جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ قُلْ إِنّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديا. وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود :
﴿آمِنُوا بِالّذِي أُنْزِلَ على الّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النّهَارِ﴾. واللام التي في قوله :﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ نظيرة اللام التي في قوله :﴿عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ بمعنى : ردفكم ﴿بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هذا قول بعضهم لبعض.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ قال : لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب : قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ قال : لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم لا من خالفه، فلا تؤمنوا به.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجّوكُمْ عِنْدَ رَبّكُمْ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : قوله :﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ﴾ اعترض به في وسط الكلام خبرا من الله عن أن البيان بيانه والهدى هداه. قالوا : وسائر الكلام بعد ذلك متصل بالكلام الأوّل خبرا عن قيل اليهود بعضها لبعض. فمعنى الكلام عندهم : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو أن يحاجوكم عند ربكم : أي ولا تؤمنوا أن يحاجكم أحد عند ربكم. ثم قال الله عزّ وجلّ لنبيه ﷺ : قل يا محمد إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وإن الهدى هدى الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ : حسدا من يهود أن تكون النبوّة في غيرهم، وإرادة أن يتبعوا على دينهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : تأويل ذلك : قل يا محمد إن الهدى هدى الله، إن البيان بيان الله أن يؤتى أحد، قالوا : ومعناه : لا يؤتى أحد من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال :﴿يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا﴾ بمعنى لا تضلون، وكقوله :﴿كذلك سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني : أن لا يؤمنوا ﴿مِثْلَ ما أوتِيتُمْ﴾. يقول : مثل ما أوتيت أنت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، أو يحاجوكم عند ربكم. قالوا : ومعنى «أو » إلا : أي إلا أن يحاجوكم، يعني إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فعل بهم ربكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قال الله عزّ وجلّ لمحمد ﷺ :﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ يقول : مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، أو يحاجوكم عند ربكم، تقول اليهود : فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المنّ والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا :﴿إنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. . . الآية.
فعلى هذا التأويل جميع هذا الكلام ( أَمْر ) من الله لنبيه محمد ﷺ أن يقوله لليهود، وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه، والهدى الثاني ردّ على الهدى الأوّل، و«أن » في موضع رفع على أنه خبر عن الهدى.
وقال آخرون : بل هذا أمر من الله لنبيه أن يقوله لليهود، وقالوا : تأويله : قل يا محمد إن الهدى هدى الله، أن يؤتى أحد من الناس مثل ما أوتيتم، يقول : مثل الذي أوتيتموه أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم، فلا تحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم، مثل الذي أعطيتكم من فضلي، فإن الفضل بيدي أوتيه من أشاء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يقول : لما أنزل الله كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك¹ ﴿قُلْ إنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ﴾. . . الاَية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
وقال آخرون : بل تأويل ذلك : قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله. قالوا : وهذا آخر القول الذي أمر الله به نبينا محمدا ﷺ أن يقول لليهود من هذه الآية، قالوا : وقوله :﴿أوْ يُحاجّوكُمْ﴾ مردود على قوله :
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وتأويل الكلام على قول أهل هذه المقالة : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحقّ أن يحاجوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه، فاخترتموه أنه محقّ، وأنكم تجدون نعته في كتابكم. فيكون حينئذ قوله :﴿أوْ يُحاجّوكُمْ﴾ مردودا على جواب نهي متروك على قول هؤلاء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ يقول : هذا الأمر الذي أنتم عليه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، قال : قال بعضهم لبعض : لا تخبروهم بما بين الله لكم في كتابه ليحاجوكم، قال : ليخاصموكم به عند ربكم.
﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ﴾ معترض به، وسائر الكلام متسق على سياق واحد. فيكون تأويله حينئذ : ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، بمعنى : لا يؤتى أحد بمثل ما أوتيتم، ﴿أو يُحاجّوكُمْ عِنْدَ رَبّكُمْ﴾ بمعنى : أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم، لأنكم أكرم على الله منهم بما فضلكم به عليهم. فيكون الكلام كله خبرا عن قول الطائفة التي قال الله عزّ وجلّ ﴿وَقَالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بالّذِي أُنْزِلَ على الّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النّهارِ﴾ سوى قوله :﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللّهِ﴾ ثم يكون الكلام مبتدأ بتكذيبهم في قولهم : قل يا محمد للقائلين ما قالوا من الطائفة التي وصفت لك قولها لتبّاعها من اليهود ﴿إنّ الهُدَى هُدَى الله﴾ إن التوفيق توفيق الله، والبيان بيانه، وإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود. وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، لأنه أصحها معنى، وأحسنها استقامة على معنى كلام العرب، وأشدّها اتساقا على نظم الكلام وسياقه، وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعد من الصحة على استكراه شديد الكلام.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ إنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين وصفت قولهم لأوليائهم : إن الفضل بيد الله، إن التوفيق للإيمان، والهداية للإسلام بيد الله، وإليه دونكم ودون سائر خلقه، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقه، يعني : يعطيه من أراد من عباده تكذيبا من الله عزّ وجلّ لهم في قولهم لتبّاعهم : لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. فقال الله عزّ وجلّ لنبيه ﷺ : قل لهم : ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيده الأشياء كلها، وإليه الفضل، وبيده يعطيه من يشاء. ﴿وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني : والله ذو سعة بفضله على من يشاء أن يتفضل عليه عليم ذو علم بمن هو منهم للفضل أهل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن ابن جريج، في قوله :﴿قُلْ إنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مِنَ يَشاءُ﴾ قال : الإسلام.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديًّا.
* * *
وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود:"آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار".
* * *
و"اللام" التي في قوله:"لمن تبع دينكم"، نظيرة"اللام" التي في قوله: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ)، بمعنى: ردفكم، (بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) [سورة النمل: ٧٢].
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٢٤٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم"، هذا قول بعضهم لبعض.
٧٢٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
٧٢٤٧ م - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم" قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.
٧٢٤٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن يزيد في قوله:
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: قوله:"قل إنّ الهدى هدى الله"، اعتراضٌ به في وسط الكلام، (٢) خبرًا من الله عن أن البيان بيانُه والهدى هُداه. قالوا: وسائرُ الكلام بعدَ ذلك متصلٌ بالكلام الأول، خبرًا عن قِيل اليهود بعضها لبعض. (٣) فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، أو أنْ يحاجُّوكم عند ربكم = أي: ولا تؤمنوا أن يحاجّكم أحدٌ عند ربكم. ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد:"إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء"، و"إن الهدى هدى الله".
ذكر من قال ذلك:
٧٢٤٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"، حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا على دينهم.
(٢) في المطبوعة: "اعترض به في وسط الكلام، خبر من الله..." والصواب ما في المخطوطة كما أثبته.
(٣) في المطبوعة هنا أيضًا: "خبر عن قيل اليهود" برفع الخبر، والصواب من المخطوطة.
* * *
وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد:"إن الهدى هدى الله"، إنّ البيان بيانُ الله ="أن يؤتى أحدٌ"، قالوا: ومعناه: لا يؤتى أحدٌ من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) [سورة النساء: ١٧٦]، بمعنى: لا تضلون، وكقوله: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) [سورة الشعراء: ٢٠٠-٢٠١]، يعني: أن لا يؤمنوا ="مثل ما أوتيتم"، يقول: مثل ما أوتيتَ، أنت يا محمد، وأمتك من الإسلام والهدى ="أو يحاجوكم عند ربكم"، قالوا: ومعنى"أو":"إلا"، أيْ: إلا أن"يحاجوكم"، يعني: إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فَعل بهم ربُّكم. (١)
ذكر من قال ذلك:
٧٢٥١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم:"قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم"، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ="أو يحاجوكم عند ربكم"، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى = فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا:"إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء"، الآية.
* * *
فعلى هذا التأويل، جميع هذا الكلام، [أمرٌ] من الله نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقوله لليهود، (٢) وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه. و"الهدى"
(٢) في المطبوعة: "جميع هذا الكلام من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم"، وفي المخطوطة"جميع هذا الكلام من الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم"، ولما رأى الناشر عبارة لا تستقيم، اجتهد في إصلاحها، والصواب القريب زيادة ما زدته بين القوسين، سقط من الناسخ"أمر" لقرب رسمها مما بعدها وهو: "من". وقد استظهرته مما سيأتي في أول الفقرة التالية.
* * *
وقال آخرون: بل هذا أمر من الله نبيَّه أن يقوله لليهود. (١) وقالوا: تأويله:"قل" يا محمد"إن الهدى هُدى الله أن يؤتى أحد" من الناس"مثل ما أوتيتم"، يقول: مثل الذي أوتيتموه أنتُم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم، فلا تحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم، مثلَ الذي أعطيتكم من فضلي، فإن الفضل بيدي أوتيه من أشاء.
ذكر من قال ذلك:
٧٢٥٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"قل إن الهدى هدى الله أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم"، يقول: لما أنزل الله كتابًا مثلَ كتابكم، وبعثَ نبيًّا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك ="قلْ إنّ الفضلَ بيد الله"، الآية.
٧٢٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
وقال آخرون: بل تأويل ذلك:"قل" يا محمد:"إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم" أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله. قالوا: وهذا آخر القول الذي أمرَ الله به نبينا محمدًا ﷺ أن يقوله لليهود من هذه الآية. قالوا: وقوله:"أو يحاجوكم"، مردود على قوله:"ولا تؤمنوا إلا لمن تَبع دينكم".
وتأويل الكلام - على قول أهل هذه المقالة -: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحقَّ: أنّ يحاجُّوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه فاخترتموه: أنه محقٌّ، وأنكم تجدون نعته في كتابكم. فيكون حينئذ قوله:"أو يحاجوكم" مردودًا
ذكر من قال ذلك:
٧٢٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"، يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ="أو يحاجوكم عند ربكم"، قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيَّن الله لكم في كتابه، ليحاجُّوكم = قال: ليخاصموكم = به عند ربكم ="قل إن الهدى هدى الله".
* * *
[قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون قوله:"قل إن الهدى هُدى الله"] = معترضًا به، (١) وسائر الكلام متَّسِقٌ على سياقٍ واحد. فيكون تأويله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، (٢) ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = بمعنى: لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = (٣) "أو يحاجوكم عند ربكم"، بمعنى: أو أن يحاجوكم عند ربكم........ (٤) أحد بإيمانكم،
(٢) في المطبوعة: "اتبع دينكم"، والصواب من المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "بمثل ما أوتيتم" زاد"باء"، والصواب من المخطوطة.
(٤) موضع هذه النقط سقط، لا أشك فيه، وكان في المطبوعة: "أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم"، وهو غير مستقيم، وكان في المخطوطة: "أو أن يحاجوكم عند ربكم أحد بإيمانكم"، وهو كلام مختل، حمل ناشر المطبوعة الأولى على تغييره، كما رأيت. وظاهر أنه سقط من هذا الموضع، سياق أبي جعفر لهذا التأويل الذي اختاره، ورد فيه قوله تعالى: "قل إن الهدى هدى الله"، إلى موضعها بعد قوله: "أو يحاجوكم به عند ربكم"، كما هو بين من كلامه. وأنا أظن أن قوله: "أحد بايما لم" وهكذا كتبت في المخطوطة غير منقوطة، صوابها"حسدا لما آتاكم"، كما يستظهر من الآثار السالفة.
هذا، وإن شئت أن تجعل الكلام جاريًا كله مجرى واحدًا على هذا: "أو أن يحاجوكم عند ربكم، حسدًا لما آتاكم، لأنكم أكرم على الله منهم..."، كان وجهًا، غير أني لست أرتضيه، بل أرجح أن هاهنا سقطًا لا شك فيه.
وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، (٣) لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه. وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِمٌ (٧٣)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قل" يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفتُ قولهم لأوليائهم ="إنّ الفضل بيد الله"، إنّ التوفيق للإيمان والهدايةَ للإسلام، (٤) بيد الله وإليه، دونكم ودون سائر خلقه ="يؤتيه من يشاء" من
(٢) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف ١: ١٦٦-١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩، ٥٤٩-٥٥١ / ٣: ١٠١، ١٤٠، ١٤١، ٢٢٣ / ٤: ٢٨٣.
(٣) من ذكر الطبري اختياره، تبين بلا ريب أن في صدر الكلام سقطًا، كما أسلف في ص: ٥١٥، تعليق: ١، ولعل الزيادة التي أسلفتها، قد نزلت منزلها من الصواب إن شاء الله.
(٤) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف ٢: ٣٣٤ / ٥: ٥٧١.