كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ؛ حكايةُ قولِ كعب بن الأشرَف وأصحابه قالوا لليهودِ : لا تصدِّقوا إلاَّ لِمن تَبعَ دينَكم اليهوديَّة، وصلَّى إلى قِبلتكم نحوَ بيتِ المقدس.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ ؛ قال بعضُهم : هذا كلامُ مُعْتَرِضٌ بين كَلاَمَي اليهودِ، ويجوزُ دخولُ العارضِ بين الكلامين اذا احتيجَ إليه كما دخلَ على قولهِ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾[الكهف: ٣٠] ثم عَادَ إلى أوَّل الكلامِ فقالَ تعالى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾[الكهف: ٣١] كذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ عارضَ ثم عادَ إلى كلامِ اليهود، فقالَ تعالى :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾ ؛ أي قالُوا لا تصدِّقوا أن يعطَى أحدٌ من الكتاب والعلم مثلَ ما أعطيتُم ؛ ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ ؛ أي يحاجكم أحدٌ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ و ؛ ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ؛ فلا تُنْكِروا أن يُؤْتِهِ غيرَكم.
وقال بعضُهم : ليسَ في الآيةِ تقديمٌ وتأخير، ومعناهُ : قالَت اليهودُ : ولا تؤمِنُوا إلاَّ لِمن تَبعَ دينَكم، قلْ يَا مُحَمَّدُ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ ؛ فَلاَ تَجحدوا أن يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يُحَاجُّكُمْ أحدٌ عند ربَّكم، (قُلْ) : إنَّ الْفَضْلَ بيَدِ اللهِ، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي النبوة والكتاب والهدى بقدرة الله تعالى يعطيه من يشاء، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي واسعُ الفضلِ والقدرةِ، عَلِيْمٌ بمن هوَ من أهلِ الفضلِ.
وقيل معنى الآيةِ : ولاَ تؤمنُوا إلاَّ لِمن تَبعَ دينَكم أي ملَّتَكم، ولا تؤمنُوا إلاَّ أنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من العلمِ والحكمَةِ ؛ والكتاب والحجة ؛ والْمَنِّ وَالسَّلوى ؛ وفَلْقِ البحرِ وغيرِها من الكرامَات، ولا تؤمنُوا إلاَّ أنْ يجادلُوكم عند ربكم لأنكم أصحُّ ديناً منهم، وهذا قولُ مجاهدٍ.
وقال ابن جُريج :(مَعْنَاهُ : أنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لِسَفَلَتِهِمْ : لاَ تُؤْمِنُواْ إلاَّ لِمَنْ تَبعَ دِيْنَكُمْ كَرَاهَةَ أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ مَا أُوْتِيْتُمْ ؛ فَأيُّ فَضْلٍ يَكُونُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ عَمِلُواْ مَا عَمِلْتُمْ، وَحِيْنَئذٍ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبكُمْ فَيَقُولُونَ : عَرَفْتُمْ أنَّ دِيْنَنَا حَقٌّ ؛ فَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ لِئَلاَّ يَعْلَمُواْ مِثْلَ مَا عَلِمْتُمْ فَلاَ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبكُمْ). ويجوزُ أن تكونَ (إلاَّ) على هذا القول مضمرةً لقولهِ تعالى :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾[النساء: ١٧٦] ويكونُ تقديرُه : ولاَ تؤمنوا إلاَّ لِمَنْ تَبعَ دينَكم ؛ لئلاَّ يؤتَى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم ؛ لئلا يحاجُّوكم به عند ربكم.
وقرأ الحسنُ والأعمش (إنْ يُؤْتَى) بكسرِ الألف، وجهُ هذه القراءةِ : أنَّ هذا مِن قول الله عَزَّ وَجَلَّ بلا اعتراضٍ، وأن يكونَ كلامُ اليهود منتهياً عندَ قوله ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. ومعنى الآية : قُلْ يَا مُحَمَّدُ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أنْ يؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ أو يُحَاجُّوكُمْ ؛ يعني : إلاَّ أنْ يحاجُّوكم أي يجادِلوكُم اليهودُ بالباطلِ فيقولوا نحنُ أفضلُ مِنكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى