اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اللام في " لِمَنْ " فيها وجهان :
أحدهما : أنها زائدة مؤكِّدة، كهي في قوله تعالى :{ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم [النمل: ٧٢] أي : ردفكم وقول الآخر :[ الوافر ]
وقول الآخر :[ الكامل ]
وقول الآخر :[ الطويل ]
أي : أنخنا الكلاكِلَ، وأخدع الخليل، ويذمون الدنيا، ويُرْوَى : يذمون بالدنيا، بالباء.
قال شهابُ الدينِ(٤) : وأظن البيتَ : يذمون لِي الدنيا - فاشتبه اللفظ على السامع - وكذا رأيته في بعض التفاسيرِ، وهذا الوجه ليس بالقوي.
الثاني : أن " آمن " ضُمِّن معنى أقَرَّ واعْتَرَف، فعُدِّيَ باللام، أي : ولا تُقِرّوا، ولا تعترفوا إلا لمن تبع دينكم، ونحوه قوله :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس: ٨٣] وقوله :﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧] وقال أبو علي : وقد يتعدَّى آمن باللام في قوله :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى﴾
[يونس: ٨٣]، وقوله :﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١]، وقوله :﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فذكر أنه يتعدى بها من غير تضمين، والصَّوَابُ التضمين وقد تقدم تحقيقه أول البقرة(٥). وهنا استثناء مُفَرَّغٌ.
وقال أبو البقاء :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه استثناء مما قبلَه، والتقديرُ : ولا تقرُّوا إلا لمن تبع، فعلى هذا اللام غير زائدة ولا يجوز أن تكون زائدة ويكون محمولاً على المعنى، أي اجْحَدوا كُلَّ أحد إلا من تبع دينكم.
والثاني : أن النية به التأخير، والتقدير : ولا تُصَدِّقُوا أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم ؛ فاللام على هذا - زائدة، و " مَنْ " في موضع نصب على الاستثناء من أحد.
وقال الفارسيُّ : الإيمان لا يتعدى إلى مفعولين، فلا يتعلق - أيضاً - بجارين، وقد تعلَّق بالجار المحذوف من قوله :﴿أَن يُؤْتَى﴾ فلا يتعلق باللام في قوله :﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلا أن يحمل اللام على معناه، فيتعدى إلى مفعولين، ويكون المعنى : ولا تُقِرُّوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينَكم، كما تقول : أقررت لزيد بألفٍ، فتكون اللام متعلقة بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد :﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] و﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وهذا تَصْرِيحٌ من أبي علي بأنه ضمن " آمن " معنى " أقَرَّ ".
اتفق المفسّرون على أن هذا بقية كلامِ اليهودِ، وفيه وجهانِ :
الأول : أن معناه : ولا تُصَدِّقُوا إلا بنبي يُقرِّر شرائعَ التوراةِ، ومَنْ جاء بتغيير شرع من أحكام التوراة، فلا تصدقوه، وعلى هذا التفسير تكون اللام في ﴿لِمَنْ تَبِعَ﴾ صلة زائدة.
الثاني : معناه : لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل مَنْ تبع دينكم، أي : ليس الغرضُ من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فإنّ مقصود كلِّ أحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته.
ثم قال :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
قال ابن عباسٍ : معناه : الدين دين الله(٦)، ونظيره :﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٧١] وبيان كيف صار هذا الكلامُ جواباً عما حكاه عنهم :
أما على الوجه الأول - وهو قولهم : لا دينَ إلا ما هم عليه - فهذا الكلام إنما صَحَّ جواباً عنهم من حيثُ إن الذي هم عليه ثبت ديناً من جهة الله - تعالى - لأنه أمر به، وأرشد إليه، فإذا وجب الانقياد لغيره كان ديناً يجب أن يُتَّبعَ - وإن كان مخالفاً لما تقدَّم - لأن الدينَ إنما صارَ ديناً بحكمه وهدايته، فحيثما كان حُكْمُه وجب متابعته، ونظيره قوله تعالى - جواباً لهم عن قوله :
﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] - قوله :﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يعني : الجهاتِ كلَّها لله، فله أن يُحَوِّل القبلةَ إلى أيِّ جهةٍ شاء.
وعلى الوجه الثاني : المعنى :﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ قد جئتكم به، فلن ينفعَكم في دفعه هذا الكيد الضعيفُ.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ نقل ابنُ عطيّة الإجماع من أهل التأويل على أن هذا من مقول الطائفة، وليس بسديد، لما نقل من الخلاف، وهل هي من مقول الطائفة أم من مقول الله تعالى - على معنى أن الله - تعالى - خاطب به المؤمنين، تثبيتاً لقلوبهم، وتسكيناً لجأشهم ؛ لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهودِ عليهم وتزويرهم ؟
[ إذا كان من كلامِ طائفةِ اليهودِ، فالظاهر أنه انقطع كلامُهم ؛ إذ لا خلاف، ولا شك أن قولَه :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من كلام الله مخاطباً لنبيه ﷺ ](٧).
قوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ اعلم أن هذه الآية من المشكلات، فنقول : اختلف الناس في هذه الآية على وجوه :
الأول : أن قوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ متعلق بقوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ﴾ على حذف حرف الجر، والأًصل : ولا تُؤْمِنُوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فلما حُذِفَ حرف الجر جرى الخلافُ المشهور بين الخليل وسيبويه في محل " أن "، ويكون قولُه :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ جملةً اعتراضيةً.
قال القفّالُ : يحتمل أن يكون قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ كلاماً أمر اللهُ نبيه أن يقولَه عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع ؛ لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً - لا جرم - أدب الله رسوله بأن يقابله بقول حَقِّ، ثم يعود إلى حكايةِ تمامِ كلامِهم - كما إذا حكى المسلم عن بعضِ الكُفَّار قَوْلاً فيه كُفْر، فيقول - عند بلوغه إلى تلك الكلمة - : آمنت بالله، أو يقول : لاَ إلَه إلا اللهُ، أو يقول : تعالى الله عن ذلك، ثم يعود إلى تمام الحكاية، فيكون قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من هذا الباب.
قال الزمخشريُّ في تقرير هذا الوجه - وبه بدأ - :{ وَلاَ تُؤْمِنُواْ مُتَعَلِّقٌ بقوله :{ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ } وما بينهما اعتراضٌ، أي : ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، وأسِرُّوا تصديقكُمْ بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم، ولا تُفْشُوه إلا لأشياعكم - وحدهم - دون المسلمين ؛ لئلاَّ يزيدَهم ثباتاً، ودون المشركين، لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ عطف على ﴿أَن يُؤْتَى﴾ والضمير في ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾ لِ ﴿أَحَدٌ﴾ لأنه في معنى الجميع، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم بالحق، ويغالبونكم عَنْدَ اللهِ - تعالى - بالحُجَّةِ.
فإن قلت : ما معنى الاعتراضِ ؟
قلت : معناه : إن الهدَى هُدى الله، من شاء يَلْطُف به حتى يُسلم، أو يزيد ثباتاً، ولم ينفع كيدكم وحِيَلُكم، وذَبُّكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ يريد الهداية والتوفيق.
قال شهاب الدينِ :" وهذا كلامٌ حسَنٌ، لولا ما يُريد بباطنه "، وعلى هذا يكون قوله :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ مستثْنَى من شيء محذوفٍ، تقديره : ولا تُؤمنوا بأن يُؤتَى أحد مل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم، وتكون هذه الجملة - أعني قوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ﴾ من كلام الطَّائِفَةِ المتقدمة، أي وقالت طائفةٌ كذا، وقالت أيضاً : ولا تؤمنوا، وتكون الجملة من قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من كلام اللهِ لا غير ".
قال ابن الخطيبِ : وعندي أن هذا التفسير ضعيف من وُجُوهٍ :
الأول : أن جدَّ القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمَّد ﷺ كان أعظمَ من جدهم في حفظِ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصِيَ بعضُهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمَّد ﷺ عند أتباعهم، وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب ؟ هذا في غاية البعد.
الثاني : أن على هذا التقدير لا بد من الحَذْف ؛ فإن التقدير : قل إن الهُدَى هُدَى اللهِ، وإنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ، وَلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ قَلْ في قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾.
الثالث : أنه كيف وقع قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد ؟ هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم.
الوجه الثاني : أن اللام زائدة في ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وهو مستثنى من " أحَدٌ " المتأخِّر، والتقدير : ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا مَنْ تَبعَ دينَكُمْ، ف ﴿لِمَنْ تَبِعَ﴾ منصوب على الاستثناء من " أحد "، وعلى هذا الوجه جوَّز أبو البقاء في محل ﴿أَن يُؤْتَى﴾ ثلاثة أوجهٍ :
الأول والثاني : مذهب الخليل وسيبويه، وقد تَقَدَّمَا.
الثالث : النصب على المفعول من أجله، تقديره : مخافةَ أن يُؤتَى.
وهذا الوجه الثالث - لا يصح من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة، أمّا المعنى فواضحٌ وأما الصناعة فإن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه، وعلى عامله، وفيه - أيضاً - تقديم ما في صلة أن عليها، وهو غير جائزٍ.
الوجه الثالث : أن يكون ﴿أَن يُؤْتَى﴾ مجروراً بحرف العلة - وهو اللام - والمُعَلَّل محذوف، تقديره لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك، ودبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وقوله :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ معناه : ولا تؤمنوا هذا الإيمانَ الظاهرَ - وهو إيمانكم وَجْهَ النَّهَارِ - ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم ؛ لأن رجوعَهم كان أرْجَى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامَهم كان أغبط لهم، وقوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ معناه : لأن يؤتى مثل ما أوتيتُمْ قلتم ذلك، ودبرتموه، لا لشيء آخرَ، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي، أن يؤتى أحَدٌ مثل ما أوتيتم من فَضْل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير(٨) : أأنْ يُؤتَى أحَدٌ ؟ - بزيادة همزة الاستفهامِ، والتقرير، والتوبيخ - بمعنى : ألأن يؤتى أحَدٌ ؟
فإن قلت : ما معنى قوله :﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ على هذا ؟
قلت : معناه : دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولما يتصل به عند كفركم به في محاجتهم [ لكم ] عند ربكم.
الوجه الرابع : أن ينتصب ﴿أَن يُؤْتَى﴾ بفعل مقدَّرٍ، يدل عليه :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ كأنه قيل :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ فلا تُنكِروا أن يُؤتَى أحَدٌ مثل ما أوتيتم. ف " لا تنكروا " ناصِب لِ " أن " وما في حَيِّزها ؛ لأن قوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتُوا.
قال أبو حيّان : وهذا بعيد ؛ لأنه ف
أحدهما : أنها زائدة مؤكِّدة، كهي في قوله تعالى :{ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم [النمل: ٧٢] أي : ردفكم وقول الآخر :[ الوافر ]
| فَلَمَّا أنْ تَوَاقَفْنَا قَلِيلاً | أنَخْنَا لِلْكَلاَكِلِ فَارْتَميْنَا(١) |
| مَا كُنْتُ أخْدَعُ لِلْخَلِيلِ بِخُلَّةٍ | حَتَّى يَكُونَ لِيَ الْخَلِيلُ خَدُوعَا(٢) |
| يَذُمُّونَ لِلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْلِبُونَهَا | أفَاوِيقَ حَتَّى ما يَدِرُّ لَهَا فَضْلُ(٣) |
قال شهابُ الدينِ(٤) : وأظن البيتَ : يذمون لِي الدنيا - فاشتبه اللفظ على السامع - وكذا رأيته في بعض التفاسيرِ، وهذا الوجه ليس بالقوي.
الثاني : أن " آمن " ضُمِّن معنى أقَرَّ واعْتَرَف، فعُدِّيَ باللام، أي : ولا تُقِرّوا، ولا تعترفوا إلا لمن تبع دينكم، ونحوه قوله :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس: ٨٣] وقوله :﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧] وقال أبو علي : وقد يتعدَّى آمن باللام في قوله :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى﴾
[يونس: ٨٣]، وقوله :﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١]، وقوله :﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فذكر أنه يتعدى بها من غير تضمين، والصَّوَابُ التضمين وقد تقدم تحقيقه أول البقرة(٥). وهنا استثناء مُفَرَّغٌ.
وقال أبو البقاء :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه استثناء مما قبلَه، والتقديرُ : ولا تقرُّوا إلا لمن تبع، فعلى هذا اللام غير زائدة ولا يجوز أن تكون زائدة ويكون محمولاً على المعنى، أي اجْحَدوا كُلَّ أحد إلا من تبع دينكم.
والثاني : أن النية به التأخير، والتقدير : ولا تُصَدِّقُوا أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم ؛ فاللام على هذا - زائدة، و " مَنْ " في موضع نصب على الاستثناء من أحد.
وقال الفارسيُّ : الإيمان لا يتعدى إلى مفعولين، فلا يتعلق - أيضاً - بجارين، وقد تعلَّق بالجار المحذوف من قوله :﴿أَن يُؤْتَى﴾ فلا يتعلق باللام في قوله :﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلا أن يحمل اللام على معناه، فيتعدى إلى مفعولين، ويكون المعنى : ولا تُقِرُّوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينَكم، كما تقول : أقررت لزيد بألفٍ، فتكون اللام متعلقة بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد :﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] و﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وهذا تَصْرِيحٌ من أبي علي بأنه ضمن " آمن " معنى " أقَرَّ ".
فصل
اتفق المفسّرون على أن هذا بقية كلامِ اليهودِ، وفيه وجهانِ :
الأول : أن معناه : ولا تُصَدِّقُوا إلا بنبي يُقرِّر شرائعَ التوراةِ، ومَنْ جاء بتغيير شرع من أحكام التوراة، فلا تصدقوه، وعلى هذا التفسير تكون اللام في ﴿لِمَنْ تَبِعَ﴾ صلة زائدة.
الثاني : معناه : لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل مَنْ تبع دينكم، أي : ليس الغرضُ من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فإنّ مقصود كلِّ أحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته.
ثم قال :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
قال ابن عباسٍ : معناه : الدين دين الله(٦)، ونظيره :﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٧١] وبيان كيف صار هذا الكلامُ جواباً عما حكاه عنهم :
أما على الوجه الأول - وهو قولهم : لا دينَ إلا ما هم عليه - فهذا الكلام إنما صَحَّ جواباً عنهم من حيثُ إن الذي هم عليه ثبت ديناً من جهة الله - تعالى - لأنه أمر به، وأرشد إليه، فإذا وجب الانقياد لغيره كان ديناً يجب أن يُتَّبعَ - وإن كان مخالفاً لما تقدَّم - لأن الدينَ إنما صارَ ديناً بحكمه وهدايته، فحيثما كان حُكْمُه وجب متابعته، ونظيره قوله تعالى - جواباً لهم عن قوله :
﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] - قوله :﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يعني : الجهاتِ كلَّها لله، فله أن يُحَوِّل القبلةَ إلى أيِّ جهةٍ شاء.
وعلى الوجه الثاني : المعنى :﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ قد جئتكم به، فلن ينفعَكم في دفعه هذا الكيد الضعيفُ.
فصل
قوله تعالى :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ نقل ابنُ عطيّة الإجماع من أهل التأويل على أن هذا من مقول الطائفة، وليس بسديد، لما نقل من الخلاف، وهل هي من مقول الطائفة أم من مقول الله تعالى - على معنى أن الله - تعالى - خاطب به المؤمنين، تثبيتاً لقلوبهم، وتسكيناً لجأشهم ؛ لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهودِ عليهم وتزويرهم ؟
[ إذا كان من كلامِ طائفةِ اليهودِ، فالظاهر أنه انقطع كلامُهم ؛ إذ لا خلاف، ولا شك أن قولَه :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من كلام الله مخاطباً لنبيه ﷺ ](٧).
قوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ اعلم أن هذه الآية من المشكلات، فنقول : اختلف الناس في هذه الآية على وجوه :
الأول : أن قوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ متعلق بقوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ﴾ على حذف حرف الجر، والأًصل : ولا تُؤْمِنُوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فلما حُذِفَ حرف الجر جرى الخلافُ المشهور بين الخليل وسيبويه في محل " أن "، ويكون قولُه :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ جملةً اعتراضيةً.
قال القفّالُ : يحتمل أن يكون قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ كلاماً أمر اللهُ نبيه أن يقولَه عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع ؛ لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً - لا جرم - أدب الله رسوله بأن يقابله بقول حَقِّ، ثم يعود إلى حكايةِ تمامِ كلامِهم - كما إذا حكى المسلم عن بعضِ الكُفَّار قَوْلاً فيه كُفْر، فيقول - عند بلوغه إلى تلك الكلمة - : آمنت بالله، أو يقول : لاَ إلَه إلا اللهُ، أو يقول : تعالى الله عن ذلك، ثم يعود إلى تمام الحكاية، فيكون قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من هذا الباب.
قال الزمخشريُّ في تقرير هذا الوجه - وبه بدأ - :{ وَلاَ تُؤْمِنُواْ مُتَعَلِّقٌ بقوله :{ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ } وما بينهما اعتراضٌ، أي : ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، وأسِرُّوا تصديقكُمْ بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم، ولا تُفْشُوه إلا لأشياعكم - وحدهم - دون المسلمين ؛ لئلاَّ يزيدَهم ثباتاً، ودون المشركين، لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ عطف على ﴿أَن يُؤْتَى﴾ والضمير في ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾ لِ ﴿أَحَدٌ﴾ لأنه في معنى الجميع، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم بالحق، ويغالبونكم عَنْدَ اللهِ - تعالى - بالحُجَّةِ.
فإن قلت : ما معنى الاعتراضِ ؟
قلت : معناه : إن الهدَى هُدى الله، من شاء يَلْطُف به حتى يُسلم، أو يزيد ثباتاً، ولم ينفع كيدكم وحِيَلُكم، وذَبُّكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ يريد الهداية والتوفيق.
قال شهاب الدينِ :" وهذا كلامٌ حسَنٌ، لولا ما يُريد بباطنه "، وعلى هذا يكون قوله :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ﴾ مستثْنَى من شيء محذوفٍ، تقديره : ولا تُؤمنوا بأن يُؤتَى أحد مل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم، وتكون هذه الجملة - أعني قوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ﴾ من كلام الطَّائِفَةِ المتقدمة، أي وقالت طائفةٌ كذا، وقالت أيضاً : ولا تؤمنوا، وتكون الجملة من قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من كلام اللهِ لا غير ".
قال ابن الخطيبِ : وعندي أن هذا التفسير ضعيف من وُجُوهٍ :
الأول : أن جدَّ القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمَّد ﷺ كان أعظمَ من جدهم في حفظِ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصِيَ بعضُهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمَّد ﷺ عند أتباعهم، وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب ؟ هذا في غاية البعد.
الثاني : أن على هذا التقدير لا بد من الحَذْف ؛ فإن التقدير : قل إن الهُدَى هُدَى اللهِ، وإنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ، وَلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ قَلْ في قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾.
الثالث : أنه كيف وقع قوله :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد ؟ هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم.
الوجه الثاني : أن اللام زائدة في ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وهو مستثنى من " أحَدٌ " المتأخِّر، والتقدير : ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا مَنْ تَبعَ دينَكُمْ، ف ﴿لِمَنْ تَبِعَ﴾ منصوب على الاستثناء من " أحد "، وعلى هذا الوجه جوَّز أبو البقاء في محل ﴿أَن يُؤْتَى﴾ ثلاثة أوجهٍ :
الأول والثاني : مذهب الخليل وسيبويه، وقد تَقَدَّمَا.
الثالث : النصب على المفعول من أجله، تقديره : مخافةَ أن يُؤتَى.
وهذا الوجه الثالث - لا يصح من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة، أمّا المعنى فواضحٌ وأما الصناعة فإن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه، وعلى عامله، وفيه - أيضاً - تقديم ما في صلة أن عليها، وهو غير جائزٍ.
الوجه الثالث : أن يكون ﴿أَن يُؤْتَى﴾ مجروراً بحرف العلة - وهو اللام - والمُعَلَّل محذوف، تقديره لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك، ودبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وقوله :﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ معناه : ولا تؤمنوا هذا الإيمانَ الظاهرَ - وهو إيمانكم وَجْهَ النَّهَارِ - ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم ؛ لأن رجوعَهم كان أرْجَى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامَهم كان أغبط لهم، وقوله :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ معناه : لأن يؤتى مثل ما أوتيتُمْ قلتم ذلك، ودبرتموه، لا لشيء آخرَ، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي، أن يؤتى أحَدٌ مثل ما أوتيتم من فَضْل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير(٨) : أأنْ يُؤتَى أحَدٌ ؟ - بزيادة همزة الاستفهامِ، والتقرير، والتوبيخ - بمعنى : ألأن يؤتى أحَدٌ ؟
فإن قلت : ما معنى قوله :﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ على هذا ؟
قلت : معناه : دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولما يتصل به عند كفركم به في محاجتهم [ لكم ] عند ربكم.
الوجه الرابع : أن ينتصب ﴿أَن يُؤْتَى﴾ بفعل مقدَّرٍ، يدل عليه :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ كأنه قيل :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ فلا تُنكِروا أن يُؤتَى أحَدٌ مثل ما أوتيتم. ف " لا تنكروا " ناصِب لِ " أن " وما في حَيِّزها ؛ لأن قوله :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتُوا.
قال أبو حيّان : وهذا بعيد ؛ لأنه ف
١ البيت لعبد الشارق بن عبد العزى، وقيل: لسلمة بن الحجاج ينظر المقرب ١/١١٥ ورصف المباني ١١٦ وضرائر الشعر ص ٦٧ وشرح الجمل ١/٣٠٨ و٥١٤ وديوان الحماسة ١/٤٤٧ والدر المصون ٢/١٣٥..
٢ ينظر: البحر المحيط ٢/٥١٨، والدر المصون ٢/١٣٥..
٣ البيت لعبد الله بن همام السلولي ينظر إصلاح المنطق ٢١٣ والكامل ١/٥٥ ورغبة الآمل ٦/٥٢ وتاج العروس ٧/٥٤ وزاد الميسر ١/٤٠٧ واللسان (فوق) والدر المصون ٢/١٣٥..
٤ ينظر: الدر المصون ٢/١٣٥..
٥ آية (٣)..
٦ ذكره الرازي في تفسيره ٨/٨٥..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: السبعة ٢٠٧، والكشف ١/١٤٧، والحجة ٣/٥٢، وحجة القراءات ١٦٥، وإعراب القراءات ١/١١٤، والعنوان ٨٠، وشرح الطيبة ٤/١٦٠، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٨٢..
٢ ينظر: البحر المحيط ٢/٥١٨، والدر المصون ٢/١٣٥..
٣ البيت لعبد الله بن همام السلولي ينظر إصلاح المنطق ٢١٣ والكامل ١/٥٥ ورغبة الآمل ٦/٥٢ وتاج العروس ٧/٥٤ وزاد الميسر ١/٤٠٧ واللسان (فوق) والدر المصون ٢/١٣٥..
٤ ينظر: الدر المصون ٢/١٣٥..
٥ آية (٣)..
٦ ذكره الرازي في تفسيره ٨/٨٥..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: السبعة ٢٠٧، والكشف ١/١٤٧، والحجة ٣/٥٢، وحجة القراءات ١٦٥، وإعراب القراءات ١/١١٤، والعنوان ٨٠، وشرح الطيبة ٤/١٦٠، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٨٢..