فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما ادّعت كل واحدة من طائفتي اليهود والنصارى أن إبراهيم عليه السلام كان على دينهم ردّ الله سبحانه ذلك عليهم، وأبان بأن الملة اليهودية، والملة النصرانية إنما كانتا من بعده. قال الزجاج : هذه الآية أبين حجة على اليهود، والنصارى أن التوراة، والإنجيل نزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب. انتهى. وفيه نظر، فإن الإنجيل مشحون بالآيات من التوراة، وذكر شريعة موسى، والاحتجاج بها على اليهود، وكذلك الزبور فيه في مواضع ذكر شريعة موسى، وفي أوائله التبشير بعيسى، ثم في التوراة ذكر كثير من الشرائع المتقدّمة، يعرف هذا كل من عرف هذه الكتب المنزلة. وقد اختلف في قدر المدّة التي بين إبراهيم وموسى، والمدّة التي بين موسى، وعيسى. قال القرطبي : يقال : كان بين إبراهيم، وموسى ألف سنة، وبين موسى، وعيسى ألفا سنة. وكذا في الكشاف. قوله :﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي : تتفكرون في دحوض حجتكم، وبطلان قولكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فنزل فيهم :﴿يا أهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ الآية. وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية :﴿ها أَنتُمْ هؤلاء حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ يقول فيما شهدتم، ورأيتم، وعاينتم :﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يقول فيما لم تشهدوا، ولم تروا، ولم تعاينوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدّي، في الآية قال : أما الذي لهم به علم، فما حرّم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم فشأن إبراهيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : يعذر من حاجّ بعلم، ولا يعذر من حاجّ بالجهل. وأخرج ابن جرير، عنه عن الشعبي، في قوله :﴿مَا كَانَ إبراهيم﴾ قال : أكذبهم الله، وأدحض حجتهم. وأخرج أيضاً عن الربيع مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان نحوه.
وأخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب حدّثني ابن غنم ؛ أنه لما خرج أصحاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي، فذكر قصتهم معه، وما قالوه له لما قال له عمرو بن العاص إنهم يشتمون عيسى، وهي قصة مشهورة ؛ ثم قال : فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم على رسول الله ﷺ، وهو بالمدينة :﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم﴾ الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال :«إن لكل نبيّ ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي خليل ربي، ثم قرأ :﴿إِنَّ أَوْلَى الناس﴾ الآية» وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحكم بن ميناء ؛ أن رسول الله ﷺ قال :«يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبيّ المتقون، فكونوا أنتم سبيل ذلك، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحملونها، فأصدّ عنكم بوجهي، ثم قرأ عليهم :﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم﴾ الآية» وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال : كل مؤمن وليّ إبراهيم ممن مضى، وممن بقي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى