البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الابتهال : قوله بهلة الله على الكاذب، والبهلة بالفتح والضم : اللعنة، ويقال بهله الله : لعنه وأبعده، من قولك أبهله إذا أهمله، وناقة باهلة لا ضرار عليها، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن التعاناً.
وقال لبيد :
من قروم سادة من قومهمنظر الدهر إليهم فابتهل
﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾ أي : من نازعك وجادلك، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين، وكان الأمر كذلك بينه ﷺ وبين وفد نجران.
والضمير في : فيه، عائد على عيسى، لأن المنازعة كانت فيه، ولأن تصدير الآية السابقة في قوله :﴿إن مثل عيسى﴾ وما بعده جاء من تمام أمره، وقيل : يعود على الحق، وظاهر من العموم في كل من يحاجّ في أمر عيسى.
وقيل : المراد وفد نجران.
و : من، يصح أن تكون موصولة، ويصح أن تكون شرطية، و : العلم هنا : الوحي الذي جاء به جبريل، وقيل : الآيات المتقدّمة في أمر عيسى، الموجبة للعمل.
و : ما، في : ما جاءك، موصولة بمعنى : الذي، وفي : جاءك، ضمير الفاعل يعود عليها.
و : من العلم، متعلق بمحذوف في موضع الحال، أي : كائناً من العلم.
وتكون : من، تبعيضية.
ويجوز أن تكون لبيان الجنس على مذهب من يرى ذلك، قال بعضهم، ويخرج على قول الأخفشض : أن تكون : ما، مصدرية، و : من، زائدة، والتقدير : من بعد مجيء العلم إياك.
﴿فقل تعالوا﴾ قرأ الجمهور بفتح اللام وهو الأصل والقياس، إذا التقدير تفاعل، وألفة منقلبة عن ياء وأصلها واو، فإذا أمرت الواحد قلت : تعال، كما تقول : إخشَ واسعَ.
وقرأ الحسن، وأبو واقد، وأبو السمال : بضم اللام، ووجههم أن أصله : تعاليوا، كما تقول : تجادلوا، نقل الضمة من الياء إلى اللام بعد حذف فتحتها، فبقيت الياء ساكنة وواو الضمير ساكنة فحذفت الياء لإلتقاء الساكنين، وهذا تعليل شذوذ.
﴿ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ أي : يدعُ كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة.
وظاهر هذا أن الدعاء والمباهلة بين المخاطب : بقل : وبين من حاجه، وفسر على هذا الوجه : الأبناء بالحسن والحسين، و : بنسائه : فاطمة، و : الأنفس بعليّ.
قال الشعبي : ويدل على أن ذلك مختص بالنبي ﷺ مع حاجه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، قال :« لما نزلت هذه الآية :﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ دعا رسول الله ﷺ : فاطمة وحسناً وحسيناً، فقال :» اللهم هؤلاء أهلي «
وقال قوم : المباهلة كانت عليه وعلى المسلمين، بدليل ظاهر قوله ندع أبناءنا وأبناءكم على الجمع، ولما دعاهم دعا بأهله الذين في حوزته، ولو عزم نصارى نجران على المباهلة وجاؤا لها، لأمر النبي ﷺ المسلمين أن يخرجوا بأهاليهم لمباهلته.
وقيل : المراد : بأنفسنا، الإخوان، قاله ابن قتيبة.
قال تعالى :﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ أي : إخوانكم.
وقيل : أهل دينه، قاله أبو سليمان الدمشقي.
وقيل : الأزواج، وقيل : أراد القرابة القريبة، ذكرهما عليّ بن أحمد النيسابوري.
﴿ثم نبتهل﴾ أي : ندع بالالتعان.
وقيل : نتضرّع إلى الله، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل : نخلص في الدعاء.
وقال الكلبي : نجهد في الدعاء.
وقيل : نتداعى بالهلاك.
﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ أي : يقول كل منا : لعن الله الكاذب منا في أمر عيسى، وفي هذا دليل على جواز اللعن لمن أقام على كفره، وقد لعن ﷺ اليهود.
قال أبو بكر الرازي : وفي الآية دليل على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله ﷺ.
وقال أبو أحمد بن علان : كانا إذ ذاك مكلفين، لأن المباهلة عنده لا تصح إلاَّ من مكلف.
وقد طوّل المفسرون بما رووا في قصة المباهلة، ومضمونها أنه دعاهم إلى المباهلة، وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إلى الميعاد، وأنهم كفوا عن ذلك، ورضوا بالإقامة على دينهم وأن يؤدّوا الجزية، وأخبرهم أحبارهم أنهم إن باهلوا عذبوا، وأخبر هو ﷺ أنهم إن باهلوا عذبوا، وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوّته شاهد عظيم على صحة نبوّته.
قال الزمخشري : فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاَّ لتبيين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟.
قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.
وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل، وألصقهم بالقلوب.
وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق، وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدّمون على الأنفس يفدون بها، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوّة النبي ﷺ، لأنه لم ير واحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
انتهى كلامه.
وقال ابن عطية : وما رواه الرواة من أنهم تركوا الملاعنة لعلمهم بنبوّته أحج لنا على سائر الكفرة، وأليق بحال محمد ﷺ، ودعاء النساء والأبناء للملاعنة أهز للنفوس وأدعى لرحمة الله أو لغضبه على المبطلين، وظاهر الأمر أن النبي ﷺ جاءهم بما يخصه، ولو عزموا استدعى المؤمنين بأبنائهم ونسائهم، ويحتمل أنه كان يكتفي بنفسه وخاصته فقط. انتهى.
وفي الآية دليل على المظاهرة بطريق الإعجاز على من يدعي الباطل بعد وضوح البرهان بطريق القياس، ومن أغرب الاستدلال ما استدلّ به من الآية محمد بن عليّ الحمصي.
وكان متكلماً على طريق الاثني عشرية.
على : أن علينا أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد ﷺ.
قال : وذلك أن قوله تعالى :﴿وأنفسنا وأنفسكم﴾ ليس المراد نفس محمد ﷺ، لأن الإنسان لا يدعو نفسه، بل المراد غيره.
وأجمعوا على أن الذي هو غيره : عليّ، فدلت الآية على أن نفسه نفس الرسول، ولا يمكن أن يكون عينها، فالمراد مثلها، وذلك يقتضي العموم إلاَّ أنه ترك في حق النبوّة الفضل لقيام الدليل ودل الإجماع على أنه كان ﷺ أفضل من سائر الأنبياء، فلزم أن يكون عليّ كذلك.
قال : ويؤكد ذلك الحديث المنقول عنه من الموافق والمخالف :« من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في حلمه، وموسى في قومه، وعيسى في صفوته فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب »
فيدل ذلك على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم.
قال : وذلك يدل على أنه أفضل من جميع الأنبياء والصحابة.
وأجاب الرازي : بأن الإجماع منعقد على أن النبي ﷺ أفضل ممن ليس بنبي، وعليّ لم يكن نبياً، فلزم القطع بأنه مخصوص في حق جميع الأنبياء.
وقال الرازي : استدلال الحمصي فاسد من وجوه.
منها قوله : إن الإنسان لا يدعو نفسه بل يجوز للإنسان أن يدعو نفسه، تقول العرب : دعوت نفسي إلى كذا فلم تجبني، وهذا يسميه أبو علي بالتجريد.
ومنها قوله : وأجمعوا على أن الذي هو غيره هو عليّ، ليس بصحيح، بدليل الأقوال التي سيقت في المعنى بقوله : وأنفسنا.
ومنها قوله : فيكون نفسه مثل نفسه، ولا يلزم من المماثلة أن تكون في جميع الأشياء، بل تكفي المماثلة في شيء مّا، هذا الذي عليه أهل اللغة، لا الذي يقوله المتكلمون : من أن المماثلة تكون في جميع صفات النفس، هذا اصطلاح منهم لا لغة.
فعلى هذا تكفي المماثلة في صفة واحدة، وهي كونه من بني هاشم، والعرب تقول : هذا من أنفسنا، أي : من قبيلتنا.
وأما الحديث الذي استدل به فموضوع لا أصل له.
وهذه النزغة التي ذهب إليها هذا الحمصي من كون علي أفضل من الأنبياء عليهم السلام سوى محمد ﷺ، وتلقفها بعض من ينتحل كلام الصوفية، ووسع المجال فيها، فزعم أن الولي أفضل من النبي، ولم يقصر ذلك على وليّ واحد، كما قصر ذلك الحمصي، بل زعم : أن رتبة الولاية التي لا نبوة معها أفضل من رتبة النبوة.
قال : لأن الولي يأخذ عن الله بغير واسطة، والنبي يأخذ عن الله بواسطة ومن أخذ بلا واسطة أفضل ممن أخذ بواسطة.
وهذه المقالة مخالفة لمقالات أهل الإسلام.
نعوذ بالله من ذلك، ولا أحد أكذب ممن يدعي أن الولي يأخذ عن الله بغير واسطة، لقد يقشعرّ المؤمن من سماع هذا الافتراء وحكى لي من لا أتهمه عن بعض المنتمين، إلى أنه من أهل الصلاح، أنه رؤي في يده كتاب ينظر فيه، فسئل عنه.
فقال : فيه ما أخذته عن رسول الله، وفيه ما أخذته عن الله شفاهاً، أو شافهني به، الشك من السامع.
فانظر إلى جراءة هذا الكاذب على الله حيث ادعى مقام من كلمة الله : كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء ؟
قيل : وفي هذه الآية ضروب من البلاغة : منها إسناد الفعل إلى غير فاعله، وهو :﴿إذ قال الله يا عيسى﴾ والله لم يشافهه بذلك، بل بإخبار جبريل أو غيره من الملائكة.
والاستعارة في :﴿متوفيك﴾ وفي :﴿فوق الذين كفروا﴾ والتفصيل لما أجمل في :﴿إليّ مرجعكم فأحكم﴾ بقوله : فأما، وأمّا، والزيادة لزيادة المعنى في ﴿من ناصرين﴾ أو : المثل في قوله ﴿إن مثل عيسى﴾.
والتجوز بوضع المضارع موضع الماضي في قوله ﴿نتلوه﴾ وفي ﴿فيكون﴾ وبالجمع بين أداتي تشبيه على قول في ﴿كمثل آدم﴾ وبالتجوز بتسمية الشيء باسم أصله في ﴿خلقه من تراب﴾.
وخطاب العين، والمراد به غيره، في ﴿فلا تكن من الممترين﴾.
والعام يراد به الخاص في ﴿ندع أبناءنا﴾ الآية والتجوز بإقامة ابن العم مقام النفس على أشهر الأقوال، والحذف في مواضع كثيرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى