
و، في : الطير، وفي : بإذن الله، وفي : ربي وربكم، وفي : ما، في قوله : بما تأكلون وما.
والتعبير عن الجمع بالمفرد في : الآية، وفي : الأكمة والأبرص، وفي : إذا قضى أمراً.
والطباق في : وأحيي الموتى، وفي : لاحل وحرم والالتفات في : ونعلمه فيمن قرأ بالنون والتفسير بعد الإبهام في : من قال : الكتاب مبهم غير معين، والتوراة والإنجيل تفسير له والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى