اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قال أبو مُسْلِمٍ : هذا الكلام متصل بما قبله، ولا يجوز الوقف على قوله :﴿الْكَاذِبِينَ﴾، وتقدير الآية : فنجعلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِيْنَ بأن هذا هو القصص الحقُ، وعلى هذا التقدير كان حق " إنَّ " أن تكون مفتوحةً، إلا أنها كُسِرَت ؛ لدخول اللاَّمِ في قوله :﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾، كما في قوله :
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١].
قال الباقون : الكلام تمّ عند قوله :﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ وما بعده جملة أخْرَى مستقلة غير مُتعَلِّقةٍ بما قبلها، فَقَوْلُهُ :﴿هَذَا﴾ الكلام إشارةٌ إلى ما تقدم من الدلائلِ والدعاءِ إلى الْمُبَاهَلَةِ، وأخبار عيسى.
وقيل : هو إشارة لما بعده - وهو قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ - وضُعفَ هذا بوجهين :
أحدهما : أنَّ هذا ليس بقصصٍ.
الثاني : أن مقترن بحرف العطف.
واعتذر بعضهم عن الأول، فقال : إن أراد بالقصص الخبر، فيصح على هذا، ويكون التقدير : إن الخبر الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ولكن الاعتراض الثاني باقٍ، لم يُجَبْ عنه.
و " هُوَ " يجوز أن يكون فَصْلاً، و " القصص " خبر " إن "، و " الْحَقُّ " صفته، ويجوز أن يكون " هو " مبتدأ و " الْقَصَصُ " خبره، والجملة خبر " إنَّ ".
والقصص مصدر قولهم : قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يَقُصُّهُ، قَصًّا، وقَصَصاً وأصله : تتبع الأثَر، يقال : فلان خرج يقصُّ أثَرَ فلان، أي : يتبعه، ليعرف أين ذَهَبَ. ومنه قوله :﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، أي، اتبعي أثره، وكذلك القاصّ في الكلام، لأنه يتتبع خَبراً بعد خبر. وقد تقدم التنبيه على قراءتي " لهْو " بسكون الهاء وضمها ؛ إجراء لها مجرى عضد.
قال الزمخشريُّ : فإن قلتَ : لم جاز دخولُ اللامِ على الفَصْل ؟
قلت : إذا جاز دخولُها على الخبر كان دخولُها على الفَصْل أجودَ ؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ.
قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ مبتدأ، و " مِنْ " مزيدة فيه، و " إلاَّ اللهُ " خبره، تقديره : ما إلَهٌ إلا اللهُ، وزيدت " مِنْ " للاستغراق والعموم.
قال الزمخشريُّ : و " مِنْ " - في قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ - بمنزلة البناء على الفتح في : لا إلَهَ إلا اللهُ - في إفادة معنى الاستغراق.
قال شهابُ الدينِ : الاستغراق في : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، لم نستفده من البناء على الفتح، بل استفدناه من " مِنْ " المقدَّرة، الدالة على الاستغراق، نَصَّ النحويون على ذلك، واستدلوا عليه بظهورها في قول الشاعر :[ الطويل ]
فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ *** وَقَالَ : ألاَ لاَ مِنْ سَبيلٍ إلَى هِنْدٍ(١)
الثاني : أن يكون الخبر مُضْمَراً، تقديره : وما من إله لنا إلا الله، و ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ بدل من موضع ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾، لأن موضعه رفع بالابتداء، ولا يجوز في مثله الإبدالُ من اللفظ، لِئَلاّ يلزم زيادة " مِنْ " في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور.
ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد " إِلاَّ " على الاستثناء، ولكن لم يُقرأ به، إلا أنَّه جائز لُغَةً أنْ يُقَالَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ - برفع لفظ الجلالة بدلاً من الموضع، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر ؛ إذ التقدير : لا إله استقر لنا إلا الله.
وقال بَعْضُهُم : دخلت " مِنْ " لإفادة تأكيد النفي ؛ لأنك لو قلتَ : ما عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس. فإذا قلتَ : ما عندي من الناس من أحدٍ، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون عندك كلهم أوْلَى، فثبت أن قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحدُ الحقُّ.
قوله :﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كقوله :﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وفيه إشارةٌ إلى الجواب عن شبهات النَّصَارَى، لأن اعتمادَهم على أمرين :
أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتَى وإبراء الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فكأنه - تعالى - قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لا بُدَّ وأن يكون عزيزاً، غالباً، لا يدفع، ولا يمنع، وأنتم اعترفتم بأن عيسى - عليه السلام - ما كان كذلك، بل قلتم : إنّ اليهودَ قتلوه.
والثاني : أنهم قالوا : إنه كان يُخبر عن الغيوب وغيرها، فكأنه - تعالى - قال : هذا القدرُ من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لا بد وأن يكون حَكِيماً، أي : عالماً بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمورِ.
فَذِكرُ العزيز الحكيم - هاهنا - إشارةٌ إلى الجواب عن هاتَيْنِ الشبهتين، ونظير هذه الآية ما ذكر تعالى في أول السورة من قوله :
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١].
قال الباقون : الكلام تمّ عند قوله :﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ وما بعده جملة أخْرَى مستقلة غير مُتعَلِّقةٍ بما قبلها، فَقَوْلُهُ :﴿هَذَا﴾ الكلام إشارةٌ إلى ما تقدم من الدلائلِ والدعاءِ إلى الْمُبَاهَلَةِ، وأخبار عيسى.
وقيل : هو إشارة لما بعده - وهو قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ - وضُعفَ هذا بوجهين :
أحدهما : أنَّ هذا ليس بقصصٍ.
الثاني : أن مقترن بحرف العطف.
واعتذر بعضهم عن الأول، فقال : إن أراد بالقصص الخبر، فيصح على هذا، ويكون التقدير : إن الخبر الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ولكن الاعتراض الثاني باقٍ، لم يُجَبْ عنه.
و " هُوَ " يجوز أن يكون فَصْلاً، و " القصص " خبر " إن "، و " الْحَقُّ " صفته، ويجوز أن يكون " هو " مبتدأ و " الْقَصَصُ " خبره، والجملة خبر " إنَّ ".
والقصص مصدر قولهم : قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يَقُصُّهُ، قَصًّا، وقَصَصاً وأصله : تتبع الأثَر، يقال : فلان خرج يقصُّ أثَرَ فلان، أي : يتبعه، ليعرف أين ذَهَبَ. ومنه قوله :﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، أي، اتبعي أثره، وكذلك القاصّ في الكلام، لأنه يتتبع خَبراً بعد خبر. وقد تقدم التنبيه على قراءتي " لهْو " بسكون الهاء وضمها ؛ إجراء لها مجرى عضد.
قال الزمخشريُّ : فإن قلتَ : لم جاز دخولُ اللامِ على الفَصْل ؟
قلت : إذا جاز دخولُها على الخبر كان دخولُها على الفَصْل أجودَ ؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ.
قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ مبتدأ، و " مِنْ " مزيدة فيه، و " إلاَّ اللهُ " خبره، تقديره : ما إلَهٌ إلا اللهُ، وزيدت " مِنْ " للاستغراق والعموم.
قال الزمخشريُّ : و " مِنْ " - في قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ - بمنزلة البناء على الفتح في : لا إلَهَ إلا اللهُ - في إفادة معنى الاستغراق.
قال شهابُ الدينِ : الاستغراق في : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، لم نستفده من البناء على الفتح، بل استفدناه من " مِنْ " المقدَّرة، الدالة على الاستغراق، نَصَّ النحويون على ذلك، واستدلوا عليه بظهورها في قول الشاعر :[ الطويل ]
فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ *** وَقَالَ : ألاَ لاَ مِنْ سَبيلٍ إلَى هِنْدٍ(١)
الثاني : أن يكون الخبر مُضْمَراً، تقديره : وما من إله لنا إلا الله، و ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ بدل من موضع ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾، لأن موضعه رفع بالابتداء، ولا يجوز في مثله الإبدالُ من اللفظ، لِئَلاّ يلزم زيادة " مِنْ " في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور.
ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد " إِلاَّ " على الاستثناء، ولكن لم يُقرأ به، إلا أنَّه جائز لُغَةً أنْ يُقَالَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ - برفع لفظ الجلالة بدلاً من الموضع، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر ؛ إذ التقدير : لا إله استقر لنا إلا الله.
وقال بَعْضُهُم : دخلت " مِنْ " لإفادة تأكيد النفي ؛ لأنك لو قلتَ : ما عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس. فإذا قلتَ : ما عندي من الناس من أحدٍ، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون عندك كلهم أوْلَى، فثبت أن قوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحدُ الحقُّ.
قوله :﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كقوله :﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وفيه إشارةٌ إلى الجواب عن شبهات النَّصَارَى، لأن اعتمادَهم على أمرين :
أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتَى وإبراء الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فكأنه - تعالى - قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لا بُدَّ وأن يكون عزيزاً، غالباً، لا يدفع، ولا يمنع، وأنتم اعترفتم بأن عيسى - عليه السلام - ما كان كذلك، بل قلتم : إنّ اليهودَ قتلوه.
والثاني : أنهم قالوا : إنه كان يُخبر عن الغيوب وغيرها، فكأنه - تعالى - قال : هذا القدرُ من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لا بد وأن يكون حَكِيماً، أي : عالماً بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمورِ.
فَذِكرُ العزيز الحكيم - هاهنا - إشارةٌ إلى الجواب عن هاتَيْنِ الشبهتين، ونظير هذه الآية ما ذكر تعالى في أول السورة من قوله :
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].
١ تقدم برقم ١٠٦..