الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ.. ) الآية [ ٥٢-٦٣ ] معناه : فلما ( علم )(١) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى : وجد وعلم برزية أو غيرها(١).
يقال : أحس(٢) الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد(٣).
وقيل معناه : فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له(٤).
( قَالَ مَنَ اَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ ) أي : من أعواني على هؤلاء ( مع الله )(٥). وإلى بمعنى : " مع " (٦).
وكان من قصة عيسى صلى الله عليه وسلم(٧) ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال : كذبت(٨) بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد ( فجاء ) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته : ما شأن زوجك(٩) ؟ أراه حزيناً(١٠) ؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم : أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم : إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [ وليس معنا سعة، فقالت مريم لها : فقولي له : فلا يهتم فإني آمر(١١) ابني [ أن ] يدعو له(١٢)، فَيُكْفَى ](١٣). فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ : " يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت : فلا تبال(١٤)، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له : إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال : من أين لك هذا ؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال : عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال : إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه – فقال عيسى ﷺ : " لا تفعل [ فإنه إن(١٥) ] عاش كان شراً، فقال الملك : لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى صلى الله عليه وسلم(١٦).
فلما رأى أهل المملكة(١٧) الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا : قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه.
ومر(١٨) عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ : تشاركنا ؟ فقال اليهودي : نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام(١٩) جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ : ما تصنع ؟ فيقول : لا شيء حتى فرغ(٢٠) [ من ](٢١) الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ : طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ : أين الرغيف الآخر ؟ قال : ما كان معي إلا واحد.
ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال(٢٢) عيسى ﷺ : يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي : نعم، أرسل صاحبك يأخذها : فأرسل عيسى ﷺ اليهودي(٢٣) فجاءه(٢٤) بالشاة(٢٥)، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي : كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال : قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال : يا صاحب الغنم : خذ شاتك فقال له الراعي : من أنت ؟ قال : أنا عيسى ابن مريم، قال له : أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي : بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً ؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد.
فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال : قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال : يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال : ومن أنت ؟ قال : أنا عيسى، قال : عيسى الساحر(٢٦)، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي : بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً ؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد.
ثم انطلقا(٢٧) حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال : أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي(٢٨) طبيباً ؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال : أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [ فقال(٢٩) ](٣٠) : أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركولي صاحبي ؟ قالوا : نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال : يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ : أنشدك بالذي أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ ما ] مات(٣١)، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً ؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد.
فانطلقا حتى مرَّا(٣٢) على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي : يا عيسى هذا المال ؟ فقال له عيسى ﷺ : دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا.
ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما(٣٣). انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل(٣٤) عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه : هل لك أن تجعل لصاحبينا(٣٥) في طعامهما سماً ؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر : نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال : إذا أتى صاحبانا(٣٦) فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله(٣٧) فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك.
فلما جاء صاحباهما(٣٨)، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي : أخرجه حتى نقسمه(٣٩)، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي : اتق(٤٠) الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة ؟ فقال له عيسى ﷺ : هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي : وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال ؟ قال [ عيسى(٤١) ] ﷺ : نعم، قال : أنا هو، فقال له عيسى ﷺ : خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [ به ](٤٢) شيئاً(٤٣) فخسف به(٤٤).
وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله :( مَنَ اَنصَارِيَ إِلَى اللَّهِ ).
وقيل(٤٥) : إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقيل : سموا(٤٦) بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل(٤٧) : كانوا غسالين يغسلون الثياب.
وقال قتادة : " الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة(٤٨).
وقال الضحاك : الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم(٤٩).
وروي أن(٥٠) مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات(٥١) وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه.
وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [ به ](٥٢) واتبعوه.
قوله :( وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام.
١ - انظر: المفردات ١١٥ واللسان (حس) ٦/٤٩..
٢ - معنى أحس علم بالشيء من جهة الحواس، أي بما يسمع من أقوالهم في تكذيبه ورقي من قرائن الأحوال وشدة العداوة والإعراب. انظر: المفردات ١١٥ واللسان (حس) ٦/٤٩..
٣ - انظر: معاني الفراء ١/٢١٦ ومعاني الأخفش ١/٤٠٩ وانظر: معاني الزجاج ١/٤١٦..
٤ - انظر: مجاز القرآن ١/٩٤ وانظر: جامع البيان ٣/٢٨١..
٥ - ساقط من (د)..
٦ - انظر: تأويل المشكل ٥٧١ والمغني لابن هشام ٧٨..
٧ - (ج): عليه السلام..
٨ - (ب) و(د): ماتت، و(ج): غير واضح..
٩ - ساقط من (د)..
١٠ - (د): بصاحب..
١١ - (ب) و(د): أمروا..
١٢ - زيادة يقتضيها السياق..
١٣ - ساقط من (أ)..
١٤ - (ب) و(د): لا تبل هكذا..
١٥ - ساقط من (أ)..
١٦ - ب..
١٧ - (أ): المملة..
١٨ - كذا في كل النسخ ورواية الطبري ذهب. انظر: جامع البيان ٣/٢٨٥..
١٩ - (ب) (ج): ناما..
٢٠ - (أ): تفرغ وهو خطأ..
٢١ - زيادة يقتضيها السياق وبها وردت رواية الطبري في جامع البيان ٣/٢٨٥..
٢٢ - ساقط من (أ) (ب) و(د): اليهود..
٢٣ - (ب) (د): اليهود..
٢٤ - (أ): فجاءت..
٢٥ - (ج) و(د): بشاة..
٢٦ - (ب) (د): السحار..
٢٧ - استعمل مكي ضمير التثنية بدل الجمع فأيهما الصواب عنده..
٢٨ - (ب) و(د): يبتغ وهو خطأ..
٢٩ - ساقط من (أ)..
٣٠ - (ج): فقال عيسى عليه السلام أرأيتم..
٣١ - ساقط من (أ) و(ج)..
٣٢ - (أ): مر وهو خطأ..
٣٣ - (د): لصاحبهما..
٣٤ - (أ) (ب) (د): تحمل..
٣٥ - (د): لصاحبنا..
٣٦ - (د): صاحبنا..
٣٧ - فيقتله..
٣٨ - (د): صاحبهما..
٣٩ - (د): يقسمه..
٤٠ - (د): اتقوا الله..
٤١ - ساقط من (أ)..
٤٢ - ساقط من (أ) (ج)..
٤٣ - شيئاً بمعنى: قليلاً..
٤٤ - انظر: جامع البيان ٣/٢٨٤-٢٨٦ والدر المنثور ٢/٢١٦-٢٢٠. [وهذا من القصص الإسرائيلي الذي أمرنا أن لا نصدقه ولا نكذبه، فالله قادر على كل ما جاء فيه، وأكثر، ولكن لا ندري صدقه [المدقق]..
٤٥ - ينسب إلى سعيد بن جبير في جامع البيان ٣/٢٨٦ وينظر أيضاً: الدر المنثور ٢/٢٦٣..
٤٦ - هذا التوجيه في جامع البيان ٣/٢٨٧..
٤٧ - ينسب إلى أبي أرضاة في جامع البيان ٣/٢٨٧..
٤٨ - انظر: جامع البيان ٣/٢٨٧ والدر المنثور ٢/٢٢٣..
٤٩ - انظر: المصدر السابق..
٥٠ - (أ): أين..
٥١ - (د): آية..
٥٢ - ساقط من (أ) و(ج)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى