فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ هذا وإن كان عاماً، فالمراد به الخاص، وهم النصارى الذين وفدوا إليه ﷺ من نجران، كما سيأتي بيانه، ويمكن أن يقال هو على عمومه، وإن كان السبب خاصاً، فيدل على جواز المباهلة منه ﷺ لكل من حاجه في عيسى عليه السلام، وأمته أسوته، وضمير ﴿فيه﴾ لعيسى ؛ والمراد بمجيء العلم هنا : مجيء سببه، وهو : الآيات البينات، والمحاجة : المخاصمة، والمجادلة. وقوله :﴿تَعَالَوْا﴾ أي : هلموا، وأقبلوا، وأصله الطلب لإقبال الذوات، ويستعمل في الرأي إذا كان المخاطب حاضراً، كما تقول لمن هو حاضر عندك : تعال ننظر في هذا الأمر. قوله :﴿نَدْعُ أَبْنَاءنَا﴾ الخ اكتفى بذكر البنين عن البنات، إما لدخولهن في النساء، أو لكونهم الذين يحضرون. مواقف الخصام دونهن، ومعنى الآية : ليدع كل منا ومنكم أبناءه، ونساءه، ونفسه إلى المباهلة. وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه ﷺ أراد بالأبناء الحسنين، كما سيأتي. قوله :﴿نَبْتَهِلْ﴾ أصل الابتهال : الاجتهاد في الدعاء باللعن، وغيره، يقال بهله الله، أي : لعنه، والبهل : اللعن. قال أبو عبيد، والكسائي : نبتهل نلتعن، ويطلق على الاجتهاد في الهلاك، ومنه قول لبيد :
أي : فاجتهد في هلاكهم. قال في الكشاف : ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن التعانا.
قوله :﴿فَنَجْعَل لعنَتُ الله عَلَى الكاذبين﴾ عطف على نبتهل مبين لمعناه ﴿إِنَّ هَذَا﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث حذيفة : أن العاقب، والسيد أتيا رسول الله ﷺ، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه : لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبياً، فلاعننا لا نفلح أبداً نحن، ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له : نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً، فقال :«قم يا أبا عبيدة» فلما قام قال :«هذا أمين هذه الأمة». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس : أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي ﷺ وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا : ما شأنك تذكر صاحبنا ؟ قال : من هو ؟ قالوا : عيسى تزعم أنه عبد الله، قالوا : فهل رأيت مثل عيسى، وأنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل، فقال : قل لهم إذا أتوك :﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ﴾ إلى آخر الآية. وقد رويت هذه القصة على وجوه، عن جماعة من التابعين.
وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن جابر قال : قدم على النبي ﷺ العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا : أسلمنا يا محمد، فقال :«كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام» قالا فهات. قال :«حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير». قال جابر : فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسول الله ﷺ، وأخذ بيد عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال : والذي بعثني بالحق لو فعلا، لأمطر الوادي عليهما ناراً. قال جابر : فيهم نزلت :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وأبناءكم﴾ الآية. قال جابر :﴿أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ، وعليّ، وأبناءنا الحسن، والحسين، ونساءنا فاطمة. ورواه أيضاً الحاكم، من وجه آخر عن جابر وصححه، وفيه أنهم قالوا للنبي ﷺ : هل لك أن نلاعنك ؟ وأخرج مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص : قال لما نزلت هذه الآية :﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ دعا رسول الله ﷺ علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال :«اللهم هؤلاء أهلي». وأخرج ابن عساكر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا﴾ الآية، قال : فجاء بأبي بكر، وولده، وبعمر، وولده، وبعثمان، وولده، وبعليّ، وولده. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن ابن عباس :﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ نجتهد. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ قال : هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، «وهذا الدعاء»، فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع يديه مدّاً.
| فِي كُهُول سَادَةٍ مِنْ قَوْمِه | نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيهم فابْتَهَلْ |
قوله :﴿فَنَجْعَل لعنَتُ الله عَلَى الكاذبين﴾ عطف على نبتهل مبين لمعناه ﴿إِنَّ هَذَا﴾.
وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن جابر قال : قدم على النبي ﷺ العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا : أسلمنا يا محمد، فقال :«كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام» قالا فهات. قال :«حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير». قال جابر : فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسول الله ﷺ، وأخذ بيد عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال : والذي بعثني بالحق لو فعلا، لأمطر الوادي عليهما ناراً. قال جابر : فيهم نزلت :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وأبناءكم﴾ الآية. قال جابر :﴿أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ، وعليّ، وأبناءنا الحسن، والحسين، ونساءنا فاطمة. ورواه أيضاً الحاكم، من وجه آخر عن جابر وصححه، وفيه أنهم قالوا للنبي ﷺ : هل لك أن نلاعنك ؟ وأخرج مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص : قال لما نزلت هذه الآية :﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ دعا رسول الله ﷺ علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال :«اللهم هؤلاء أهلي». وأخرج ابن عساكر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا﴾ الآية، قال : فجاء بأبي بكر، وولده، وبعمر، وولده، وبعثمان، وولده، وبعليّ، وولده. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن ابن عباس :﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ نجتهد. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ قال : هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، «وهذا الدعاء»، فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع يديه مدّاً.