اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
يجوز في " مَنْ " وجهان :
أحدهما : أن تكونَ شرطية - وهو الظاهرُ - أي : إن حاجَّكَ أحدٌ فقُل له كيت وكيت.
ويجوز أن تكونَ موصولة بمعنى :" الذي " وإنما دخلت الفاءُ في الخبرِ لتضمُّنه معنى الشرطِ [ والمحاجةِ مفاعلة وهي من اثنين، وكانَ الأمرُ كذلِكَ ](١).
" فِيهِ " متعلق ب " حَاجَّكَ " أي : جادلَكَ في شأنِهِ، والهاء فيها وجهان :
أولهما : وهو الأظهرُ - عودُها على عيسى عليه السلامُ.
الثاني : عودها على " الْحَقِّ " ؛ لأنه أقربُ مذكورٍ، والأول أظْهَرُ ؛ لأنَّ عيسى هو المحدَّثُ عنهُ، وهو صاحبُ القصة. قوله :﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ﴾ متعلق ب " حَاجَّكَ " - أيضاً - و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، ففاعل " جَاءََكَ " ضمير يعود عليها، أي : من بعد الذي جاءك هو.
﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ حال من فاعل " جَاءَكَ ".
ويجوز أن تكونَ موصولةً حرفيَّةً، وحينئذٍ يقال : يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعلِ، أو عَوْد الضمير على الحرف ؛ لأن " جَاءَكَ " لا بد له من فاعل، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا " ما " وهي حرفية.
والجوابُ : أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله :﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ و " من " مزيدة - أي : من بعد ما جاءك العلم - وهذا إنما يتخرج على قول الأخفش ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً. و " مِنْ " في قوله :" مِنَ الْعِلْمِ " يحتمل أن تكون تبعيضيَّة - وهو الظاهر - وأن تكون لبيان الجنس. والمراد بالعلم هو أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وليس المراد - هاهنا - بالعلم نفس العلم ؛ لأن العلمَ الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المرادُ بالعلم، ما ذكره من الدلائل العقلية، والدلائل الواصلة إليه بالوحي.
ورد لفظ " الْعِلْم " في القرآن على أربعة [ أضربٍ ] (٢).
الأول : العلم القرآن، قال تعالى :﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].
الثاني : النبي ﷺ قال تعالى :﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧] أي : محمد، لما اختلف فيه أهلُ الكتاب.
الثالث : الكيمياء، قال تعالى - حكاية عن قارون - :﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨].
الرابع : الشرك، قال تعالى :﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] أي من الشرك.
قال ابن الخطيب : لما كنت بخوارزم أخبرتُ أنه جاء نصرانيٌّ يَدَّعِي التحقيق والتعمق في مذهبهم، فذهَبْتُ إليه، وشرعنا في الحديث، فقال : ما الدليل على نُبُوَّةِ محمد ؟ فقلتُ كما نقل إلينا ظهورُ الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء نُقِل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد ﷺ فإن ردَدْنَا التواتُرَ، وقُلْنَا : إن المعجز لا يدل على الصدق فحينئذ بطل نبوة سائر الأنبياءِ - عليهم السلامُ - وإن اعترفنا بصحةِ التواتُرِ، واعترفنا بدلالةِ المُعْجِزِ على الصدقِ، فهُمَا حاصلان في مُحَمَّدٍ ﷺ فوجبَ الاعترافُ قطعاً بنبوةِ مُحَمَّد ﷺ ضرورةَ أن عند الاستواء في الدليل لا بدّ من الاستواء في حصول المدلول. فقال النصرانيُّ : أنا لا أقول في عيسى - إنه كان نبياً بل أقول : إنه كان إلهاً. فقلتُ له : الكلامُ في النبوةِ لا بد وأن يكونَ مسبوقاً بمعرفة الإلهِ وهذا الذي تقولُهُ باطلٌ، ويدلُ عليهِ وجوه :
الأول : أنّ الإله عبارة عن موجودٍ واجب الوجودِ لذاتِهِ - بحيثُ لا يكون جِسماً ولا متحيّزاً ولا عرضاً - وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشريِّ الجسمانيِّ الذي وُجِدَ بعد أنْ كانَ معدوماً، وقُتِلَ - على قولِكُمْ - بعد أن كان حياً، وكان طفلاً - أولاً - ثم صار مُترعرعاً، ثم صار شاباً، ويشربُ ويُحْدِثُ وينامُ ويستيقظ وقد تقرَّرَ في بداهةِ العقولِ أن المحدث لا يكونُ قديماً والمحتاج لا يكون غَنِيًّا، والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائماً.
الثاني : أنكم تعترفون أنَّ اليهودَ قتلوه وأخذوه، وصلبوه، وتركوه حيًّا على الخشبة، وقد مزَّقوا ضِلْعه، وأنه كان يحتال في الهَرَبِ منهم، وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزَعَ الشديدَ. فإن كان إلهاً، أو كان الإله حالاًّ فيه، أو كان جُزءٌ من إله حالاًّ فيه، فلِمَ لَمْ يدفَعْهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأيُّ حاجةٍ إلى إظهار الجَزَع منهم، والاحتيال في الفرار منهم ؟ وبالله إني لأتعجَّب جداً من أن العاقلَ كيف يليق به أن يقولَ هذا القولَ، ويعتقد صحته، وبداهة العقل تكاد أن تشهد بفساده ؟
الثالث : أن يقال : إن الإله إمَّا أن يكونَ هذا الشخصُ الجسمانيُّ المُشَاهَدُ، أو يقال : إن الإله بكليته فيه، أو حل بعضُ الإله فيه. والأقسام الثلاثة باطلة : أما الأول فإن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهودُ كان ذلك قولاً بأن اليهودَ قتلوا إله العالَم، فكيف بَقِيَ العالَم بعد ذلك من غير إلهٍ ؟ ثم إن أشَدَّ الناس ذُلاًّ ودَنَاءَةً اليهودُ، فالإله الذي تقتله اليهودُ إلهٌ في غاية العجز. وأما الثاني :- وهو أن الإله بكليته حَلَّ في هذا الجسم - فهو أيضاً - فاسد ؛ لأن الإله إن لم يكن جسماً ولا عَرَضاً امتنع حُلولُه في الجسم، وإن كان جسماً فحينئذ يكون حلوله في جسم آخرَ، عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرُّق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحلّ، وحينئذ يكون الإله محتاجاً إلى غيره، وكل ذلك سخفٌ.
وأما الثالثة : وهو أنهُ حَلَّ فيه بعضٌ من أبعاض الإله وجزء من أجزائه، وذلك - أيضاً - محالٌ ؛ لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلهاً. وإن كان معتبراً في تحقق الإلهية لم يكن جُزْءاً من إله فثبت فسادُ هذه الأقسام.
الوجه الرابعُ - في بطلان قول النصارى - ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله - تعالى - ولو كان إلهاً لاستحال ذلك ؛ لأن الإله لا يَعْبُدُ نفسه، ثم قلت للنصراني : ما الذي دَلّكَ على كونِهِ إلهاً ؟ فقال دلَّ عليه ظهورُ العجائبِ عليه من إحياء الموتى وإبْراءِ الأكمهِ والأبرصِ وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرةِ الإله - تعالى - فقلتُ لَهُ : تسلم أنَّه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، أم لا ؟ فإنْ لَمْ تُسَلِّمْ لزمك مِنْ نفي العالمِ في الأزلِ نفي الصانع وإن سَلَّمْتَ أنَّهُ لا يلزمُ من عدم الدليل عدم المدلول فأقول : لَمَّا جوَّزْتَ حُلُولَ الإلَهِ في بَدَنٍ عيسى عليه السلام فكيف عَرَفْتَ أنَّ الإلهَ ما حل في بَدَنِي وفي بدنِكَ، وفي بَدَنِ كلِّ حيوانٍ، ونباتٍ وجمادٍ ؟ فقال : الفرقُ ظاهرٌ ؛ وذلك أني إنما حكمت بذلك الحلول ؛ لأنَّه ظهرتْ تلك الأفعال العجيبةُ عليه، والأفعال العجيبةُ ما ظهرتْ على يديَّ وعلى يديْكَ، فعلمنا أنَّ ذلكَ الحلولَ - هاهنا - مفقودٌ، فقلتُ له : تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي : إنه لا يلزمُ من عدمِ الدليلِ عدمُ المدلول، وذلك أنَّ ظهورَ تلك الخوارقِ دالة على حلول الإله في بدن عيسى، فعدم ظهور الخوارقِ مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل فإذا تبيَّنَّا أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك، بل في حقّ الكلب والسِّنَّوْر والفأر، ثم قلت : إن مذهباً يؤدي إلى تجويز القول بحلول ذات الله في بدن الكلبِ والذبابِ لفي غاية الخِسَّةِ والرَّكاكة.
الوجه الخامس : أن قَلْبَ العصا حَيَّةً أبعد في العقل من إعادة الميت حيًّا ؛ لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبانِ، فإذا لم يوجب قلب العصا حيةً كوْن موسى إلهاً، ولا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياءُ الموتَى على الإلهية كان أولَى.
قوله :﴿تَعَالَوْاْ﴾ العامة على فَتْح اللام(٣) ؛ لأنه أمر من تعالَى يَتَعالَى - كترامى يترامى - وأصل ألفِهِ ياء وأصل هذه [ الياء ] واو ؛ وذلك أنه مشتقٌّ من العُلُوّ - وهو الارتفاع كما سيأتي بيانه في الاشتقاق - والواو متى وقعت رابعةً فصاعداً قُلبت ياءً فصار " تَعَالَوا " تَعَالَي، فتحرك حرفُ العلَّة، وانفتح ما قبله، فقُلِبت ألفاً فصار " تَعَالَى " - كترامى وتعادى - فإذا أمرت منه الواحد، قلتَ : تعالَ يا زيد - بحذف الألف - وكذا إذا أمرت الجمع المذكر قلت : تعَالَوْا ؛ لأنك لما حَذَفْتَ الألف لأجل الأمر أبقيتَ الفتحة مشعرة بها. وإن شئت قلتَ : الأصل : تعالَيُوا، وأصل هذه الياء واو - كما تقدم - ثم استُثْقِلَت الضمة على الياء، فحُذِفت ضمتُها، فالتقى ساكنان، فحذف أوَّلُهما - وهو الياء - لالتقاء الساكنين ونزلت الفتحةُ على حالها.
وإن شئت قلت : لما كان الأصل تعالَيُوا تحرك حرفُ العِلَّةِ، وانفتح ما قبله - وهو الياءُ - فقلب ألفاً، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - وهو الألف - وبقيت الفتحة دالةٌ عليه.
والفرق بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف - في الوجه الأول - حُذِفَت لأجل الأمر - وإن لم تتصل به واو ضمير، وفي هذا حُذِفَتْ لالتقائها مع واو الضمير.
وكذلك إذا أمرت الواحدة تقول لها : تعالَي، فهذه الياء، هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر، والتصريف كما تقدم، إلا أنك تقول هنا : الكسرة على الياء بدل الضمة هناك. وأما إذا أمرت المثنى فإن الياء تثبت فتقول : يا زيدان تعالَيَا، ويا هندان تعالَيَا - أيضاً يستوي فيه المذكران والمؤنثان - وكذلك أمر جماعة الإناث تثبت فيه الياء تقول : يا نسوة تعالَيْنَ، قال تعالى :﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] ؛ إذْ لا مقتضي للحذف، ولا للقلب ؛ وهو ظاهرٌ بما تمهد من القواعد.
وقرأ الحسن وأبو السَّمَّال وأبو واقد(٤) : تَعَالُوا - بضم اللام - ووجهوها على أن الأصل : تعالَيُوا - كما تقدم فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فنُقِلت إلى اللام - بعد سلب حركتها - فبقي تعالُوا - بضم اللام.
قال الزمخشريُّ في سورة النساء : وعلى هذه القراءة قال الحَمدَانِيّ :[ الطويل ]
. . . *** تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الْهُمُومَ تَعَالِي(٥)
بكسر اللام - وقد غاب بعضُ الناس عليه في استشهاده بشعر هذا المولَّد المتأخِّر وليس بعيْبٍ ؛ فإنه ذكره استئناساً.
وهذا كما تقدم في أول البقرة - عندما أنشد لحبيب :[ الطويل ]
واعتذر هو عن ذلك فكيف يعاب عليه بشيء عَرَفَهُ، ونَبَّه عليه، واعتذر عنه ؟
والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسَوُا الحرفَ المحذوف، حتى كأنهم توهَّمُوا أن الكلمةَ بنيت على ذلك، وأنّ اللام هي الآخِر في الحقيقة، فلذلك عُومِلَتْ معاملةَ الآخِر حقيقةً، فضُمَّتْ قبل واو الضمير وكُسِرَت قبل يائه، ويدل على ما قلناه أنهم قالوا :- في لم أبَلْه - : إن الأصل : أبالي ؛ لأنه مضارع " بالَى " فلما دَخَلَ الجازمُ حذفوا له حرفَ العلةِ - على القا
أحدهما : أن تكونَ شرطية - وهو الظاهرُ - أي : إن حاجَّكَ أحدٌ فقُل له كيت وكيت.
ويجوز أن تكونَ موصولة بمعنى :" الذي " وإنما دخلت الفاءُ في الخبرِ لتضمُّنه معنى الشرطِ [ والمحاجةِ مفاعلة وهي من اثنين، وكانَ الأمرُ كذلِكَ ](١).
" فِيهِ " متعلق ب " حَاجَّكَ " أي : جادلَكَ في شأنِهِ، والهاء فيها وجهان :
أولهما : وهو الأظهرُ - عودُها على عيسى عليه السلامُ.
الثاني : عودها على " الْحَقِّ " ؛ لأنه أقربُ مذكورٍ، والأول أظْهَرُ ؛ لأنَّ عيسى هو المحدَّثُ عنهُ، وهو صاحبُ القصة. قوله :﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ﴾ متعلق ب " حَاجَّكَ " - أيضاً - و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، ففاعل " جَاءََكَ " ضمير يعود عليها، أي : من بعد الذي جاءك هو.
﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ حال من فاعل " جَاءَكَ ".
ويجوز أن تكونَ موصولةً حرفيَّةً، وحينئذٍ يقال : يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعلِ، أو عَوْد الضمير على الحرف ؛ لأن " جَاءَكَ " لا بد له من فاعل، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا " ما " وهي حرفية.
والجوابُ : أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله :﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ و " من " مزيدة - أي : من بعد ما جاءك العلم - وهذا إنما يتخرج على قول الأخفش ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً. و " مِنْ " في قوله :" مِنَ الْعِلْمِ " يحتمل أن تكون تبعيضيَّة - وهو الظاهر - وأن تكون لبيان الجنس. والمراد بالعلم هو أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وليس المراد - هاهنا - بالعلم نفس العلم ؛ لأن العلمَ الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المرادُ بالعلم، ما ذكره من الدلائل العقلية، والدلائل الواصلة إليه بالوحي.
فصل
ورد لفظ " الْعِلْم " في القرآن على أربعة [ أضربٍ ] (٢).
الأول : العلم القرآن، قال تعالى :﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].
الثاني : النبي ﷺ قال تعالى :﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧] أي : محمد، لما اختلف فيه أهلُ الكتاب.
الثالث : الكيمياء، قال تعالى - حكاية عن قارون - :﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨].
الرابع : الشرك، قال تعالى :﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] أي من الشرك.
فصل
قال ابن الخطيب : لما كنت بخوارزم أخبرتُ أنه جاء نصرانيٌّ يَدَّعِي التحقيق والتعمق في مذهبهم، فذهَبْتُ إليه، وشرعنا في الحديث، فقال : ما الدليل على نُبُوَّةِ محمد ؟ فقلتُ كما نقل إلينا ظهورُ الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء نُقِل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد ﷺ فإن ردَدْنَا التواتُرَ، وقُلْنَا : إن المعجز لا يدل على الصدق فحينئذ بطل نبوة سائر الأنبياءِ - عليهم السلامُ - وإن اعترفنا بصحةِ التواتُرِ، واعترفنا بدلالةِ المُعْجِزِ على الصدقِ، فهُمَا حاصلان في مُحَمَّدٍ ﷺ فوجبَ الاعترافُ قطعاً بنبوةِ مُحَمَّد ﷺ ضرورةَ أن عند الاستواء في الدليل لا بدّ من الاستواء في حصول المدلول. فقال النصرانيُّ : أنا لا أقول في عيسى - إنه كان نبياً بل أقول : إنه كان إلهاً. فقلتُ له : الكلامُ في النبوةِ لا بد وأن يكونَ مسبوقاً بمعرفة الإلهِ وهذا الذي تقولُهُ باطلٌ، ويدلُ عليهِ وجوه :
الأول : أنّ الإله عبارة عن موجودٍ واجب الوجودِ لذاتِهِ - بحيثُ لا يكون جِسماً ولا متحيّزاً ولا عرضاً - وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشريِّ الجسمانيِّ الذي وُجِدَ بعد أنْ كانَ معدوماً، وقُتِلَ - على قولِكُمْ - بعد أن كان حياً، وكان طفلاً - أولاً - ثم صار مُترعرعاً، ثم صار شاباً، ويشربُ ويُحْدِثُ وينامُ ويستيقظ وقد تقرَّرَ في بداهةِ العقولِ أن المحدث لا يكونُ قديماً والمحتاج لا يكون غَنِيًّا، والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائماً.
الثاني : أنكم تعترفون أنَّ اليهودَ قتلوه وأخذوه، وصلبوه، وتركوه حيًّا على الخشبة، وقد مزَّقوا ضِلْعه، وأنه كان يحتال في الهَرَبِ منهم، وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزَعَ الشديدَ. فإن كان إلهاً، أو كان الإله حالاًّ فيه، أو كان جُزءٌ من إله حالاًّ فيه، فلِمَ لَمْ يدفَعْهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأيُّ حاجةٍ إلى إظهار الجَزَع منهم، والاحتيال في الفرار منهم ؟ وبالله إني لأتعجَّب جداً من أن العاقلَ كيف يليق به أن يقولَ هذا القولَ، ويعتقد صحته، وبداهة العقل تكاد أن تشهد بفساده ؟
الثالث : أن يقال : إن الإله إمَّا أن يكونَ هذا الشخصُ الجسمانيُّ المُشَاهَدُ، أو يقال : إن الإله بكليته فيه، أو حل بعضُ الإله فيه. والأقسام الثلاثة باطلة : أما الأول فإن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهودُ كان ذلك قولاً بأن اليهودَ قتلوا إله العالَم، فكيف بَقِيَ العالَم بعد ذلك من غير إلهٍ ؟ ثم إن أشَدَّ الناس ذُلاًّ ودَنَاءَةً اليهودُ، فالإله الذي تقتله اليهودُ إلهٌ في غاية العجز. وأما الثاني :- وهو أن الإله بكليته حَلَّ في هذا الجسم - فهو أيضاً - فاسد ؛ لأن الإله إن لم يكن جسماً ولا عَرَضاً امتنع حُلولُه في الجسم، وإن كان جسماً فحينئذ يكون حلوله في جسم آخرَ، عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرُّق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحلّ، وحينئذ يكون الإله محتاجاً إلى غيره، وكل ذلك سخفٌ.
وأما الثالثة : وهو أنهُ حَلَّ فيه بعضٌ من أبعاض الإله وجزء من أجزائه، وذلك - أيضاً - محالٌ ؛ لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلهاً. وإن كان معتبراً في تحقق الإلهية لم يكن جُزْءاً من إله فثبت فسادُ هذه الأقسام.
الوجه الرابعُ - في بطلان قول النصارى - ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله - تعالى - ولو كان إلهاً لاستحال ذلك ؛ لأن الإله لا يَعْبُدُ نفسه، ثم قلت للنصراني : ما الذي دَلّكَ على كونِهِ إلهاً ؟ فقال دلَّ عليه ظهورُ العجائبِ عليه من إحياء الموتى وإبْراءِ الأكمهِ والأبرصِ وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرةِ الإله - تعالى - فقلتُ لَهُ : تسلم أنَّه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، أم لا ؟ فإنْ لَمْ تُسَلِّمْ لزمك مِنْ نفي العالمِ في الأزلِ نفي الصانع وإن سَلَّمْتَ أنَّهُ لا يلزمُ من عدم الدليل عدم المدلول فأقول : لَمَّا جوَّزْتَ حُلُولَ الإلَهِ في بَدَنٍ عيسى عليه السلام فكيف عَرَفْتَ أنَّ الإلهَ ما حل في بَدَنِي وفي بدنِكَ، وفي بَدَنِ كلِّ حيوانٍ، ونباتٍ وجمادٍ ؟ فقال : الفرقُ ظاهرٌ ؛ وذلك أني إنما حكمت بذلك الحلول ؛ لأنَّه ظهرتْ تلك الأفعال العجيبةُ عليه، والأفعال العجيبةُ ما ظهرتْ على يديَّ وعلى يديْكَ، فعلمنا أنَّ ذلكَ الحلولَ - هاهنا - مفقودٌ، فقلتُ له : تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي : إنه لا يلزمُ من عدمِ الدليلِ عدمُ المدلول، وذلك أنَّ ظهورَ تلك الخوارقِ دالة على حلول الإله في بدن عيسى، فعدم ظهور الخوارقِ مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل فإذا تبيَّنَّا أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك، بل في حقّ الكلب والسِّنَّوْر والفأر، ثم قلت : إن مذهباً يؤدي إلى تجويز القول بحلول ذات الله في بدن الكلبِ والذبابِ لفي غاية الخِسَّةِ والرَّكاكة.
الوجه الخامس : أن قَلْبَ العصا حَيَّةً أبعد في العقل من إعادة الميت حيًّا ؛ لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبانِ، فإذا لم يوجب قلب العصا حيةً كوْن موسى إلهاً، ولا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياءُ الموتَى على الإلهية كان أولَى.
قوله :﴿تَعَالَوْاْ﴾ العامة على فَتْح اللام(٣) ؛ لأنه أمر من تعالَى يَتَعالَى - كترامى يترامى - وأصل ألفِهِ ياء وأصل هذه [ الياء ] واو ؛ وذلك أنه مشتقٌّ من العُلُوّ - وهو الارتفاع كما سيأتي بيانه في الاشتقاق - والواو متى وقعت رابعةً فصاعداً قُلبت ياءً فصار " تَعَالَوا " تَعَالَي، فتحرك حرفُ العلَّة، وانفتح ما قبله، فقُلِبت ألفاً فصار " تَعَالَى " - كترامى وتعادى - فإذا أمرت منه الواحد، قلتَ : تعالَ يا زيد - بحذف الألف - وكذا إذا أمرت الجمع المذكر قلت : تعَالَوْا ؛ لأنك لما حَذَفْتَ الألف لأجل الأمر أبقيتَ الفتحة مشعرة بها. وإن شئت قلتَ : الأصل : تعالَيُوا، وأصل هذه الياء واو - كما تقدم - ثم استُثْقِلَت الضمة على الياء، فحُذِفت ضمتُها، فالتقى ساكنان، فحذف أوَّلُهما - وهو الياء - لالتقاء الساكنين ونزلت الفتحةُ على حالها.
وإن شئت قلت : لما كان الأصل تعالَيُوا تحرك حرفُ العِلَّةِ، وانفتح ما قبله - وهو الياءُ - فقلب ألفاً، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - وهو الألف - وبقيت الفتحة دالةٌ عليه.
والفرق بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف - في الوجه الأول - حُذِفَت لأجل الأمر - وإن لم تتصل به واو ضمير، وفي هذا حُذِفَتْ لالتقائها مع واو الضمير.
وكذلك إذا أمرت الواحدة تقول لها : تعالَي، فهذه الياء، هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر، والتصريف كما تقدم، إلا أنك تقول هنا : الكسرة على الياء بدل الضمة هناك. وأما إذا أمرت المثنى فإن الياء تثبت فتقول : يا زيدان تعالَيَا، ويا هندان تعالَيَا - أيضاً يستوي فيه المذكران والمؤنثان - وكذلك أمر جماعة الإناث تثبت فيه الياء تقول : يا نسوة تعالَيْنَ، قال تعالى :﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] ؛ إذْ لا مقتضي للحذف، ولا للقلب ؛ وهو ظاهرٌ بما تمهد من القواعد.
وقرأ الحسن وأبو السَّمَّال وأبو واقد(٤) : تَعَالُوا - بضم اللام - ووجهوها على أن الأصل : تعالَيُوا - كما تقدم فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فنُقِلت إلى اللام - بعد سلب حركتها - فبقي تعالُوا - بضم اللام.
قال الزمخشريُّ في سورة النساء : وعلى هذه القراءة قال الحَمدَانِيّ :[ الطويل ]
. . . *** تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الْهُمُومَ تَعَالِي(٥)
بكسر اللام - وقد غاب بعضُ الناس عليه في استشهاده بشعر هذا المولَّد المتأخِّر وليس بعيْبٍ ؛ فإنه ذكره استئناساً.
وهذا كما تقدم في أول البقرة - عندما أنشد لحبيب :[ الطويل ]
| هُمَا أظْلَمَا حَالَيَّ ثُمَّتَ أجْلَيَا | ظَلاَمَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أمْرَدَ أشْيَبِ(٦) |
والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسَوُا الحرفَ المحذوف، حتى كأنهم توهَّمُوا أن الكلمةَ بنيت على ذلك، وأنّ اللام هي الآخِر في الحقيقة، فلذلك عُومِلَتْ معاملةَ الآخِر حقيقةً، فضُمَّتْ قبل واو الضمير وكُسِرَت قبل يائه، ويدل على ما قلناه أنهم قالوا :- في لم أبَلْه - : إن الأصل : أبالي ؛ لأنه مضارع " بالَى " فلما دَخَلَ الجازمُ حذفوا له حرفَ العلةِ - على القا
١ سقط في ب..
٢ في أ: معان..
٣ في ب: الكلمة..
٤ ينظر: الشواذ ٢١، والبحر المحيط ٢/٥٠٢، والدر المصون ٢/١٢١..
٥ عجز بيت وصدره:
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ***...
ينظر ديوانه (٣٢٥) وشذور الذهب ص ٢٣ والكشاف ١/٥٣٦ وحاشية السجاعي على القطر ص ١٧ والدر المصون ٢/١٢١..
٦ تقدم برقم ٢٦٥..
٢ في أ: معان..
٣ في ب: الكلمة..
٤ ينظر: الشواذ ٢١، والبحر المحيط ٢/٥٠٢، والدر المصون ٢/١٢١..
٥ عجز بيت وصدره:
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ***...
ينظر ديوانه (٣٢٥) وشذور الذهب ص ٢٣ والكشاف ١/٥٣٦ وحاشية السجاعي على القطر ص ١٧ والدر المصون ٢/١٢١..
٦ تقدم برقم ٢٦٥..