إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى﴾ أي شأنَه البديعَ المنتظِمَ لغرابته في سلك الأمثال ﴿عَندَ الله﴾ أي في تقديره وحُكمِه ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أي كحاله العجيبةِ التي لا يرتاب فيها مرتابٌ ولا ينازِعُ فيها منازِع ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ تفسيرٌ لما أُبهم في المَثَل وتفصيلٌ لما أُجمِلَ فيه وتوضيحٌ للتمثيل ببيان وجهِ الشبهِ بينهما وحسمٌ لمادة شُبهة الخصومِ فإن إنكارَ خلقِ عيسى عليه الصلاة والسلام بلا أبٍ - ممن اعترف بخلقِ آدمَ عليه الصلاة والسلام بغير أبٍ وأمٍ - مما لا يكاد يصح، والمعنى خلق قالَبَه من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن﴾ أي أنشأه بَشَراً كما في قوله تعالى :﴿ثم أنشأناه خلقا آخر﴾ [ المؤمنون، الآية ١٤ ] أو قدّر تكوينَه من التراب ثم كوّنه ويجوز كونُ ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي المُخبَرِ به ﴿فَيَكُونُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضية، روي أن وفد نجرانَ قالوا لرسول الله ﷺ : مالك تشتمُ صاحبَنا ؟ قال :« وما أقول ؟ » قالوا : تقول إنه عبدٌ قال :« أجل هو عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى العذراء البتولِ » فغضِبوا وقالوا : هل رأيتَ إنساناً من غير أبٍ ؟ فحيثُ سلَّمتَ أنه لا أبَ له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله فقال عليه الصلاة والسلام :« إن آدمَ عليه الصلاة والسلام ما كان له أبٌ ولا أم ولم يلزم من ذلك كونُه ابناً لله سبحانه وتعالى فكذا حالُ عيسى عليه الصلاة والسلام ».