فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقاً من غير أب كآدم، ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به على زيادة، وهو كونه لا أمّ له : كما أنه لا أب له، فذلك أمر خارج عن الأمر المراد بالتشبيه، وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه، وأعظم عجباً، وأغرب أسلوباً. وقوله :﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ جملة مفسرة لما أبهم في المثل، أي : أن آدم لم يكن له أب، ولا أم، بل خلقه الله من تراب. وفي ذلك دفع لإنكار من أنكر خلق عيسى من غير أب مع اعترافه بأنّ آدم خلق من غير أب، وأمّ. قوله :﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ أي : كن بشراً، فكان بشراً. وقوله :﴿فَيَكُونُ﴾ حكاية حال ماضية، وقد تقدّم تفسير هذا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث حذيفة : أن العاقب، والسيد أتيا رسول الله ﷺ، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه : لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبياً، فلاعننا لا نفلح أبداً نحن، ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له : نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً، فقال :«قم يا أبا عبيدة» فلما قام قال :«هذا أمين هذه الأمة». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس : أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي ﷺ وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا : ما شأنك تذكر صاحبنا ؟ قال : من هو ؟ قالوا : عيسى تزعم أنه عبد الله، قالوا : فهل رأيت مثل عيسى، وأنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل، فقال : قل لهم إذا أتوك :﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ﴾ إلى آخر الآية. وقد رويت هذه القصة على وجوه، عن جماعة من التابعين.
وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن جابر قال : قدم على النبي ﷺ العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا : أسلمنا يا محمد، فقال :«كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام» قالا فهات. قال :«حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير». قال جابر : فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسول الله ﷺ، وأخذ بيد عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال : والذي بعثني بالحق لو فعلا، لأمطر الوادي عليهما ناراً. قال جابر : فيهم نزلت :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وأبناءكم﴾ الآية. قال جابر :﴿أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ، وعليّ، وأبناءنا الحسن، والحسين، ونساءنا فاطمة. ورواه أيضاً الحاكم، من وجه آخر عن جابر وصححه، وفيه أنهم قالوا للنبي ﷺ : هل لك أن نلاعنك ؟ وأخرج مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص : قال لما نزلت هذه الآية :﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ دعا رسول الله ﷺ علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال :«اللهم هؤلاء أهلي». وأخرج ابن عساكر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا﴾ الآية، قال : فجاء بأبي بكر، وولده، وبعمر، وولده، وبعثمان، وولده، وبعليّ، وولده. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن ابن عباس :﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ نجتهد. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ قال : هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، «وهذا الدعاء»، فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع يديه مدّاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى