الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ " هو " فصلاً، والقصصُ خبر " إنَّ "، و " الحقُّ " صفتُهُ، ويجوزُ أنْ يكون " هو " مبتدأ
و " القَصَصُ " خبرَه، والجملةُ خبرَ " إنَّ "، والإِشارةُ بهذا إلى ما تقدَّم ذكرُه من أخبارِ عيسى عليه السلام، وقيل : بل هو إشارةٌ لِما بعدَه وهو قولُه :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾. وضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدُهما : أنَّ هذا ليس بقصص، والثاني : أنه مقترنٌ بحرفِ العطفِ، وقد اعتذر بعضهم عن الأول فقال : إنْ أراد بالقصص الخبرَ فَيَصِحُّ على هذا، ويكون التقدير : إنَّ الخبر الحق أنه ما من إله إلا الله، ولكن الاعتراض الثاني باقٍ لم يُجَبْ عنه.
والقَصَصُ : مصدرُ قولهم : قَصَّ فلان الحديثَ يَقُصَّه قَصَّاً وقَصَصَاً. وأصلُه : تتبُّعُ الأثرِ، يقال :" فلان خَرَجَ يَقُصُّ أثرَ فلان " أي : يَتْبعه ليعرفَ أين ذَهَبَ ؟ ومنه قولُه تعالى :﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي : اتِّبعي أثره وكذلك القاصُّ في الكلام لأنه يتتَّبع خبراً بعد خبر. وقد تقدَّم التنبيه على قراءتَيْ :" لَهْو " بسكون الهاء وضمِّها، إجراءً له مُجْرَى عَضُد.
قال الزمخشري :" فإنْ قلت لِمَ جاز دخول اللام على الفصل ؟ قلت : إذا جاز دخولها على الخبر فدخولُها على الفصلِ أجوزُ، لأنها أقربُ إلى المبتدأ منه، وأصلُها أَنْ تدخُلَ على المبتدأ ".
قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن " من إله " مبتدأ، و " مِنْ " مزيدةٌ فيه، و " إلا اللهُ " خبره تقديره : ما إله إلا اللهُ، وزيدت " مِنْ " للاستغراق والعموم. قال الزمخشري :" ومِنْ في قوله ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ بمنزلةِ البناءِ على الفتح في " لا إله إلا اللهَ " في إفادةِ معنى الاستغراقِ " قلت : الاستغراقُ في
" لا إله إلا اللهُ " لم نَسْتفِدْه من البناء على الفتحِ بل استفدناه من " مِنْ " المقدرة الدالة على الاستغراق، نصَّ النَّحْويون على ذلك، واستدلَّوا عليه بظهورها في قول الشاعر :
فقام يذودُ الناسَ عنها بسيفِهفقال ألا لا مِنْ سبيلٍ إلى هندِ
والثاني : أن يكونَ الخبرُ مضمراً تقديرُه : وما من إلهٍ لنا إلا الله، و " إلا اللهُ " بدلٌ من موضع " من إله " لأن موضعَه رفعٌ بالابتداء، ولا يجوزُ في مثله الإِبدالُ من اللفظِ، لئلا يَلْزَمَ زيادةُ مِنْ في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور، ويجوز في مثل هذا التركيب نصبُ ما بعد " إلا " على الاستثناء، ولكنه لم يُقرأ به، إلا أنه جائز لغةً، تقول " لا إله إلا اللهُ " برفع الجلالة بدلاً من الموضع، ونصبِها على الاستثناء من الضميرِ المستكنِّ في الخبرِ المقدَّر، إذ التقديرُ : لا إله استقر لنا إلا الله.
وقوله :﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كقوله :﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى