البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ هذا خبر من الله جزم مؤكد فصل به بين المختصمين، والإشارة إلى القرآن على قول الجمهور، والظاهر أنه إشارة إلى ما تقدم من أخبار عيسى، وكونه مخلوقاً من غير أب، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد، وغيرهم.
أي : هذا هو الحق لا ما يدعيه النصارى فيه من كونه إلهاً أو ابن الله، ولا ما تدعيه اليهود فيه، وقيل : هذا إشارة إلى ما بعده من قوله ﴿وما من إله إلاَّ الله﴾ ويضعف بأن هذه الجملة ليست بقصص وبوجود حرف العطف في قوله : وما قال بعضهم إلاَّ إن أراد بالقصص الخبر، فيصح على هذا، ويكون التقدير : إن الخبر الحق أنه ما من إله إلاَّ الله. انتهى.
لكن يمنع من هذا التقدير وجود واو العطف واللام في : لهو، دخلت على الفصل.
والقصص خبر إن، والحق صفة له، والقصص مصدر، أو فعل بمعنى مفعول، أي : المقصوص كالقبض، بمعنى المقبوض، ويجوز أن يكون : هو، مبتدأ و : القصص، خبره، والجملة، في موضع خبر إن ووصف القصص بالحق إشارة إلى القصص المكذوب الذي أتى به نصارى نجران، وغيرهم، في أمر عيسى وإلاهيته.
﴿وما من إله إلا الله﴾ أي : المختص بالإلهية هو الله وحده، وفيه ردّ على الثنوية والنصارى، وكل من يدعي غير الله إلهاً.
و : من، زائدة لاستغراق الجنس، و : إله، مبتدأ محذوف الخبر، و : الله، بدل منه على الموضع، ولا يجوز البدل على اللفظ، لأنه يلزم منه زيادة : من، في الواجب، ويجوز في العربية في نحو هذا التركيب نصب ما بعد : إلاَّ، نحو ما من شجاع إلاَّ زيداً، ولم يقرأ بالنصب في هذه الآية، وإن كان جائزاً في العربية النصب على الاستثناء.
﴿وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ إشارة إلى وصفي الإلهية وهما : القدرة الناشئة عن الغلبة فلا يمتنع عليه شيء، والعلم المعبر عنه بالحكمة فيما صنع والإتقان لما اخترع، فلا يخفى عنه شيء.
وهاتان الصفتان منفيتان عن عيسى.
ويجوز في : لهو، من الإعراب ما جاز في : لهو القصص، وتقديم ذكر فائدة الفصل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وجمعت هذه الآيات من البلاغة : التنبيه والإشارة والجمع بين حرفي التأكيد، وبالفصل في قوله :﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ وفي :﴿وإنّ الله لهو العزيز﴾ والإختصاص في :﴿عليم بالمفسدين﴾ وفي :﴿وليّ المؤمنين﴾ والتجوز بإطلاق اسم الواحد على الجمع في :﴿إلى كلمة سواء﴾ وباطلاق اسم الجنس على نوعه في :﴿يا أهل الكتاب﴾ إذا فسر باليهود.
والتكرار في : إلا الله، و : إنّ الله، وفي : يا أهل الكتاب تعالوا، يا أهل الكتاب لم.
وفي : إبراهيم، و : ما كان إبراهيم، و : إن أولى الناس بإبراهيم.
والتشبيه في : أرباباً، لما أطاعوهم في التحليل والتحريم، وأذعنوا إليهم أطلق عليه : أرباباً تشبيهاً بالرب المستحق للعبادة والربوبية، والإجمال في الخطاب في : يا أهل الكتاب، تعالوا يا أهل الكتاب، لم تحاجون، كقول إبراهيم : يا أبت.

يا أبت وكقول الشاعر :
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينالا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً

وقول الآخر :
بني عمنا لا تنبشوا الشر بيننافكم من رماد صار منه لهيب
والتجنيس المماثل في : أولى وولي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى