الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ : منصوبٌ على الظرفِ لأنه بمعنى أول النهار، قال الربيع بن زياد العبسي :
أي بأوله. وفي ناصبِ هذا الظرفِ وجهان :
أحدُهما : وهو الظاهرُ أنهُ فعلُ الأمرِ مِنْ قولِهِ :" آمِنوا " ِأي : أَوْقِعوا إيمانَكم في أول النهار، وأوقعوا كُفْرَكم في آخره.
الثاني : أنه " أُنْزل " أي : آمنوا بالمُنَزَّل في أول النهار، وليس ذلك بظاهرٍ بدليلِ المقابلةِ في قولِهِ :﴿وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ﴾ فإنَّ الضميرَ يعودُ على النهارِ، ومَنْ جَوَّزَ الوجهَ الثاني جَعَلَ الضميرَ يعودُ على الذي أُنْزِلَ، أي : واكفروا آخر المُنَزَّل، وأسبابُ النزولِ تخالف هذا التأويل.
وفي هذا البيت الذي أنشدته فائدةٌ رأيت ذِكْرَها، وذلك أنه من قصيدةٍ يرثي بها مالك بن زهير بن حريمة العبسي وبعده :
ومعنى الأبياتِ يَحْتاجُ إلى معرفةِ اصطلاحِ العربِ في ذلك، وهو أَنَّهُمْ كانوا إذا قُتِلَ لهم قتيلٌ لا تقوم عليه نائِحَةٌ ولا تَنْدُبُهُ نادبةٌ حتى يُؤْخَذَ بثأره، فقال هذا : مَنْ سَرَّة قَتْلُ مالكٍ فَلْيَأْتِ في أولِ النهار يَجِدْنَا قد أَخَذْنَا بثأرِهِ، فَذَكَر اللازم للشيء، فهو من بابِ الكناية.
ويُحْكَى أنَّ الشيباني سأل الأصمعيَّ : كيف تُنْشِدُ قولَ الربيع : حين بَدَأْنَ أو بَدَيْن ؟ فردَّدَهُ بين الهمزة والياء. فقال الأصمعي : بَدَأْنَ، فقال : أخطأت، فقال : بَدَيْنَ، فقال : أخطأت فغضِبَ لها الأصمعي، وكان الصوابُ أن يقولَ : بَدَوْنَ بالواو، لأنه من بدا يبدو، أي : ظهر. فأتى الأصمعي يوماً للشيباني فقال له : كيف تُصَغِّرُ مختاراً ؟ فقال : أقول مُخَيْتير، فضحك منه وصَفَّق بيديه وشَنَّع عليه في حَلقته، وكان الصوابُ أن يقول : مُخَيِّر بتشديد الياء، وذلك أنه اجتمع زائدان : الميم والتاء، والميمُ أَوْلى بالبقاء لعلة ذكرها التصريفيون، فَأَبْقاها، وحَذَفَ التاءَ، وأتى بياءِ التصغير فَقَلَبَ لأجلها الألفَ ياءً، وأَدْغَمها فيها، فصارَ " مُخَيِّراً " كما تَرَى، وهو يحتمل أن يكونَ اسمَ فاعل أو اسمَ مفعولٍ كما كان يحتملهما مُكَبَّرُه، وهذا أيضاً يُلْبَسً باسمِ فاعل خَيَّر يُخَيِّر فهو مُخيِّر، والقرائِنُ تُبيِّنُهُ.
ومفعول " يَرْجِعُون " محذوفٌ أيضاً اقتصاراً أي : لعلهم يكونون مِنْ أهلِ الرجوع، أو اختصاراً أي : يَرْجِعُونَ إلى دينكم وما أنتم عليه.
| مَنْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ | فَلْيَأْتِ نسوتَنا بوجهِ نهارِ |
أحدُهما : وهو الظاهرُ أنهُ فعلُ الأمرِ مِنْ قولِهِ :" آمِنوا " ِأي : أَوْقِعوا إيمانَكم في أول النهار، وأوقعوا كُفْرَكم في آخره.
الثاني : أنه " أُنْزل " أي : آمنوا بالمُنَزَّل في أول النهار، وليس ذلك بظاهرٍ بدليلِ المقابلةِ في قولِهِ :﴿وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ﴾ فإنَّ الضميرَ يعودُ على النهارِ، ومَنْ جَوَّزَ الوجهَ الثاني جَعَلَ الضميرَ يعودُ على الذي أُنْزِلَ، أي : واكفروا آخر المُنَزَّل، وأسبابُ النزولِ تخالف هذا التأويل.
وفي هذا البيت الذي أنشدته فائدةٌ رأيت ذِكْرَها، وذلك أنه من قصيدةٍ يرثي بها مالك بن زهير بن حريمة العبسي وبعده :
| يَجِدَ النساءَ حواسراً يَنْدُبْنَهُ | يَلْطِمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسحارِ |
| قَدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوجوهَ تَسَتُّراً | فاليومَ حين بَدَوْنَ للنُّظَّارِ |
ويُحْكَى أنَّ الشيباني سأل الأصمعيَّ : كيف تُنْشِدُ قولَ الربيع : حين بَدَأْنَ أو بَدَيْن ؟ فردَّدَهُ بين الهمزة والياء. فقال الأصمعي : بَدَأْنَ، فقال : أخطأت، فقال : بَدَيْنَ، فقال : أخطأت فغضِبَ لها الأصمعي، وكان الصوابُ أن يقولَ : بَدَوْنَ بالواو، لأنه من بدا يبدو، أي : ظهر. فأتى الأصمعي يوماً للشيباني فقال له : كيف تُصَغِّرُ مختاراً ؟ فقال : أقول مُخَيْتير، فضحك منه وصَفَّق بيديه وشَنَّع عليه في حَلقته، وكان الصوابُ أن يقول : مُخَيِّر بتشديد الياء، وذلك أنه اجتمع زائدان : الميم والتاء، والميمُ أَوْلى بالبقاء لعلة ذكرها التصريفيون، فَأَبْقاها، وحَذَفَ التاءَ، وأتى بياءِ التصغير فَقَلَبَ لأجلها الألفَ ياءً، وأَدْغَمها فيها، فصارَ " مُخَيِّراً " كما تَرَى، وهو يحتمل أن يكونَ اسمَ فاعل أو اسمَ مفعولٍ كما كان يحتملهما مُكَبَّرُه، وهذا أيضاً يُلْبَسً باسمِ فاعل خَيَّر يُخَيِّر فهو مُخيِّر، والقرائِنُ تُبيِّنُهُ.
ومفعول " يَرْجِعُون " محذوفٌ أيضاً اقتصاراً أي : لعلهم يكونون مِنْ أهلِ الرجوع، أو اختصاراً أي : يَرْجِعُونَ إلى دينكم وما أنتم عليه.