فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ أي : علم ووجد : قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة : معنى أحسّ عرف. وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة، والإحساس : العلم بالشيء. قال الله تعالى :﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ منْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]. والمراد بالإحساس هنا : الإدراك القويّ الجاري مجرى المشاهدة. وبالكفر إصرارهم عليه، وقيل : سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفراء : أرادوا قتله. وعلى هذا، فمعنى الآية : فلما أدرك منهم عيسى إرادة قتله التي هي كفر قال : من أنصاري إلى الله. الأنصار جمع نصير. وقوله :﴿إِلَى الله﴾ متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي : متوجهاً إلى الله، أو ملتجئاً إليه، أو ذاهباً إليه، وقيل : إلى بمعنى مع كقوله تعالى :﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] وقيل : المعنى : من أنصاري في السبيل إلى الله، وقيل : المعنى : من يضم نصرته إلى نصرة الله. والحواريون : جمع حواري، وحواريّ الرجل : صفوته، وخلاصته، وهو مأخوذ من الحور، وهو البياض عند أهل اللغة، حوّرت الثياب بيضتها، والحواري من الطعام : ما حوّر : أي بيض، والحواري أيضاً الناصر، ومنه قوله ﷺ :«لكل نبيّ حواريّ، وحواريي الزبير » وهو في البخاري، وغيره. وقد اختلف في سبب تسميتهم بذلك، فقيل : لبياض ثيابهم. وقيل : لخلوص نياتهم. وقيل : لأنهم خاصة الأنبياء، وكانوا اثني عشر رجلاً، ومعنى أنصار الله : أنصار دينه ورسله. وقوله :﴿آمنا بالله﴾ استئناف جار مجرى العلة لما قبله، فإن الإيمان يبعث على النصرة. قوله :﴿واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي : اشهد لنا يوم القيامة بأنا مخلصون لإيماننا منقادون لما تريد منا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله :﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر﴾ قال : كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : إنما سمُّوا الحواريين لبياض ثيابهم كانوا صيادين. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك قال : الحواريون قصارون مرّ بهم عيسى فآمنوا به. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال : الحواريون هم الذين تصلح لهم الخلافة. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال : هم أصفياء الأنبياء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الضحاك مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال : الحواري الوزير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة قال : الحواري الناصر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ قال : مع محمد، وأمته أنهم شهدوا له أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عنه قال ﴿مَعَ الشاهدين﴾ مع أصحاب محمد ﷺ. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال : إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتي، فيقتل، وله الجنة، فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله :﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ يقول : مميتك. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال : متوفيك من الأرض. وأخرج الآخران عنه قال : وفاة المنام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال : هذا من المقدّم، والمؤخر أي : رافعك إليّ، ومتوفيك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مطر الوراق قال : متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن وهب قال : توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه، وأخرج ابن عساكر، عنه قال : أماته ثلاثة أيام ثم بعثه، ورفعه.
وأخرج الحاكم، عنه قال : توفى الله عيسى سبع ساعات. وأخرج ابن سعد، وأحمد في الزهد، والحاكم، عن سعيد بن المسيب قال : رفع عيسى، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وأخرج ابن عساكر، عن وهب مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله تعالى :﴿وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا﴾ قال : طهره من اليهود، والنصارى، والمجوس، ومن كفار قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُوا﴾ قال : هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته، وملته، وسنته. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن النعمان بن بشير : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يبالون بمن خالفهم حتى يأتي أمر الله» قال النعمان : من قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل، فإن تصديق ذلك في كتاب الله، قال الله :﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك﴾ الآية. وأخرج ابن عساكر، عن معاوية مرفوعاً نحوه، ثم قرأ معاوية الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال : النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، وليس بلد فيه أحد من النصارى، إلا وهم فوق اليهود في شرق، ولا غرب، هم البلدان كلها مستذلون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى