محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٦٢ من سورة آل عمران في ١٠٤ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٦ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٦٢ من سورة آل عمران

١٠٤ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّ هََذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ اللّهُ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلّوْا فَإِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : إن هذا الذي أنبأتك به يا محمد من أمر عيسى، فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي، وكلمتي ألقيتها إلى مريم، وروح مني، ﴿لَهُوَ القَصَصُ﴾ والنبأ ﴿الحَقّ﴾ فاعلم ذلك، واعلم أنه ليس للخلق معبود يستوجب عليهم العبادة بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبده وهو الله العزيز الحكيم.
ويعني بقوله ﴿العَزِيزُ﴾ : العزيز في انتقامه ممن عصاه، وخالف أمره، وادّعى معه إلها غيره، أو عبد ربا سواه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في تدبيره، لا يدخل ما دبره وهْن ولا يلحقه خلل.
﴿فإنْ تَوَلّوْا﴾ يعني فإن أدبر هؤلاء الذين حاجوك في عيسى عما جاءك من الحقّ من عند ربك في عيسى وغيره، من سائر ما آتاك الله من الهدى والبيان، فأعرضوا عنه، ولم يقبلوه¹ ﴿فإنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾، يقول : فإن الله ذو علم بالذين يعصون ربهم، ويعملون في أرضه وبلاده بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم، يقول تعالى ذكره : فهو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم ويحفظها حتى يجازيهم عليها جزاءهم.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿إنّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقّ﴾ أي إن هذا الذي جئت به من الخبر عن عيسى، لهو القصص الحقّ من أمره.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿إنّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ﴾. إن هذا الذي قلنا في عيسى لهو القصص الحقّ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿إنّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقّ﴾ قال : إن هذا القصص الحقّ في عيسى، ما ينبغي لعيسى أن يتعدّى هذا، ولا يجاوز أن يتعدى أن يكون كلمة الله ألقاها إلى مريم وروحا منه وعبد الله ورسوله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿إنّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقّ﴾ : إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحقّ ﴿وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاّ اللّهُ﴾. . . الآية.
فلما فصل جل ثناؤه بين نبيه محمد ﷺ وبين الوفد من نصارى نجران بالقضاء الفاصل والحكم العادل أمره إن هم تولوا عما دعاهم إليه من الإقرار بوحدانية الله، وأنه لا ولد له ولا صاحبة، وأن عيسى عبده ورسوله وأبوا إلا الجدل والخصومة أن يدعوهم إلى الملاعنة، ففعل ذلك رسول الله ﷺ. فلما فعل ذلك رسول الله ﷺ انخذلوا، فامتنعوا من الملاعنة ودعوا إلى المصالحة، كالذي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر، قال : فأمر يعني النبيّ ﷺ بملاعنتهم يعني بملاعنة أهل نجران بقوله :﴿فَمَنْ حاجّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾. . . الآية. فتواعدوا أن يلاعنوه، وواعدوه الغد، فانطلقوا إلى السيد والعاقب، وكانا أعقلهم فتابعاهم، فانطلقوا إلى رجل منهم عاقل، فذكروا له ما فارقوا عليه رسول الله ﷺ فقال : ما صنعتم ! وندّمهم، وقال لهم : إن كان نبيا ثم دعا عليكم لا يغضبه الله فيكم أبدا، ولئن كان ملكا فظهر عليكم لا يستبقيكم أبدا. قالوا : فكيف لنا وقد واعدنا ؟ فقال لهم : إذا غدوتم إليه فعرض عليكم الذي فارقتموه عليه، فقولوا : نعوذ بالله ! فإن دعاكم أيضا، فقولوا له : نعوذ بالله ! ولعله أن يعفيكم من ذلك. فلما غدوا، غدا النبيّ ﷺ محتضنا حَسَنا آخذا بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس، فقالوا : نعوذ الله ! ثم دعاهم، فقالوا : نعوذ بالله ! مرارا. قال :«فإنْ أبَيْتُمْ فأسْلِمُوا، وَلَكُمْ ما لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكُمْ ما على المُسْلِمينَ، كما قال الله عزّ وجلّ¹ فإنْ أبَيْتُمْ فأعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وأنْتُمْ صَاغِرُونَ، كما قال الله عَزّ وَجَلّ »، قالوا : ما نملك إلا أنفسنا. قال :«فإنْ أبَيْتُمْ فَإنّي أنْبِذُ إلَيْكُمْ عَلى سَوَاءٍ، كما قال الله عزّ وجلّ »، قالوا : ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكن نؤدّي الجزية. قال : فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلة، ألفا في رجب وألفا في صفر. فقال النبيّ ﷺ :«قَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرَانَ حتى الطّيْرُ على الشّجَرِ أوِ العَصَافِيرُ عَلى الشّجَرِ، لو تَمّوا على المُلاَعَنَة ». حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، قال : فقلت للمغيرة : إن الناس يرون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم ! فقال : أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في عليّ، أو لم يكن في الحديث.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿إنّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقّ﴾ إلى قوله :
﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بأنّا مُسْلِمُونَ﴾ فدعاهم إلى النّصَف وقطع عنهم الحجة. فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم، إن ردّوا عليه¹ دعاهم إلى ذلك، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا : يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال : والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمدا نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمنٌ رأيه. فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا : يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن زيد بن عليّ في قوله :﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنا وأبْناءكُمْ﴾. . . الاَية. قال : كان النبيّ ﷺ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط عن السدي :﴿فَمَنْ حاجّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾. . . الآية، فأخذ يعني النبيّ ﷺ بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال لعليّ :«اتْبَعْنَا ! » فخرج معهم، فلم يخرج يومئذ النصارى، وقالوا : إنا نخاف أن يكون هذا هو النبيّ ﷺ، وليس دعوة النبيّ كغيرها، فتخلفوا عنه يومئذ. فقال النبيّ ﷺ :«لَوْ خَرَجُوا لاَحْتَرَقُوا ». فصالحوه على صلح على أن له عليهم ثمانين ألفا فما عجزت الدراهم ففي العروض الحلة بأربعين، وعلى أن له عليهم ثلاثا وثلاثين درعا، وثلاثا وثلاثين بعيرا، وأربعة وثلاثين فرسا غازية كل سنة، وأن رسول الله ﷺ ضامن لها حتى نؤديها إليهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ دعا وفدا من وفد نجران من النصارى، وهم الذين حاجوه في عيسى، فنكصوا عن ذلك وخافوا. وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«وَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، إنْ كانَ العَذَابُ لَقَدْ تَدَلّى على أهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ فَعَلُوا لاسْتُؤْصِلُوا عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿فَمَنْ حاجّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ قال : بلغنا أن نبيّ الله ﷺ خرج ليلاً عن أهل نجران، فلما رأوه خرج، هابوا وفرقوا، فرجعوا. قال معمر، قال قتادة : لما أراد النبيّ ﷺ أهل نجران أخذ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة :
«اتْبَعِينَا »، فلما رأى ذلك أعداءُ الله رجعوا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لو خرج الذين يباهلون النبيّ ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا زكريا، عن عديّ قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال رسول الله ﷺ :«وَالّذِي نفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا عَنُونِي ما حالَ الحَوْلُ وَبحَضْرَتِهِمْ مِنْهُمْ أحَدٌ إلاّ أهْلَكَ اللّهُ الكاذِبِينَ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا ابن زيد، قال : قيل لرسول الله ﷺ : لو لاعنت القوم بمن كنت تأتي حين قلت ﴿أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ ؟ قال :«حَسَن وحُسَيْن ».
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، قال : حدثنا المنذر بن ثعلبة، قال : حدثنا علباء بن أحمر اليشكري، قال : لما نزلت هذه الاَية :﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءكُمْ﴾ الآية، أرسل رسول الله ﷺ إلى عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود : ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير ؟ لا تلاعنوا ! فانتهوا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك. واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه، وهو الله العزيز الحكيم.
* * *
ويعني بقوله:"العزيز"، العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيرَه، أو عبد ربًّا سواه (١) ="الحكيم" في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ. (٢)
* * *
"فإن تولوا"، يعني: فإن أدبر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى، عما جاءك من الحق من عند ربك في عيسى وغيره من سائر ما آتاك الله من الهدى والبيان،
(١) انظر تفسير"العزيز" فيما سلف ٣: ٨٨ / ٦: ١٦٥، ١٦٨، ٢٧١.
(٢) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف قريبًا: ٤٦٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
فأعرضوا عنه ولم يقبلوه = (١)
"فإن الله عليم بالمفسدين"، يقول: فإن الله ذو علم بالذين يعصون ربهم، ويعملون في أرضه وبلاده بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم. (٢) يقول تعالى ذكره: فهو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم ويحفظها، حتى يجازيهم عليها جزاءَهم.
* * *
وبنحو ما قلنا قي ذلك قال أهل التأويل:
ذكر من قال ذلك:
٧١٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"إنّ هذا لهو القصص الحق"، أي: إن هذا الذي جئتَ به من الخبر عن عيسى، ="لهو القصَص الحقّ"، من أمره. (٣)
٧١٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"إنّ هذا لهو القصص"، إن هذا الذي قُلنا في عيسى ="لهو القصَص الحق".
٧١٧٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إنّ هذا لهو القصص الحق"، قال: إن هذا القصصَ الحقّ في عيسى، ما ينبغي لعيسى أن يتعدَّى هذا ولا يُجاوزُه: أنْ يتعدّى أن يكون كلمة الله ألقاها إلى مريم، (٤) وروحًا منه، وعبدَ الله ورسوله.
٧١٧٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إنّ هذا لهو القصص الحق"، إنّ هذا الذي قلنا في
(١) انظر تفسير"تولى" فيما سلف ٢: ١٦٢-١٦٤، ٢٩٨ / ٣: ١٣١ / ٤: ٢٣٧ / ٦: ٢٨٣، ٢٩١.
(٢) انظر معنى"الفساد" فيما سلف ١: ٢٨٧، ٤١٦ / ٤: ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٤٤ / ٥: ٣٧٢.
(٣) الأثر: ٧١٧٦- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٢، هو بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧١٧٢.
(٤) في المطبوعة:
"ولا يجاوز أي يتعدى"، والصواب ما في المخطوطة.
عيسى، هو الحق ="وما من إله إلا الله"، الآية.
* * *
فلما فصل جل ثناؤه بين نبيه محمد ﷺ وبين الوفد من نصارى نجران، بالقضاء الفاصل والحكم العادل، أمرَه (١) = إن هم تولوا عما دعاهم إليه من الإقرار بوحدانية الله، وأنه لا ولد له ولا صاحبة، وأنّ عيسى عبدُه ورسوله، وأبوا إلا الجدلَ والخصومة = (٢) أن يدعوَهم إلى الملاعنة. ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، انخزلوا فامتنعوا من الملاعنة، ودعوا إلى المصالحة، كالذي:-
٧١٨٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر قال: فأمِر - يعني النبي ﷺ - بملاعنتهم - يعني: بملاعنة أهل نجران - بقوله:"فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم"، الآية. فتواعدوا أن يلاعنوه وواعدوه الغدَ. فانطلقوا إلى السيد والعاقب، وكانا أعقلهم، فتابعاهم. فانطلقوا إلى رجل منهم عاقل، فذكروا له ما فارقوا عليه رسولَ الله ﷺ فقال: ما صنعتم!! ونَدَّمهم، (٣) وقال لهم: إن كان نبيًّا ثم دعا عليكم لا يغضبُه الله فيكم أبدًا، ولئن كان ملِكًا فظهر عليكم لا يستبقيكم أبدًا. (٤) قالوا: فكيف لنا وقد واعدنا! فقال لهم: إذا غدوتم إليه فعرض عليكم الذي فارقتموه عليه، فقولوا:"نعوذ بالله"! فإن دعاكم أيضًا فقولوا له:"نعوذ بالله"! ولعله أن يعفيَكم من ذلك. فلما غدَوْا غدَا النبّي ﷺ محتضِنًا حسَنًا آخذًا بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه. فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس،
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "وأمره... " بالواو، وهي زائدة مفسدة، فأسقطتها.
(٢) سياق الجملة: "أمره... أن يدعوهم إلى الملاعنة"، وما بينهما فصل.
(٣) قوله: "ندمهم" (مشدد الدال) لامهم حتى حملهم على الأسف والندم. وهذا لفظ عربي عريق قل أن تظفر به في كثير من كتب اللغة.
(٤) في المطبوعة: "لا يستبقينكم"، بزيادة النون، والصواب من المخطوطة.
فقالوا:"نعوذ الله"! ثم دعاهم فقالوا:"نعوذ بالله"! مرارًا قال: فَإن أبيتم فأسلموا ولكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين كما قال الله عز وجل، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون كما قال الله عز وجل. قالوا: ما نملك إلا أنفسنا! قال: فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء كما قال الله عز وجل. قالوا: ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكن نؤدّي الجزية. قال: فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلة، ألفًا في رجب، وألفًا في صفر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتاني البشير بهلكه أهل نجران، (١) حتى الطير على الشجر = أو: العصافيرُ على الشجر = لو تمُّوا على الملاعنة. (٢)
= حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال: فقلت للمغيرة: إن الناس يروُون في حديث أهل نجران أن عليًّا كان معهم! فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في عليّ، أو لم يكن في الحديث! (٣)
٧١٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"إنّ هذا لهو القصص الحق" إلى قوله:"فقولوا اشهدُوا بأنا مسلمون"، فدعاهم إلى النَّصَف، (٤) وقطع عنهم الحجة. فلما أتى رسول الله ﷺ الخبرُ من الله عنه، والفصلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم، إنْ ردُّوا عليه = (٥) دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نُريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رَأيهم، (٦) فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ قال:
(١) في المطبوعة: "قد أتاني"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) "تم على الشي" استمر عليه وأمضاه.
(٣) هذه الفقرة من تتمة الأثر السالف، فلذلك لم أفردها بالترقيم.
(٤) النصف والنصفة (كلاهما بفتحتين) : هو الإنصاف، وإعطاء الحق لصاحبك كالذي تستحق لنفسك.
(٥) في المخطوطة: "أو ردوا عليه"، وهو خطأ، والصواب ما في المطبوعة مطابقًا لسيرة ابن هشام، وفيها: "إن ردوا ذلك عليه".
(٦) "ذو رأيهم"، صاحب الرأي والتدبير، يستشار فيما يعرض لهم لعقله وحسن رأيه.
والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أنّ محمدًا لنبيّ مرسل، (١) ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قَوْمٌ نبيًّا قط فبقي كبيرُهم ولا نبتَ صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْفَ دينكم، والإقامةَ على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمنٌ رَأيه. (٢) فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنَك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضَاهُ لنا، يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رِضًى. (٣)
٧١٨٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن زيد بن علي في قوله:"تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم" الآية، قال: كان النبي ﷺ وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين. (٤)
(١) في المطبوعة: "أن محمد نبي مرسل"، وهو خطأ، وتحريف لما في المخطوطة كما أثبتها، وهو المطابق أيضًا لما في سيرة ابن هشام.
(٢) قوله: "حتى يريكم زمن رأيه" ليست في سيرة ابن هشام. ويعني بذلك: حتى يمضي زمن، وتتقلب أحوال، فترون عاقبة أمره، صلى الله عليه وسلم، وقد قال شارح السيرة، السهيلي، في الروض الأنف ٢: ٥٠"وفي حديث أهل نجران، زيادة كثيرة عن ابن إسحاق، من غير رواية ابن هشام".
(٣) الأثر: ٧١٨١- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٢، ٢٣٣، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧١٧٦- يقال: "رجل رضى من قوم رضى"، أي مرضى، وصف بالمصدر مثل رجل عدل، كما قال زهير: مَتَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَواتُهُمْ:... هُمُ بَيْنَنَا، فَهُمُ رِضًى، وهُمُ عَدْلُ
(٤) الأثر: ٧١٨٢-"عيسى بن فرقد المروزي"، أبو مطهر. روى عنه عمرو بن رافع، وابن حميد، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه فقال: مروزي. قلت: ما حاله؟ قال: شيخ". مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٨٤. و"أبو الجارود" هو: زياد بن المنذر الهمداني. قال ابن معين: "كذاب، عدو الله، ليس يسوي فلسًا". وكان رافضيًا يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروى في فضائل أهل البيت رضي الله عنهم أشياء ما لها أصول. لا يحل كتب حديثه، وهو من غلاة الشيعة، وله فرقة تعرف بالجارودية.
٧١٨٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم"، الآية، فأخذ - يعني النبيّ ﷺ - بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال لعلي: اتبعنا. فخرجَ معهم، فلم يخرج يومئذ النصارَى، وقالوا: إنا نخاف أن يكون هذا هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس دعوة النبيّ كغيرها! ! فتخلفوا عنه يومئذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو خرجوا لاحترقوا! فصالحوه على صلح: على أنّ له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجزت الدراهم ففي العُرُوض: الحُلة بأربعين = وعلى أن له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين بعيرًا، وأربعة وثلاثين فرسًا غازيةً كلّ سنة، وأن رسول الله ﷺ ضَامنٌ لها حتى نُؤدّيها إليهم.
٧١٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ دعا وفدًا من وفد نجران من النصارى، وهم الذين حاجوه، في عيسى، فنكصُوا عن ذلك وخافوا = وذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: والذي نفس محمد بيده، إن كان العذاب لقد تَدَلَّى على أهل نجران، ولو فعلوا لاستُؤصلوا عن جديد الأرض. (١)
٧١٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم"، قال: بلغنا أن نبي الله ﷺ خرج ليُداعي أهل نجران، (٢) فلما رأوه خرج، هابوا وفَرِقوا، فَرَجعوا = قال معمر، قال قتادة: لما أراد النبي ﷺ أهل نَجران، أخذَ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة: اتبعينا. فلما رأى ذلك أعداءُ الله، رجعوا.
(١) جديد الأرض، وجدها (بفتح الجيم وكسرها) وجددها (بفتحات) : هو وجه الأرض.
(٢) في المطبوعة: خرج ليلاعن أهل نجران"، قرأ"ليداعي""ليلاعن"، و"يداعي" من"الدعاء"، يعني هذه المباهلة والملاعنة.
٧١٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو خرج الذين يُباهلون النبّي ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا.
٧١٨٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زكريا، عن عدي قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
٧١٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحدٌ إلا أهلك الله الكاذبين.
٧١٨٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا ابن زيد قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لاعنت القوم، بمن كنتَ تأتي حين قلت"أبناءَنا وأبناءَكم"؟ قال: حسن وحسين.
٧١٩٠ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا المنذر بن ثعلبة قال، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية:"فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم"، الآية، أرسل رسول الله ﷺ إلى عليّ وفاطمةَ وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليُلاعنهم، فقال شاب من اليهود، ويحكم! أليس عهدُكم بالأمس إخوانُكم الذين مُسخوا قردةً وخنازير؟! لا تُلاعنوا! فانتهَوْا. (١)
* * *
(١) الأثر: ٧١٩٠-"المنذر بن ثعلبة بن حرب الطائي"، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب. و"علباء بن أحمر اليشكري" روى عن عكرمة مولى ابن عباس. قال أحمد: "لا بأس به، لا أعلم إلا خيرًا"، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
هذا وأحاديث هذا الباب كلها مرسلة، كما رأيت، إلا خبر ابن عباس.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال الله تعالى :﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي : هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّه وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، بَلْ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَالَّذِي (١) خَلَقَ آدَمَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ عِيسَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَإِنْ جَازَ ادِّعَاءُ الْبُنُوَّةِ فِي عِيسَى بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَجَوَازُ ذَلِكَ فِي آدَمَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَعْلُومٌ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَدَعْوَاهَا فِي عِيسَى أَشَدُّ بُطْلَانًا وَأَظْهَرُ فَسَادًا. وَلَكِنَّ الرَّبَّ، عَزّ وَجَلَّ، أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ، حِينَ خَلَق آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى؛ وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَخَلَقَ عِيسَى مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ كَمَا خَلَقَ بَقِيَّةَ الْبَرِيَّةَ مَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مَرْيَمَ: ٢١].
وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ فِي عِيسَى، الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا صَحِيحَ (٢) سِوَاهُ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -آمِرًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ فِي أَمْرِ عِيسَى بَعْدَ ظُهُورِ البيانِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: نَحْضُرُهُمْ فِي حَالِ الْمُبَاهَلَةِ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أَيْ: نَلْتَعِنْ ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أَيْ: مِنَّا أَوْ مِنْكُمْ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْمُبَاهَلَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا فِي وفد نجران، أن النصارى حين
(١) في جـ، و: "فالذي".
(٢) في أ: "والصحيح".
قَدِمُوا فَجَعَلُوا يُحَاجّون فِي عِيسَى، وَيَزْعُمُونَ فِيهِ مَا يَزْعُمُونَ مِنَ الْبُنُوَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ رَدا عَلَيْهِمْ، كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيرَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرُهُ: وقَدم (١) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْران، سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أربعة عَشرَ رجلا من أشرافهم يؤول إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ، وَهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ، وَهُوَ الأيْهَم، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أخو بكر بن وائل، وأويس الْحَارِثِ (٢) وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنَبِيهٌ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرٌو، وخالد، وعبد الله، وَيُحَنَّس.
وأمْرُ هؤلاء يؤول إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ، وَهُمُ: الْعَاقِبُ وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْمِ وَذَا رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَالسَّيِّدُ وَكَانَ عَالِمَهُمْ وَصَاحِبَ رَحْلهم ومُجتمعهم، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ وَكَانَ أسْقُفهم وحَبْرَهم وَإِمَامَهُمْ وَصَاحِبَ مَدَارِسِهِمْ، وَكَانَ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَلَكِنَّهُ تَنَصَّر، فَعَظَّمَتْهُ الرُّومُ وَمُلُوكُهَا وَشَرَّفُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ وَمَوَّلُوه وأخْدَموه، لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِمْ. وَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَأْنَهُ وَصِفَتَهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ جَيِّدًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَهُ جَهْلُهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ لِمَا يَرَى [مِنْ] (٣) تَعْظِيمِهِ فِيهَا وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ أَهْلِهَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَدِموا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم المدينة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَه حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الحبرَات: جُبَب وأرْدية، فِي جَمَال رِجَالِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهَمْ وَفْدًا مِثْلَهُمْ. وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهم فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ.
قَالَ: فَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، أَوِ السَّيِّدُ الْأَيْهَمُ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ، مَعَ اخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. تَعَالَى اللَّهُ [عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا] (٤) وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: "هُوَ اللَّهُ" بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، ويُبْرئُ الأسقامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا (٥) وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ بِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَبْلَهُ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي (٦) قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَعَلْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا فعلتُ وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ؛ وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى ومَرْيَم وفي
(١) في ر: "وفد".
(٢) في جـ، ر: "وأوس بن الحارث".
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٤) زيادة من جـ، أ.
(٥) في جـ، ر، أ، و: "طائرا".
(٦) في جـ، ر، أ، و: "على".
كُلِّ ذَلِكَ مِنْ (١) قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ.
فَلَمَّا كَلَّمَهُ الحَبْران قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أسْلِمَا" قَالَا قَدْ أَسْلَمْنَا. قَالَ: "إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما" قَالَا بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ. قَالَ: "كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا مِنَ الإسْلامِ دُعَاؤكُما (٢) لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وأكْلُكُمَا الخِنزيرَ". قَالَا فَمَنْ أَبَوْهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا فَلَمْ يُجِبْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا.
ثُمَّ تَكَلَّم ابْنُ إِسْحَاقَ عَلَى التَّفْسِيرِ (٣) إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ، والفَصْلُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأُمِرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ؛ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ (٤) فِيمَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عبدَ الْمَسِيحِ، مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عرَفْتم أَنَّ مُحَمَّدًا لنبيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بالفَصْل مِنْ خَبَر صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا لاعَن قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلَا نَبَتَ صَغيرهم، وَإِنَّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ (٥) مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ [قَدْ] (٦) أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فوادعُوا الرجلَ وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ.
فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَّا نُلَاعِنَكَ، وَنَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ، ونرجعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ (٧) عِنْدَنَا رِضًا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ائْتُونِي الْعَشِيَّة أَبْعَثُ مَعَكُمُ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"، فَكان (٨) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطّ حُبّي إِيَّاهَا يَوْمَئِذٍ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهَا، فَرُحْتُ إِلَى الظُّهْرِ مُهَجّرا، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهرَ سلَّم، ثُمَّ نَظَر عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيدة بْنَ الجَرَّاح، فَدَعَاهُ: "اخْرُجْ مَعَهُمْ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ". قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٩).
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ (١٠) قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خُدَيْج: أَنَّ وَفْدَ أَهْلِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَشْرَافِ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ. وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَزِيَادَاتٍ أخَر.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَة بْنِ زُفَر، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ العاقبُ والسيدُ صَاحِبًا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ أن
(١) في جـ، ر: "في".
(٢) في جـ، أ، و: "ادعاؤكما".
(٣) في جـ، ر، أ، و: "تفسيرها".
(٤) في جـ، ر: "تريد أن تفعل".
(٥) في جـ، ر: "الاستئصال".
(٦) زيادة من أ، و.
(٧) في جـ، أ: "وإنكم".
(٨) في جـ: "وكان".
(٩) السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٧٣-٥٧٥) ورواه الطبري في تفسيره (٦/١٥١) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.
(١٠) في أ:" عن".
يُلَاعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ إِنْ (١) كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّاهُ لَا نفلحُ نحنُ وَلَا عَقبنا مِنْ بَعْدِنَا. قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا. فَقَالَ: "لأبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلا أَمِينًا (٢) حَقَّ أمِينٍ"، فاستشرفَ لَهَا أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "قُمْ يَا أبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحٍِ" فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا أمِينُ هَذِهِ الأمَّةِ".
[وَ] (٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (٤) مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ صِلَة، عَنْ حُذَيْفَةَ، بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صلَة عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِنَحْوِهِ (٥).
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ أمينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأمَّة أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ" (٦).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقِّي أَبُو يَزِيدَ، حَدَّثَنَا فُرَات، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ابن مَالِكٍ الجزَري" عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنْ رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَآتِيَنَّهُ حَتَّى أطَأ عَلَى عُنُقِهِ. قَالَ: فَقَالَ: "لَوْ فعلَ لأخَذته الملائكةُ عِيَانًا، وَلَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تمنَّوا الْمَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرَجَعوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا" (٧).
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: [حَدِيثٌ] (٨) حَسَنٌ صَحِيحٌ (٩).
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قصَّة وَفْد نَجْران مُطَوِّلَةً جِدًّا، وَلْنَذْكُرْهُ فَإِنَّ فِيهِ فوائدَ كَثِيرَةً، وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِهَذَا الْمَقَامِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عبدِ يَسُوع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ يُونُسُ -وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ-: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ طس سُلَيْمَانَ: "بِاسْم إلَهِ إِبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ الَّنِبيِّ رَسُولِ اللهِ إلَى أسْقف
(١) في أ، و: "لأن".
(٢) في أ: "أمينا خير أمين".
(٣) زيادة من أ، و.
(٤) صحيح البخاري برقم (٣٧٤٥) (٧٢٥٤) (٤٣٨٠، ٤٣٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٥).
(٥) المسند (١/٤١٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٩٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٣٦).
(٦) البخاري برقم (٣٧٤٤)، (٤٣٨٢)، (٧٢٥٥)، ورواه مسلم في صحيحه برقم (٦٩٠) من حديث أنس بن مالك.
(٧) في جـ: "أهلا ولا مالا".
(٨) زيادة من جـ.
(٩) المسند (١/٢٤٨) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٨)، والنسائي في السنن برقم (١١٦٨٥).
نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ سِلْم (١) أَنْتُم، فإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمْ إلَهَ إبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ. أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي أَدْعُوكُم إلَى عِبَادَةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وأدْعُوكُمْ إلَى وِلايَةِ اللهِ مِنْ وِلايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ (٢) آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ والسَّلامُ".
فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَ الْكِتَابُ فَقَرَأَهُ فَظعَ بِهِ، وذَعَره ذُعرًا شَدِيدًا، وَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ: شُرَحْبيل بْنُ وَداعة -وَكَانَ مِنْ هَمْدان وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِذَا نَزَلَتْ مُعْضلة قَبْلَه، لَا الْأَيْهَمُ وَلَا السِّيد وَلَا الْعَاقِبُ-فَدَفَعَ الأسْقُفُ كتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شُرَحْبيل، فَقَرَأَهُ، فَقَالَ الْأَسْقُفُ: يَا أَبَا مريمَ، مَا رَأْيُكَ (٣) ؟ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَا يُؤْمنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَاكَ الرَّجُلُ، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، وَلَوْ كَانَ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَأَشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيِي، وجَهِدتُ لَكَ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفُ: تَنَحَّ فَاجْلِسْ. فَتَنَحَّى شُرَحْبِيلُ فَجَلَسَ نَاحِيَةً، فَبَعَثَ الْأَسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حمْير، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ، وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفَ: فَاجْلِسْ، فتَنَحى فَجَلَسَ نَاحِيَةً. وَبَعَثَ الْأَسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، يُقَالُ لَهُ: جَبَّارُ بْنُ فَيْضٍ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، أَحَدُ بَنِي الْحَمَاسِ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ، وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحبيل وَعَبْدِ اللَّهِ، فَأَمْرَهُ الْأَسْقُفَ فَتَنَحَّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا، أَمَرَ الْأَسْقُفُ بِالنَّاقُوسِ فضُرب بِهِ، ورُفعت النِّيرَانُ وَالْمُسُوحُ فِي الصَّوَامِعِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزعوا بِالنَّهَارِ، وَإِذَا كَانَ فزعُهم لَيْلًا ضَرَبُوا بِالنَّاقُوسِ، وَرَفُعِتِ النِّيرَانُ فِي الصَّوَامِعِ، فَاجْتَمَعُوا (٤) حِينَ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ أَهْلَ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ -وطولُ الْوَادِي مَسِيرة يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ، وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً، وَعِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ رأيُ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ ودَاعة الْهَمْدَانِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ ابن شُرَحبيل الْأَصْبَحِيَّ، وَجَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ الْحَارِثِيَّ، فَيَأْتُونَهُمْ (٥) بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَضَعُوا ثِيَابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ، وَلَبِسُوا حُلَلا لَهُمْ يَجُرُّونَهَا مِنْ حِبَرَةٍ، وَخَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ (٦) وَتَصَدَّوْا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وخواتيم الذهب. فانطلقوا يتبعون عثمان ابن عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَكَانَا مَعْرفة لَهُمْ، فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالُوا: يَا عُثْمَانُ وَيَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِنْ نَبِيَّكُمْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِكِتَابٍ، فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَنَا، وَتَصَدَّيْنَا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلِّمَنَا، فَمَا الرَّأْيُ مِنْكُمَا، أَتَرَوْنَ أَنْ نَرْجِعَ؟ فَقَالَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -وَهُوَ فِي
(١) في جـ، ر، أ، و: "أسلم".
(٢) في جـ، ر، أ، و: "أبيتم فقد".
(٣) في جـ: "ما رأيك يا أبا مريم".
(٤) في جـ، ر: "فاجتمع".
(٥) في أ: "فيأتوهم".
(٦) في جـ: "عليه السلام" وفي أ: "عليهم السلام".
الْقَوْمِ-: مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ عَليّ لِعُثْمَانَ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُللهم هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ، وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ ثُمَّ يَعُودَا إِلَيْهِ. فَفَعَلُوا فَسَلَّمُوا، فَرَدَّ سَلَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: "والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَقَدْ أَتَوْنِي الْمرَّةَ الأولَى، وإنَّ إبْلِيسَ لَمَعَهُم" ثُمَّ سَاءَلَهُمْ وَسَاءَلُوهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى قَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى، فَإِنَّا نَرْجِعُ إِلَى قَوْمِنَا وَنَحْنُ نَصَارَى، يَسُرُّنَا إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا أَنْ نَسْمَعَ مَا تَقُولُ فِيهِ (١) ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا عِنْدِي فِيهِ شِيء يَوْمِي هَذَا، فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِرَكُمْ بِمَا (٢) يَقُولُ لِي رَبِّي فِي عيسَى". فَأَصْبَحَ الْغَدُ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى] (٣) الْكَاذِبِينَ﴾ فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي خَمِيل لَهُ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُلَاعَنَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ لِصَاحِبَيْهِ: قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ لَمْ يَرِدُوا وَلَمْ يَصْدُرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِي (٤) وَإِنِّي وَاللَّهِ أَرَى أَمْرًا ثَقِيلًا وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا، فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طَعَنَ فِي عَيْنَيْهِ (٥) وَرَدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُصِيبُونَا بِجَائِحَةٍ، وَإِنَّا لَأَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فلاعَنَّاه لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْر وَلَا ظُفُر إِلَّا هَلَكَ. فَقَالَ (٦) لَهُ صَاحِبَاهُ: يَا أَبَا مَرْيَمَ، فَمَا الرَّأْيُ؟ فَقَالَ: أَرَى (٧) أَنْ أُحَكِّمَهُ، فَإِنِّي أَرَى رَجُلًا لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا. فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ وَذَاكَ. قَالَ: فَلَقِيَ (٨) شرحبيلُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعَنَتِكَ. فَقَالَ: "وَمَا هُوَ؟ " فَقَالَ: حُكْمُكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَيْلَتُكَ إِلَى الصَّبَاحِ، فَمَهْمَا حَكَّمْتَ فِينَا فَهُوَ جَائِزٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَلَّ وَرَاءكَ أحَدًا يَثْرِبُ عَلْيكَ؟ " فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: سَلْ صَاحِبَيَّ. فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا مَا يَرِدُ الْوَادِي وَلَا يَصْدرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ: فَرَجع رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَوْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ هَذَا الْكِتَابَ: "بِسْم اللَّهِ الرحمنِ الرَّحِيم، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِي رَسُولُ اللهِ لِنَجْرَانَ -إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمَهُ-فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَودَاءَ وَرَقِيقٍ فَاضِلٍ (٩) عَلَيْهِمْ، وتَرْك ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ، عَلَى أَلْفَي حُلَّةٍ، فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وفِي كُلِّ صَفَرٍ ألْفُ حُلَّةٍ" وَذَكَرَ تَمَامَ الشُّرُوطِ وَبَقِيَّةَ السِّيَاقِ (١٠).
وَالْغَرَضُ أَنَّ وُفُودَهُمْ (١١) كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ: كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ أَوَّلَ مَنْ أَدَّى الْجِزْيَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآيَةُ الْجِزْيَةِ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون] َ (١٢)﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩].
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ المكي، حدثنا بشر بن
(١) في جـ: "فيه ما تقول".
(٢) في أ: "ما".
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".
(٤) في ر: "رأي".
(٥) في جـ، ر: "عينه".
(٦) في أ: "فقالا".
(٧) في ر: "رأيي".
(٨) في جـ: "فتلقى"، وفي ر: "فيلقى".
(٩) في و: "فافضل".
(١٠) دلائل النبوة للبيهقي (٥/٣٨٥).
(١١) في أ: "ورودهم".
(١٢) زيادة من جـ، أ، ر، و، وفي هـ: "الآية".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وأخبر تعالى ﴿إن هذا﴾ الذي قصه الله على عباده هو ﴿القصص الحق﴾ وكل قصص يقص عليهم مما يخالفه ويناقضه فهو باطل ﴿وما من إله إلا الله﴾ فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة ﴿وإن الله لهو العزيز﴾ الذي قهر كل شيء وخضع له كل شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة التامة في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، يقاتلونهم ويجادلونهم ويجاهدونهم بالقول والفعل(١).
١ - في تفسير هذه الآيات تقديم وتأخير يسير فقد أخر تفسير قوله: "وما من إله إلا الله" وقد أبقيتها على ما هي عليه..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين﴾ فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. وأخبر تعالى ﴿إن هذا﴾ الذي قصه الله على عباده هو ﴿القصص الحق﴾ وكل قصص يقص عليهم مما يخالفه ويناقضه فهو باطل ﴿وما من إله إلا الله﴾ فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة ﴿وإن الله لهو العزيز﴾ الذي قهر كل شيء وخضع له كل شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة التامة في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، يقاتلونهم ويجادلونهم ويجاهدونهم بالقول والفعل (١).
(١) في تفسير هذه الآيات تقديم وتأخير يسير فقد أخر تفسير قوله: "وما من إله إلا الله" وقد أبقيتها على ما هي عليه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٤ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
الْقَصَصُ
الخبر الذي تتابع به المعاني، وأصله اتّباع الأثر.

إعراب الآية ٦٢ من سورة آل عمران

من كتاب: إعراب القرآن

يبهله بهلة أي لعنه ونبتهل ندعو باللعنة فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ عطف.

[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٢]

إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هو زائدة فاصلة عند البصريين ويجوز أن تكون مبتدأة والْقَصَصُ خبرها والجملة خبر إنّ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ ويجوز النصب على الاستثناء.

[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٣]

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ شرط وجوابه وتولّوا فعل ماض لا يتبيّن فيه الجزم ويجوز أن يكون مستقبلا ويكون الأصل تتولّوا.

[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ وقرأ قعنب كلمة «١» ألقى حركة اللام على الكاف كما يقال: كبد قال أبو العالية: الكلمة لا إله إلّا الله. سَواءٍ نعت لكلمة وقرأ الحسن «٢» سَواءٍ بالنصب أي استوت استواء: قال قتادة: السواء العدل. قال الفراء:
ويقال في معنى العدل سوى وسوى. قال: وفي قراءة عبد الله إلى كلمة عدل بيننا وبينكم «٣». أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ على البدل من كلمة وإن شئت كان التقدير هي أن لا نعبد إلّا الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً قال الكسائي والفراء: ويجوز وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً بالجزم على التوهّم إنّه ليس في أول الكلام «أن» قال أبو جعفر التوهّم لا يحصل منه شيء ولكن مذهب سيبويه أنه يجوز في «نعبد» وما بعده الجزم على أن تكون أن مفسّرة بمعنى أي كما قال عزّ وجلّ: أَنِ امْشُوا [ص: ٦] وتكون «لا» جازمة ويجوز على هذا أن يرفع نعبد وما بعده ويكون خبرا ويجوز الرفع بمعنى أنّه لا نعبد، ومثله أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] ومعنى وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ لا نعبد عيسى لأنه بشر مثلنا ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرّمه الله جلّ وعزّ علينا فنكون قد اتّخذناهم أربابا.

[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٥]

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الأصل «لما» حذفت الألف لأن حرف
(١) انظر مختصر ابن خالويه ٢١.
(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ٥٠٦.
(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٦٢ من سورة آل عمران

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾، يقول: إنّ هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٤٦٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٦٦٨.
٢
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ أي: إنّ هذا الذي جئت به من الخبر عن عيسى ﴿لهو القصص الحق﴾ مِن أمره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٤٦٧.
٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق زياد-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ١‏/‏٢٣٤.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ هذا﴾ الذى ذكرته في عيسى ﴿لَهُوَ القصص الحق﴾، والذي تقولون هو الباطل، ﴿وما مِن إله إلاَّ الله وإنَّ الله لَهُوَ العزيز﴾ في مُلكه، ﴿الحكيم﴾ في أمره، حَكَم عيسى في بطن أمه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٨١.
٥
عن عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجاج-:﴿إن هذا لهو القصص﴾ إنّ هذا الذي قلنا في عيسى ﴿لهو القصص الحق﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٤٦٨.
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾، قال: إنّ هذا القصص الحق في عيسى، ما ينبغي لعيسى أن يَتَعَدّى هذا، ولا يجاوز أن يتعدى أن يكون كلمة الله ألقاها إلى مريم، وروحًا منه، وعبد الله ورسوله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٤٦٨.
التفسير بالمأثور لسورة آل عمران كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٦٢ من سورة آل عمران

٥ وقفات في هذه الآية

  • مجالس في تدبر القرآن تدبر آية 62 سورة آل عمران

    — خالد السبت

  • $# رحلة التدبر

    — خالد الخليوي

  • آية (٦٢) : (إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) * دخول (إنّ) يفيد التأكيد ودخول ضمير الفصل هو (لَهُوَ) يفيد التوكيد والقصر ولم يقل (هذا القصص الحق) وما ذاك إلا لزعزعة ثقة أصحاب المِلل بدينهم، فكأن الله تعالى يقول لهم إن هذا وحده هو القصص الحق لا ما تقصّه كتب أصحاب المِلل الأخرى وعقائدهم. * مِنْ الاستغراقية (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ) تستغرق كل ما دخلت عليه استغرقت جميع الآلهة، لما تقول (ما جاءني رجل) فمعناها أنه جاءك أكثر من رجل أو أن ما جاءك ليس من جنس الرجال، لكن (ما جاءني من رجل) تستغرق الجنس بكامله لم يأتك لا واحد ولا أكثر من هذا الجنس.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ (62) آل عمران) لو قلنا: هذا القصص الحق لتمّ المعنى المراد فما فائدة دخول (إنّ) والضمير (هو) في قوله تعالى (إن هذا لهو)؟ (ورتل القرآن ترتيلاً) دخول الحرف المشبه بالفعل (إنّ) يفيد تأكيد الجملة وقد زاد تأكيدها بدخول ضمير الفصل (لهو) الذي يفيد التوكيد والقصر وما ذاك إلا لزعزعة ثقة أصحاب المِلل بدينهم. فكأن الله تعالى يقول لهم إن هذا هو القصص الحق وحده لا ما تقصّه كتب أصحاب المِلل الأخرى وعقائدهم. حتى تسمية ضمير الفصل قالوا يفصل الخبر عن الصفة وهذا أصل التسمية، أصل التسمية حتى يعلم أن الذي بعده خبر وليس صفة لأنه أحياناً يأتي السائل أن هذا صفة وبعده خبر، (إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، هذا القصص الحق يحتمل أن يكون القصص بدل فيها التباس فإذا أردنا أن نجعل القصص هو الخبر وليس الصفة نقول هذا هو القصص والحق تكون صفة وإذا أردنا أن نقرر أن حتماً القصص ليس خبراً نقول هذا القصص هو الحق يكون الحق هنا خبر للقصص، القصص بدل لهذا، هذا أصل التسمية حتى يفصل وأن ما بعجها خبر وليس صفة، هذا أصل التسمية ثم ذكر له فوائد في الغالب القصر الحقيقي أو الادعائي (تدعي أن فلان شاعر مثلاً وهو ليس بشاعر) أو التوكيد. أما في قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) هذا ضمير الشأن وليس ضمير الفصل. ضمير الفصل على الأرجح ليس له محل من الإعراب، نقول هو ضمير مبني ونعده حرفاً وهذا من أشهر الأقوال لأنه لو كان اسماً يذكر له محل من الإعراب، في أشهر الأقوال أنه حرف لا محل له من الإعراب. *ما فائدة (من)فى قوله تعالى (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ (62) آل عمران)؟ (د.فاضل السامرائي) هذه تسمى في اللغة مِنْ الاستغراقية التي تستغرق كل ما دخلت عليه. (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ (62) آل عمران) استغرقت جميع الآلهة. (أن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ (19) المائدة) تستغرق كل ما دخلت عليه. لما تقول ما جاءني رجل فيها احتمالين أنه ما جاءك رجل وإنما رجلين أو أكثر وما جاءني رجل أي واحد من هذا الجنس أما ما جاءني من رجل تستغرق الجنس بكامله لم يأتك لا واحد ولا أكثر من هذا الجنس. ما أصاب من مصيبة أي أي مصيبة كبيرة أو صغيرة لم يشذ عنها مصيبة واحدة فيما يحدث في كل الدنيا لا يمكن أن تقع مصيبة إلا وهي مدونة في كتاب وخارج الكتاب لا تقع وهذا على سعة علم الله وإحاطته بالأشياء صغيرة أو كبيرة حيثما وقعت هي مدونة مكتوبة في كتاب من قبل أن تقع. *ما الفرق بين الرُشد والحق؟ (د.فاضل السامرائى) الحق ليس مناقضاً للرُشد ولا الرُشد مناقضاً للحق. الحق أعم من الرُشد، يعني يوصف بالحق أحياناً ما لا يوصف بالرشد ويُخبر عنه بما لا يخبر بالحق يعني (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا (6) النساء) هل يمكن أن يقال آنستم منهم حقاً؟ كلا. (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ (61) البقرة) (إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (62) آل عمران) (وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ (86) آل عمران) (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ (27) المائدة) كلها لا يصح فيها الرُشد، الحق أعم من الرشد (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ (57) الأنعام) لا يصح أن يقال يقص الرُشد، (ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ (62) الأنعام) (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ (32) يونس) الحق أعمّ. وهذا أول فرق بين الحق والرشد أن الحق أعم وأنه يُذكر في أمور لا يصح فيها ذكر الرُشد. الأمر الآخر أن الرُشد لا يقال إلا في العاقل العاقل يوصف بالرُشد أما الحق عام، نقول القتل بالحق، هذا المال حق لك، إذن الله هو الحق، الجنة حق والنار حق. هنالك أمران حقيقة: أولاً الحق أعمّ من الرُشد يُخبر به عن الإنسان وغيره ومن ناحية أخرى الرُشد خاص بالعاقل، إذن الرشد قسم من الحق وليس الحق كله، كل رشد هو حق لكن ليس حق رشداً باعتبار الحق أعمّ.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • برنامج التفسير الفقهي سورة آل عمران آية 62

    — سعد الشثري

ترجمات معاني الآية ٦٢ من سورة آل عمران

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(62) Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال