الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ : في هذه اللام وجهان :
أحدهما : أنها زائدةٌ مؤكدةٌ، كهي في قوله تعالى :﴿رَدِفَ لَكُم﴾[النمل: ٧٢] أي : رَدِفَكم، وقول الآخر :
وقول الآخر :
أي : أَنَخْنَا الكلاكل، وأَخْدَعُ الخليلَ، ومثلُه :
يريد : يَذُمُّون الدنيا، ويروي " بالدنيا " بالباء، وأظن البيت :" يَذُمُّونَ لي الدنيا " فاشتَبَه اللفظُ على السامعِ، وكذا رأيتُه في بعضِ التفاسيرِ، وهذا ليس بقويٍ.
والثاني : أنَّ " أَمِنَ " ضُمِّنَ معنى أَقَرَّ واعترَفَ، فَعُدِّي باللام أي : ولا تُقِرُّوا ولا تَعْتَرِفوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، ونحوُه :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى﴾
[يونس: ٨٣] ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧]. وقال أبو علي :" وقد تعدَّى " آمَن " باللام في قولِهِ :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى﴾ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١]﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فذَكَرَ أنه يتعدَّى بها من غيرِ تضمين. والصوابُ ما قَدَّمْتُه من التضمينِ، وقد حَقَقْتُ هذا أولَ البقرة.
وهذا اسثناءٌ مفرغ، وقال أبو البقاء :" إلاَّ لِمَنْ تَبع " فيه وجهان :
أحدُهما : أنه استثناءٌ مِمَّا قبلَه، والتقديرُ : ولا تُقِرُّوا إلا لِمَنْ تَبع " فعلى هذا اللامُ غيرُ زائدةٍ، ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً، ويكون محمولاً على المعنى أي : اجْحَدُوا كلَّ أحدٍ مَنْ تَبعَ،
والثاني : أنَّ النيةَ به التأخيرُ والتقديرُ : ولا تُصَدِّقوا أنْ يؤتَى أحَدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا مَنْ تَبع دينَكم، فاللامُ على هذا زائدَةٌ، و " مَنْ " في موضِعِ نصبٍ على الاستثناء من " أحد ".
وقال الفارسي :" الإِيمانُ لا يتعدَّى إلى مفعولين فلا يتعلَّقُ أيضاً بجارَّيْن، وقد تُعلّق بالجارّ المحذوفِ مِنْ قولِهِ :﴿أَن يُؤْتَى﴾ فلا يتعلَّقُ باللامِ في قوله :﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلا أَنْ يُحمل الإِيمانُ على معناه، فيتعدَّى إلى مفعولين، ويكونُ المعنى :" ولا تُقِرُّوا بأَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا لمَنْ تَبعَ دينكم " كما تقولُ : أَقْرَرَتُ لزيدٍ بألف، فتكونُ اللامُ متعلقةً بالمعنى، ولا تكونُ زائدةً على حدِّ ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ". قلت : فهذا تصريحٌ من أبي علي بأنه ضُمِّنَ آمَنَ معنى أَقَرَّ.
قوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ اعلم أنَّ في هذه الآية كلاماً كثيراً لا بد من إيرادِهِ عن قائليهِ ليتضحَ ذلك، فأقولُ وباللهِ العون :
اختلفَ الناس في هذه الآيةِ على [ وجوهٍ :] أحدُها : أنْ يكونَ ﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ متعلِّقاً بقوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ﴾ على حذف حرفِ الجر، والأصلُ :
" ولاتؤمنوا بأَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لِمَنْ تَبعَ دينَكم " فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجَرِّ جرى الخلاف المشهورُ بين الخليل وسيبويه في محل " أَنْ "، ويكونُ قولُهُ :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ جملةً اعتراضيةً، قال الزمخشري في تقريرِ هذا الوجهِ وبه بدأ :" ولا تُؤْمِنُوا متعلِّقٌ بقولِهِ :" أَنْ يُؤْتَى أحد "، وما بينهما اعتراضٌ أي :" ولا تُظْهِرُوا إيمانكم بأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دونَ غيرِهم، أرادوا : أسِرُّوا تصديقَكم بأنَّ المسلمين قد أُوتوا مثلَ ما أوتيتم ولا تُفْشُوه إلا لأشياعِكم وحدَهم دونَ المسلمين، لئلا يَزيدَهم ثباتاً، ودونَ المشركين لئلا يَدْعُوهم إلى الإِسلام، أو يُحاجُّوكم عطفٌ على " أَنْ يُؤْتَى ".
والضميرُ في " يُحاجُّوكم " لأحد لأنه في معنى الجميع، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، فإن المسلمين يُحاجُّوكم عند ربكم بالحق، ويغالِبونُكم عند الله. فإنْ قلت : ما معنى الاعتراض ؟ قلت : معناه أن الهدى هدى الله، مَنْ شاءَ أَنْ يلطف به حتى يُسْلِمَ أو يَزيدَ ثباتاً كان ذلك، ولم ينفع كَيْدُكم وحِيَلُكُم وزيُّكُم تصديقكم عن المسلمين والكافرين، وكذلك قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ يريد الهدايةَ والتوفيق ". قلت : هذا كلامٌ حسن لولا ما يريد بباطنه، وعلى هذا يكونُ قولُه ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ مستثنًى من شيءٍ محذوف، تقديره : ولا تُؤمِنُوا بأَنْ يُؤْتَى أحد مثلَ ما أوتيتم لأحدٍ من الناسِ إلا لأشياعكم دونَ غيرهم، وتكونَ هذه الجملةُ أعني قولَه : ولا تُؤْمِنُوا إلى آخرها، من كلامِ الطائفةِ المتقدِّمة، أي : وقالَتْ طائفةٌ كذا، وقالَتْ أيضاً : ولا تُؤمِنُوا، وتكونُ الجملةُ من قولِهِ :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ مِنْ كلام اللهِ لا غير.
الثاني : أنَّ اللامَ زائدةٌ في " لِمَنْ تَبعَ " وهو مستثنى من أحد المتأخر، والتقديرُ : ولا تُصَدِّقوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، فَمَنْ تَبعَ منصوبٌ على الاستثناء من " أحد "، وعلى هذا الوجه جَوَّز أبو البقاء في محل " أن يؤتى " ثلاثة أوجهٍ : الأول والثاني مذهبُ الخليل وسيبويه وقد تقدَّما. الثالث : النصبُ على المفعولِ مِنْ أجله تقديرُهُ : مخافَةَ أَنْ يُؤْتَى.
وهذا الوجهُ الثاني لا يَصِحُّ من جهةِ المعنى ولا مِنْ جهةِ الصناعة : أمَّا المعنى فواضحٌ، وأَمَّا الصناعةُ فلأن فيه تقديمَ المستثنى على المستثنى منه وعلى عامله، وفيه أيضاً تقديمُ ما في صلةِ " أَنْ " عليها، وهو غيرُ جائز.
الثالث : أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتَى " مجروراً بحرفِ العلة وهو اللام، والمُعَلَّلُ محذوفٌ تقديرُه : لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وعلى هذا يكونُ كلامُ الطائفةِ قد تَمَّ عند قوله ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ولنوضَّحْ هذا الوجه بما قاله الزمخشري. قال رحمه الله :" أو تمَّ الكلامُ عند قوله :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، على معنى : ولا تُؤمِنُوا هذا الإِيمانَ الظاهرَ وهو إيمانهم وجهَ النهار إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، إلا لِمَنْ كانوا تابِعين لديِنكم مِمَّنْ أسلموا منكم، لأنَّ رجوعَهم كانَ أَرْجَى عندهم مِنْ رُجُوعِ مَنْ سِواهم، ولأنَّ إسلامَهم كان أغيظَ لهم، وقوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ معناه : لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرْتموه لا لشيء آخر، يَعْني أن ما بكم من الحسد والبغي أَنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليلُ عليه قراءة ابن كثير :" أَأَن يُؤْتَى أحد " بزيادةِ همزةِ الاستفهام للتقرير والتوبيخ بمعنى : ألأنْ يُؤْتَى أحدٌ ؟ فإن قلت : فما معنى قوله " أو يُحاجُّوكم " على هذا ؟ قلت : معناه دَبَّرْتُم ما دَبَّرْتُم لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلُ ما أُوتيتم ولِمَا يتصلُ به عند كُفْرِكُم به مِنْ مُحَاجَّتِهم لكم عند رَبِّكم ".
الرابع : أن ينتصِبَ " أَنْ يُؤْتَى بفعلٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه ﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ كأنه قِيل : قل إنَّ الهدى هُدى الله فلا تُنْكروا أَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم، فلا تُنْكِرُوا ناصبٌ لأنْ وما في حَيِّزها، لأنَّ قولَه ﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إنكار لأن يُؤْتَى أحد مثلَ ما أُوتوا. قال الشيخ :" وهذا بعيدٌ لأنَّ فيه حذفَ حرفِ النهي وحَذْفَ معمولِهِ، ولم يُحْفَظْ ذلك من لسانِهم " قلت : متى دَلَّ على العامل دليلٌ جاز حَذْفُه على أيِّ حالةٍ كان.
الخامس : أَنْ يكونَ " هدى الله " بدلاً من " الهدى " الذي هو اسمُ إنَّ، ويكون خبرُ إنَّ :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، والتقديرُ : قل إنَّ هدى الله أَنْ يُؤْتى أحدٌ، أي : إنَّ هدَى اللهِ إيتاءُ أحدٍ مثلَ ما أوتيتم، وتكونَ " أو " بمعنى " حتى "، والمعنى : حتى يُحاجُّوكم عند ربكم فيغلبوكم ويَدْحَضُوا حُجَّتكم عند الله، ولا يكون " أَوْ يُحاجُّوكم " معطوفاً على أَنْ يُؤتى وداخلاً في حَيِّزِ أَنْ.
السادس : أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتَى " بَدَلاً مِنْ هدى الله، ويكون المعنى : قل إنَّ الهدى هدى الله وهو أَنْ يُؤْتَى أحدٌ كالذي جاءنا نحن، ويكونُ قولُه :
" أو يُحاجُّوكم " بمعنى أو فليحاجوكم فإنهم يَغْلبونكم، قاله ابن عطية، وفيه نظرٌ، لأنه يُؤَدِّي إلى حَذْفِ حرفِ النهيِ وإبقاءِ عملِهِ.
السابع : أَنْ تكونَ " لا " النافيةُ مقدرةً قبل " أَنْ يؤتى " فَحُذِفَتْ لدلالةِ الكلام عليها وتكونُ " أو " بمعنى إلاَّ أَنْ، والتقديرُ : ولا تؤمنوا لأحدٍ بشيء إلاَّ لِمَنْ تَبع دينكم بانتفاءِ أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، وجاء بمثله وعاضداً له، فإنَّ ذلك لا يُؤْتاه غيرُكم إلاَّ أنْ يُحاجُّوكم كقولِك : لألْزَمنَّك أو تقضيَني حقي، وفيه ضعفٌ من حيث حَذْفُ " لا " النافية، وما ذكروه من دلالةِ الكلامِ عليها غيرُ ظاهرٍ.
الثامن : أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتى " مفعولاً من أجله، وتحريرُ هذا القولِ أَنْ تجعلَ قولَه :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ ليس داخلاً تحتَ قولِه " قل " بل هو من تمامِ قول الطائفةِ متصلٌ بقولِه : ولا تُؤمِنُوا إلا لِمَنْ جاءَ بمثلِ دينِكم مخافَةَ أَنْ يُؤْتى أحدٌ من النبوةِ والكرامة مثلَ ما أوتيتم، ومخافَةَ أَنْ يُحاجُّوكُم بتصديقِكُم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه. وهذا القولُ منهم ثمرة حسدهم وكفرهم مع معرفتهم بنبوة محمد ﷺ، ولَمَّا قَدَّر المبرد المفعولَ من أجله هنا قَدَّر المضاف : كراهَة أن يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أي : مِمَّن خالَفَ دينَ الإِسلام، لأن الله لا يَهْدِي مَنْ هو كاذب وكَفَّار، فهُدى الله بعيدٌ مِنْ غيرِ المؤمنين، والخطابُ في " أوتيتم " و " يُحاجُّوكم " لأمةِ النبي ﷺ.
واستضعف بعضُهم هذا وقال : كونُ مفعولاً من أجله على تقدير :" كراهةَ " يَحْتاج إلى تقديرِ عاملٍ فيه ويَصْعُبُ تقديرُهُ، إذ قبلَه جملةٌ لا يظهرُ تعليلُ النسبةِ فيها بكراهةِ الإِيتاء المذكور.
التاسع : أنَّ " أَنْ " المفتوحَةَ تأتي للنفي كما تأتي " لا " نَقَل ذلك بعضُهم نصاً عن الفراء، وجَعَل " أو " بمعنى إلا، والتقدير : لا يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلاَّ أَنْ يُحاجُّوكُم، فإنَّ إيتاءَه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم أو مُحاجَّتِكُم عند ربكم، لأنَّ مَنْ آتاه اللهُ الوحيَ لا بد أن يُحاجَّهم عند ربهم في كونِهم لا يتَّبعونه، فقوله :" أو يُحاجُّوكم " حالٌ لازمةٌ مِنْ جهةِ المعنى، إذ لا يُوحي الله لرسولٍ إلا وهو مُحاجٌّ مخالفِيه. وهذا قولٌ ساقط إذ لم يثبت ذلك من لسانِ العرب.
واختلفوا في الجملةِ مِنْ قولِهِ :" ولا تُؤْمِنُوا " هل هي مِن
أحدهما : أنها زائدةٌ مؤكدةٌ، كهي في قوله تعالى :﴿رَدِفَ لَكُم﴾[النمل: ٧٢] أي : رَدِفَكم، وقول الآخر :
| فَلَمَّا أَنْ تواقَفْنَا قليلاً | أَنَخْنا للكلاكِلِ فارتَمَيْنَا |
| ما كنتُ أخدَعُ للخليلِ بخُلَّةٍ | حتى يكونَ لِيَ الخليلُ خَدُوعا |
| يَذُمُّونَ للدنيا وهم يَرْضِعُونَها | أَفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثَعْلُ |
والثاني : أنَّ " أَمِنَ " ضُمِّنَ معنى أَقَرَّ واعترَفَ، فَعُدِّي باللام أي : ولا تُقِرُّوا ولا تَعْتَرِفوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، ونحوُه :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى﴾
[يونس: ٨٣] ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧]. وقال أبو علي :" وقد تعدَّى " آمَن " باللام في قولِهِ :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى﴾ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١]﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فذَكَرَ أنه يتعدَّى بها من غيرِ تضمين. والصوابُ ما قَدَّمْتُه من التضمينِ، وقد حَقَقْتُ هذا أولَ البقرة.
وهذا اسثناءٌ مفرغ، وقال أبو البقاء :" إلاَّ لِمَنْ تَبع " فيه وجهان :
أحدُهما : أنه استثناءٌ مِمَّا قبلَه، والتقديرُ : ولا تُقِرُّوا إلا لِمَنْ تَبع " فعلى هذا اللامُ غيرُ زائدةٍ، ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً، ويكون محمولاً على المعنى أي : اجْحَدُوا كلَّ أحدٍ مَنْ تَبعَ،
والثاني : أنَّ النيةَ به التأخيرُ والتقديرُ : ولا تُصَدِّقوا أنْ يؤتَى أحَدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا مَنْ تَبع دينَكم، فاللامُ على هذا زائدَةٌ، و " مَنْ " في موضِعِ نصبٍ على الاستثناء من " أحد ".
وقال الفارسي :" الإِيمانُ لا يتعدَّى إلى مفعولين فلا يتعلَّقُ أيضاً بجارَّيْن، وقد تُعلّق بالجارّ المحذوفِ مِنْ قولِهِ :﴿أَن يُؤْتَى﴾ فلا يتعلَّقُ باللامِ في قوله :﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلا أَنْ يُحمل الإِيمانُ على معناه، فيتعدَّى إلى مفعولين، ويكونُ المعنى :" ولا تُقِرُّوا بأَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا لمَنْ تَبعَ دينكم " كما تقولُ : أَقْرَرَتُ لزيدٍ بألف، فتكونُ اللامُ متعلقةً بالمعنى، ولا تكونُ زائدةً على حدِّ ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ". قلت : فهذا تصريحٌ من أبي علي بأنه ضُمِّنَ آمَنَ معنى أَقَرَّ.
قوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ اعلم أنَّ في هذه الآية كلاماً كثيراً لا بد من إيرادِهِ عن قائليهِ ليتضحَ ذلك، فأقولُ وباللهِ العون :
اختلفَ الناس في هذه الآيةِ على [ وجوهٍ :] أحدُها : أنْ يكونَ ﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ متعلِّقاً بقوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ﴾ على حذف حرفِ الجر، والأصلُ :
" ولاتؤمنوا بأَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لِمَنْ تَبعَ دينَكم " فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجَرِّ جرى الخلاف المشهورُ بين الخليل وسيبويه في محل " أَنْ "، ويكونُ قولُهُ :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ جملةً اعتراضيةً، قال الزمخشري في تقريرِ هذا الوجهِ وبه بدأ :" ولا تُؤْمِنُوا متعلِّقٌ بقولِهِ :" أَنْ يُؤْتَى أحد "، وما بينهما اعتراضٌ أي :" ولا تُظْهِرُوا إيمانكم بأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دونَ غيرِهم، أرادوا : أسِرُّوا تصديقَكم بأنَّ المسلمين قد أُوتوا مثلَ ما أوتيتم ولا تُفْشُوه إلا لأشياعِكم وحدَهم دونَ المسلمين، لئلا يَزيدَهم ثباتاً، ودونَ المشركين لئلا يَدْعُوهم إلى الإِسلام، أو يُحاجُّوكم عطفٌ على " أَنْ يُؤْتَى ".
والضميرُ في " يُحاجُّوكم " لأحد لأنه في معنى الجميع، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، فإن المسلمين يُحاجُّوكم عند ربكم بالحق، ويغالِبونُكم عند الله. فإنْ قلت : ما معنى الاعتراض ؟ قلت : معناه أن الهدى هدى الله، مَنْ شاءَ أَنْ يلطف به حتى يُسْلِمَ أو يَزيدَ ثباتاً كان ذلك، ولم ينفع كَيْدُكم وحِيَلُكُم وزيُّكُم تصديقكم عن المسلمين والكافرين، وكذلك قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ يريد الهدايةَ والتوفيق ". قلت : هذا كلامٌ حسن لولا ما يريد بباطنه، وعلى هذا يكونُ قولُه ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ مستثنًى من شيءٍ محذوف، تقديره : ولا تُؤمِنُوا بأَنْ يُؤْتَى أحد مثلَ ما أوتيتم لأحدٍ من الناسِ إلا لأشياعكم دونَ غيرهم، وتكونَ هذه الجملةُ أعني قولَه : ولا تُؤْمِنُوا إلى آخرها، من كلامِ الطائفةِ المتقدِّمة، أي : وقالَتْ طائفةٌ كذا، وقالَتْ أيضاً : ولا تُؤمِنُوا، وتكونُ الجملةُ من قولِهِ :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ مِنْ كلام اللهِ لا غير.
الثاني : أنَّ اللامَ زائدةٌ في " لِمَنْ تَبعَ " وهو مستثنى من أحد المتأخر، والتقديرُ : ولا تُصَدِّقوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، فَمَنْ تَبعَ منصوبٌ على الاستثناء من " أحد "، وعلى هذا الوجه جَوَّز أبو البقاء في محل " أن يؤتى " ثلاثة أوجهٍ : الأول والثاني مذهبُ الخليل وسيبويه وقد تقدَّما. الثالث : النصبُ على المفعولِ مِنْ أجله تقديرُهُ : مخافَةَ أَنْ يُؤْتَى.
وهذا الوجهُ الثاني لا يَصِحُّ من جهةِ المعنى ولا مِنْ جهةِ الصناعة : أمَّا المعنى فواضحٌ، وأَمَّا الصناعةُ فلأن فيه تقديمَ المستثنى على المستثنى منه وعلى عامله، وفيه أيضاً تقديمُ ما في صلةِ " أَنْ " عليها، وهو غيرُ جائز.
الثالث : أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتَى " مجروراً بحرفِ العلة وهو اللام، والمُعَلَّلُ محذوفٌ تقديرُه : لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وعلى هذا يكونُ كلامُ الطائفةِ قد تَمَّ عند قوله ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ولنوضَّحْ هذا الوجه بما قاله الزمخشري. قال رحمه الله :" أو تمَّ الكلامُ عند قوله :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، على معنى : ولا تُؤمِنُوا هذا الإِيمانَ الظاهرَ وهو إيمانهم وجهَ النهار إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، إلا لِمَنْ كانوا تابِعين لديِنكم مِمَّنْ أسلموا منكم، لأنَّ رجوعَهم كانَ أَرْجَى عندهم مِنْ رُجُوعِ مَنْ سِواهم، ولأنَّ إسلامَهم كان أغيظَ لهم، وقوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ معناه : لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرْتموه لا لشيء آخر، يَعْني أن ما بكم من الحسد والبغي أَنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليلُ عليه قراءة ابن كثير :" أَأَن يُؤْتَى أحد " بزيادةِ همزةِ الاستفهام للتقرير والتوبيخ بمعنى : ألأنْ يُؤْتَى أحدٌ ؟ فإن قلت : فما معنى قوله " أو يُحاجُّوكم " على هذا ؟ قلت : معناه دَبَّرْتُم ما دَبَّرْتُم لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلُ ما أُوتيتم ولِمَا يتصلُ به عند كُفْرِكُم به مِنْ مُحَاجَّتِهم لكم عند رَبِّكم ".
الرابع : أن ينتصِبَ " أَنْ يُؤْتَى بفعلٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه ﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ كأنه قِيل : قل إنَّ الهدى هُدى الله فلا تُنْكروا أَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم، فلا تُنْكِرُوا ناصبٌ لأنْ وما في حَيِّزها، لأنَّ قولَه ﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إنكار لأن يُؤْتَى أحد مثلَ ما أُوتوا. قال الشيخ :" وهذا بعيدٌ لأنَّ فيه حذفَ حرفِ النهي وحَذْفَ معمولِهِ، ولم يُحْفَظْ ذلك من لسانِهم " قلت : متى دَلَّ على العامل دليلٌ جاز حَذْفُه على أيِّ حالةٍ كان.
الخامس : أَنْ يكونَ " هدى الله " بدلاً من " الهدى " الذي هو اسمُ إنَّ، ويكون خبرُ إنَّ :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، والتقديرُ : قل إنَّ هدى الله أَنْ يُؤْتى أحدٌ، أي : إنَّ هدَى اللهِ إيتاءُ أحدٍ مثلَ ما أوتيتم، وتكونَ " أو " بمعنى " حتى "، والمعنى : حتى يُحاجُّوكم عند ربكم فيغلبوكم ويَدْحَضُوا حُجَّتكم عند الله، ولا يكون " أَوْ يُحاجُّوكم " معطوفاً على أَنْ يُؤتى وداخلاً في حَيِّزِ أَنْ.
السادس : أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتَى " بَدَلاً مِنْ هدى الله، ويكون المعنى : قل إنَّ الهدى هدى الله وهو أَنْ يُؤْتَى أحدٌ كالذي جاءنا نحن، ويكونُ قولُه :
" أو يُحاجُّوكم " بمعنى أو فليحاجوكم فإنهم يَغْلبونكم، قاله ابن عطية، وفيه نظرٌ، لأنه يُؤَدِّي إلى حَذْفِ حرفِ النهيِ وإبقاءِ عملِهِ.
السابع : أَنْ تكونَ " لا " النافيةُ مقدرةً قبل " أَنْ يؤتى " فَحُذِفَتْ لدلالةِ الكلام عليها وتكونُ " أو " بمعنى إلاَّ أَنْ، والتقديرُ : ولا تؤمنوا لأحدٍ بشيء إلاَّ لِمَنْ تَبع دينكم بانتفاءِ أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، وجاء بمثله وعاضداً له، فإنَّ ذلك لا يُؤْتاه غيرُكم إلاَّ أنْ يُحاجُّوكم كقولِك : لألْزَمنَّك أو تقضيَني حقي، وفيه ضعفٌ من حيث حَذْفُ " لا " النافية، وما ذكروه من دلالةِ الكلامِ عليها غيرُ ظاهرٍ.
الثامن : أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتى " مفعولاً من أجله، وتحريرُ هذا القولِ أَنْ تجعلَ قولَه :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ ليس داخلاً تحتَ قولِه " قل " بل هو من تمامِ قول الطائفةِ متصلٌ بقولِه : ولا تُؤمِنُوا إلا لِمَنْ جاءَ بمثلِ دينِكم مخافَةَ أَنْ يُؤْتى أحدٌ من النبوةِ والكرامة مثلَ ما أوتيتم، ومخافَةَ أَنْ يُحاجُّوكُم بتصديقِكُم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه. وهذا القولُ منهم ثمرة حسدهم وكفرهم مع معرفتهم بنبوة محمد ﷺ، ولَمَّا قَدَّر المبرد المفعولَ من أجله هنا قَدَّر المضاف : كراهَة أن يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أي : مِمَّن خالَفَ دينَ الإِسلام، لأن الله لا يَهْدِي مَنْ هو كاذب وكَفَّار، فهُدى الله بعيدٌ مِنْ غيرِ المؤمنين، والخطابُ في " أوتيتم " و " يُحاجُّوكم " لأمةِ النبي ﷺ.
واستضعف بعضُهم هذا وقال : كونُ مفعولاً من أجله على تقدير :" كراهةَ " يَحْتاج إلى تقديرِ عاملٍ فيه ويَصْعُبُ تقديرُهُ، إذ قبلَه جملةٌ لا يظهرُ تعليلُ النسبةِ فيها بكراهةِ الإِيتاء المذكور.
التاسع : أنَّ " أَنْ " المفتوحَةَ تأتي للنفي كما تأتي " لا " نَقَل ذلك بعضُهم نصاً عن الفراء، وجَعَل " أو " بمعنى إلا، والتقدير : لا يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلاَّ أَنْ يُحاجُّوكُم، فإنَّ إيتاءَه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم أو مُحاجَّتِكُم عند ربكم، لأنَّ مَنْ آتاه اللهُ الوحيَ لا بد أن يُحاجَّهم عند ربهم في كونِهم لا يتَّبعونه، فقوله :" أو يُحاجُّوكم " حالٌ لازمةٌ مِنْ جهةِ المعنى، إذ لا يُوحي الله لرسولٍ إلا وهو مُحاجٌّ مخالفِيه. وهذا قولٌ ساقط إذ لم يثبت ذلك من لسانِ العرب.
واختلفوا في الجملةِ مِنْ قولِهِ :" ولا تُؤْمِنُوا " هل هي مِن