غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ويعلمه﴾ بياء الغيبة : أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب، الباقون بالنون. ﴿أني أخلق﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء : نافع ﴿أني أخلق﴾ بالفتح فيهما : ابن كثير وأبو عمرو ويزيد. ﴿كهيئة﴾ بتشديد الياء : يزيد وحمزة في الوقف، وكان ابن مقسم يقول : بلغني أن خلفاً يقول : إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها، الباقون بالياء والهمزة. ﴿الطائر﴾ يزيد، الباقون ﴿الطير﴾. ﴿فتكون﴾ بتاء التأنيث : المفضل، الباقون : بياء الغيبة. ﴿طائر﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة، الباقون ﴿طيراً﴾. ﴿أنصاري إلى﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع. وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة. ﴿فيوفيهم﴾ بياء الغيبة : حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء، الباقون بالنون.
الوقوف :﴿العالمين﴾ ه ﴿الراكعين﴾ ه ﴿إليك﴾ ط ﴿يكفل مريم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿يختصمون﴾ ه ﴿منه﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً. فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿الصالحين﴾ لأن ﴿وجيهاً﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين. ﴿الصالحين﴾ ه ﴿بشر﴾ ( ط ) ﴿يشاء﴾ ط ﴿فيكون﴾ ه
﴿والإنجيل﴾ ج لأن ﴿ورسولاً﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ومن الصالحين﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف. ﴿من ربكم﴾ ج لمن قرأ ﴿إني أخلق﴾ بالكسر ﴿بإذن الله﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات. ﴿في بيوتكم﴾ ط ﴿مؤمنين﴾ ج للعطف ﴿وأطيعون﴾ ه ﴿فاعبدوه﴾ ط ﴿مستقيم﴾ ه ﴿إلى الله﴾ ط ﴿أنصار الله﴾ ج لأن ﴿آمناً﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿مسلمون﴾ ه ﴿الشاهدين﴾ ه ﴿ومكر الله﴾ ط ﴿الماكرين﴾ ه ﴿القيامة﴾ ج لأن " ثم " لترتيب الإخبار. ﴿والآخرة﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود. ﴿ناصرين﴾ ه ﴿أجورهم﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ه ﴿الحكيم﴾ ه ﴿آدم﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف. ﴿فيكون﴾ ط ﴿الممترين﴾ ه.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال :﴿فلما أحس﴾ أي علم
﴿عيسى منهم الكفر﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه. قال السدي : لما بعثه الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد ﷺ بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته. وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال : إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت : يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك. فقال عليه السلام : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر. فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه. فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني. فلما فعل دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً. فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر ؟ فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك فقال له عيسى : لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال : ما أبالي ما كان، فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى عليه السلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً. وقصد اليهود قتله ﷺ وأظهروا الطعن فيه. وقيل : إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿قال من أنصاري إلى الله﴾ قيل : إنه لما دعا عليه السلام بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا عليه السلام فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الإثني عشر - فقال عيسى عليه السلام : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد ؟ فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه السلام بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤوا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى. وقيل : إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم. ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى : حسبك ثم أدنى عليه السلام أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت. والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه عليه السلام. وقيل : إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين﴾[الصف: ١٤]. ومعنى ﴿إلى الله﴾ قيل : من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي ؟ وقيل : من أنصاري إلى أن أظهر دين الله. فالجار على القولين من صلة ﴿أنصاري﴾ مضمناً معنى الإضافة. وقيل : من أنصاري حال ذهابي إلى الله ؟ أو حال التجائي إليه ؟ وقيل : من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته ؟ وفي الحديث أنه ﷺ كان يقول إذا ضحى :" اللهم منك وإليك " أي تقرباً إليك. فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف. وقيل :" إلى " بمعنى اللام. وقيل : بمعنى " في " أي في سبيل الله. وهذا قول الحسن. ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ أعوان دينه ورسوله. وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن. والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير : سموا بذلك لبياض ثيابهم. وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل : لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم " فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل " للكريم " و " دنس الثياب " للئيم. وعن الضحاك : الذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري فعرّب. وأما أن الحواريين من هم فقيل : هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا. وقيل : إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال : ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان. فطبخ عيسى عليه السلام حباً واحداً وجعل الجميع فيه. وقال : كوني بإذن الله كما أريد. فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت عليّ الثياب قال : قم فانظر. فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد. فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون. وقيل : كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا : يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا : عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا سقيتنا وقد آمنا بك ؟ فقال : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال : فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين. وقيل : إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة. فكانت القصعة لا تنقص. فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال : تعرفونه ؟ قالوا : نعم. فذهبوا إليه بعيسى فقال : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم. قال : فإني أترك ملكي فأتبعك. فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال : يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته. ﴿آمنا بالله﴾ يجري مجرى السبب لقولهم :﴿نحن أنصار الله﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه. أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الاصطفاء ثلاثة أنواع : اصطفاء على غير الجنس ﴿إن الله اصطفى آدم﴾[آل عمران: ٣٣] ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد ﷺ على الكائنات كقوله : لولاك لما خلقت الأفلاك. وقال ﷺ :" آدم فمن دونه تحت لوائي "، واصطفاء على الجنس كقوله :﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس﴾[الأعراف: ١٤٤] ولمريم ﴿إن الله اصطفاك﴾ لاصطفائك إياه ﴿وطهرك﴾ عن الالتفات لغيره ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء. ﴿إن الله يبشرك بكلمة منه﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله تعالى. والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله :" كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكية الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة. وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره. قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال ﷺ " من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد :﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾[مريم: ٣٠] روى مجاهد قال : قالت مريم بنت عمران : كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. وسمي المسيح لأنه حين مسح الله تعالى ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " إن الله تعالى أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح. ﴿وكهلاً﴾ أي حالة النبوة لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ومن الصالحين﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام. ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي ﷺ آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات. ولما كان روح عيسى عليه السلام وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرئ إلى غير ذلك من الآيات. ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون﴾ وهم القلب وصفاته ﴿نحن أنصار الله آمنا بالله﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ربنا آمنا بما أنزلت﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿واتبعنا الرسول﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ومكروا﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ومكر الله﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿والله خير الماكرين﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ورافعك إليّ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ثم إليّ مرجعكم﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح. ﴿فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿والآخرة﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله تعالى. ثم قال له كن فيكون. هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿فلا تكن من الممترين﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد.
الوقوف :﴿العالمين﴾ ه ﴿الراكعين﴾ ه ﴿إليك﴾ ط ﴿يكفل مريم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿يختصمون﴾ ه ﴿منه﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً. فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿الصالحين﴾ لأن ﴿وجيهاً﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين. ﴿الصالحين﴾ ه ﴿بشر﴾ ( ط ) ﴿يشاء﴾ ط ﴿فيكون﴾ ه
﴿والإنجيل﴾ ج لأن ﴿ورسولاً﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ومن الصالحين﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف. ﴿من ربكم﴾ ج لمن قرأ ﴿إني أخلق﴾ بالكسر ﴿بإذن الله﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات. ﴿في بيوتكم﴾ ط ﴿مؤمنين﴾ ج للعطف ﴿وأطيعون﴾ ه ﴿فاعبدوه﴾ ط ﴿مستقيم﴾ ه ﴿إلى الله﴾ ط ﴿أنصار الله﴾ ج لأن ﴿آمناً﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿مسلمون﴾ ه ﴿الشاهدين﴾ ه ﴿ومكر الله﴾ ط ﴿الماكرين﴾ ه ﴿القيامة﴾ ج لأن " ثم " لترتيب الإخبار. ﴿والآخرة﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود. ﴿ناصرين﴾ ه ﴿أجورهم﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ه ﴿الحكيم﴾ ه ﴿آدم﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف. ﴿فيكون﴾ ط ﴿الممترين﴾ ه.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال :﴿فلما أحس﴾ أي علم
﴿عيسى منهم الكفر﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه. قال السدي : لما بعثه الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد ﷺ بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته. وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال : إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت : يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك. فقال عليه السلام : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر. فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه. فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني. فلما فعل دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً. فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر ؟ فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك فقال له عيسى : لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال : ما أبالي ما كان، فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى عليه السلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً. وقصد اليهود قتله ﷺ وأظهروا الطعن فيه. وقيل : إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿قال من أنصاري إلى الله﴾ قيل : إنه لما دعا عليه السلام بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا عليه السلام فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الإثني عشر - فقال عيسى عليه السلام : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد ؟ فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه السلام بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤوا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى. وقيل : إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم. ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى : حسبك ثم أدنى عليه السلام أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت. والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه عليه السلام. وقيل : إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين﴾[الصف: ١٤]. ومعنى ﴿إلى الله﴾ قيل : من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي ؟ وقيل : من أنصاري إلى أن أظهر دين الله. فالجار على القولين من صلة ﴿أنصاري﴾ مضمناً معنى الإضافة. وقيل : من أنصاري حال ذهابي إلى الله ؟ أو حال التجائي إليه ؟ وقيل : من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته ؟ وفي الحديث أنه ﷺ كان يقول إذا ضحى :" اللهم منك وإليك " أي تقرباً إليك. فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف. وقيل :" إلى " بمعنى اللام. وقيل : بمعنى " في " أي في سبيل الله. وهذا قول الحسن. ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ أعوان دينه ورسوله. وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن. والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير : سموا بذلك لبياض ثيابهم. وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل : لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم " فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل " للكريم " و " دنس الثياب " للئيم. وعن الضحاك : الذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري فعرّب. وأما أن الحواريين من هم فقيل : هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا. وقيل : إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال : ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان. فطبخ عيسى عليه السلام حباً واحداً وجعل الجميع فيه. وقال : كوني بإذن الله كما أريد. فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت عليّ الثياب قال : قم فانظر. فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد. فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون. وقيل : كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا : يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا : عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا سقيتنا وقد آمنا بك ؟ فقال : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال : فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين. وقيل : إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة. فكانت القصعة لا تنقص. فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال : تعرفونه ؟ قالوا : نعم. فذهبوا إليه بعيسى فقال : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم. قال : فإني أترك ملكي فأتبعك. فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال : يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته. ﴿آمنا بالله﴾ يجري مجرى السبب لقولهم :﴿نحن أنصار الله﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه. أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ثم إليّ مرجعكم﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح. ﴿فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿والآخرة﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله تعالى. ثم قال له كن فيكون. هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿فلا تكن من الممترين﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد.