تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) أي : واذكر قول الله لعيسى : إني متوفيك ( ورافعك إلي ). فإن قال قائل : ما معنى التوفي، وعيسى في الأحياء على زعمكم ؟ قلنا : فيه أقوال، قال الحسن البصري : معناه : إني قابضك من الأرض، وهو صحيح عند أهل اللغة، فيقال : توفيت حقي من فلان. أي : قبضت.
قال الازهري : كأنه يقول : إني متوفى عدد آبائك في الأرض، وكل شيء تم فهو متوفى، ومستوفى، وقال الفراء : فيه تقديم وتأخير، وتقديره :" إني رافعك إلي ومتوفيك " أي : بعد النزول من السماء.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال :«ليهبطن عيسى بن مريم حكما مقسطا يكسر الصليب ويقتل الخنزير » (١)، وفي رواية :«أنه يقتل الدجال بباب لدّ » (٢) من دمشق، وفي الأخبار : أنه يعيش بعد ذلك في الأرض سبع سنين (٣)، ويتزوج، ويولد له. ثم يموت، ويصلي عليه المؤمنون من هذه الأمة (٤).
وهذا التقديم والتأخير الذي ذكرنا في الآية محكي عن ابن عباس وله قول آخر : أن الآية على حقيقة الموت، وأن عيسى قد مات، ثم أحياه الله تعالى ورفعه إلى السماء.
قال وهب بن منبه : أماته الله ثلاث ساعات من النهار، ثم أحياه الله، ورفعه إليه، وقال الربيع ابن أنس : التوفي : هو النوم، وكان عيسى قد نام، فرفعه الله نائما إلى السماء، والمعروف : القولان الأولان.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال :«رأيت ابني الخالة : عيسى، ويحيى في السماء الثانية ليلة المعراج » (٥)، وروى أيضا :«أنه رآهما في السماء الدنيا » والأول أصح، وقال عليه الصلاة والسلام :«رأيت المسيح بن مريم يطوف بالبيت »(٦) فدلّ على أن الصحيح أنه في الأحياء، وفي أخبار المعراج :«أن النبي ﷺ لقي آدم في السماء الأولى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة، - وفي رواية السماء السابعة - وإبراهيم في السماء السابعة »(٧).
قوله :( ومطهرك من الذين كفروا ) أي : مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ).
وقيل : أراد به النصارى، وهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، واليهود أذل الفريقين ؛ قد ذهب ملكهم، فلا يعود أبدا، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة، وقيل : أراد بالذين اتبعوه : أمة محمد ﷺ ؛ حيث صدقوه ووافقوه على دين التوحيد، فهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.
وفيه قولان : أحدهما : أنهم فوقهم بالحجة.
والثاني : بالعز والغلبة، وقد قال ﷺ :«أنا أولى بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبي »(٨).
( ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ).
١ - متفق عليه من حديث أبي هريرة. رواه البخاري بطوله (٦/٥٦٦ رقم ٣٤٤٨)، ومسلم (٢/٢٤٩ رقم ١٥٥)..
٢ - رواه مسلم (١٨/٨٥-٩٤ رقم ٢١٣٧)، وأبو داود (٤/١١٧ رقم ٤٣٢١)، والترمذي (٤/٤٤٢-٤٤٥ رقم ٢٢٤٠)، وابن ماجة (٢/١٣٥٦-١٣٥٩ رقم ٤٠٧٥) وأحمد في مسنده (٤/١٨١-١٨٢) كلهم من حديث النواس بن سمعان به وقوله "من دمشق" ليس في الحديث، بل هو تفسير منه، وهو خطأ، انظر شرح مسلم للنووي (١٨/٩١)، ومعجم البلدان (٥/١٧)..
٣ - ثبت هذا عند مسلم (١٨/٩٩-١٠٢ رقم ٢٩٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو...
٤ - رواه أبو داود (٤/١١٧-١١٨ رقم ٤٣٢٣)، وأحمد (٢/٤٠٦، ٤٣٧)، والطبري (٦/١٦-١٧) وابن حبان (١٥/٢٣٣-٢٣٤ رقم ٦٨٢١) والحاكم (٢/٥٩٥) وصححه من حديث أبي هريرة..
٥ - متفق عليه من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة، رواه البخاري (٦/٣٤٨-٣٥٠ رقم ٣٠٢٧) وأطرافه في (٣٣٩٣، ٣٤٣، ٣٨٨٧)، ومسلم (٢/٢٩٠-٢٩٣ رقم ١٦٤)..
٦ - متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر في حديث طويل، رواه البخاري في صحيحه (٦/٥٥٠ رقم ٣٤٤٠ وأطرافه في ٣٤٤١، ٥٩٠٣، ٦٩٩٩، ٧٠٢٦، ٧١٢٨)، ومسلم (٢/٣٠٢-٣٠٧ رقم ٦٦٩)..
٧ - تقدم تخريجه في رقم (٥)، ورواية: أنه رأى موسى في السماء السابعة، أخرجها البخاري من حديث شريك عن أنس (١٣/٤٨٦ رقم ٧٥١٧) وهو عند مسلم (٢/٢٨٣ رقم ١٦٢) ولكن لم يسرده..
٨ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٥٥٠-٥٥١ رقم ٣٤٤٢ وطرفه في ٣٤٤٣)، ومسلم (١٥/١٧٣-١٧٤ رقم ٣٣٦٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى