اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
مما جاء في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهٌ :
أحدها : أنه - تعالى - لما وصف اليهودَ بالخيانة في أموال النّاس، فمعلوم أن الخيانَة في الأموال، لا تكون بالأيمان الكاذبةِ.
وثانيها : أنه - تعالى - حَكَى عنهم أنهم يقولون على الله الكذب، وهم يعلمون، ولا شك أن عهد الله - تعالى - على كل مكلَّفٍ أن لا يكذبَ على الله.
وثالثها : أنه - تعالى - ذكر في الآية الأولى خيانَتهم في أموال الناس، وذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وفي تعظيم أسمائِهِ ؛ حيث يَحْلِفون بها كاذبين.
وقال بعضهم : إن هذه الآية ابتداء كلام مستقلٍّ في المنع من الأيمان الكاذبةِ ؛ لأن اللفظَ عامٌّ، والروايات الكثيرة دلَّت على أنها نزلت في أقوامٍ أقدموا على الأيمان الكاذبة.

فصل


قال عكرمةُ : نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد ﷺ وكتبوا بأيديهم غيرَها، وحلفوا أنها من عند الله ؛ لئلا تفوتَهم الرِّشاء التي كانت من أبناء عمهم(١).
وقيل : نزلت في ادِّعائهم أنه ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] كتبوا ذلك بأيديهم، وحَلَفُوا أنه من عند الله قاله الحسنُ.
وقال ابن جُرَيْجٍ : نزلت في الأشعث بن قيس وخَصْمٍ له، اختصما في أرض إلى رسول اللهِ ﷺ فقال : أقم بيِّنتك، فقال : ليس لي بينة، فقال لليهودي : احلِفْ، قال : إذاً يحلف، فيذهب بمالي، فأنزل الله عز وجل :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ فنكل الأشعث(٢).
قال مجاهدٌ : نزلت في رجل حلف يميناً فاجرةً في تنفيق سلعته(٣)، عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ قال :
" ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ. قَالَ : وقرأها رسولُ الله ﷺ ثلاث مرات، فقال أبو ذر : خابوا، وخسروا مَنْ هم يا رسولَ اللهِ ؟ قال : المُسْبِلُ إزَارَهُ، والمَنَّانُ، والمُنْفِقُ سلعَتَهُ بالحَلِف الْكَاذِبِ(٤) ".
وروى أبو هريرة عن النبي :" ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ : رَجُلٌ حَلَفَ يَمِيناً عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فاقتطعه، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ أنَّهُ أعْطِي بِسِلْعَتِهِ أكْثَرَ مِمَّا أعْطي وَهُوَ كَاذِبٌ - وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ ماءٍ، فَإن اللهَ - تَعَالَى - يَقولُ : الْيَوم أمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاك(٥) ".
وقيل :" جاء رجل من حضرموت ورجل من كِنْدةَ إلى النبي ﷺ فقال الحضرميُّ : يا رسولَ اللهِ، إن هذا قد غلبني على أرض لي - كانت لأبي - فقال الكنديّ : هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق فقال النبي ﷺ للحَضْرَمِيّ : ألك بيِّنةٌ ؟ قال لا، قَالَ : فَلَكَ يمينُهُ قال : يا رسولَ اللهِ، إن الرجل فاجِرٌ لا يبالي على ما حلف عليه، قال ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر " أما لئن حَلَفَ علَى ما لَيْسَ لَهُ لِيَأكُلَهُ ظُلماً لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ ". (٦)
قال علقمة : أما الكنديّ فهو عمرو بن القيس بن عابس الكنديّ، وخصمه ربيعة بن عبدان الحضرميّ، روى أبو أمامة أن رسول الله ﷺ قال :" مَن اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم - بِيَمِينِهِ - حَرَّم اللهُ عَلَيْه الْجَنَّة وَأوْجَبَ لَهُ النَّارَ، قَالُوا : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسولَ الله ؟ قَالَ : وَإنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أرَاكٍ " قالها ثلاث مراتٍ(٧).
قوله :﴿أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ أي : لا نصيبَ لهم في الآخرةِ ونعيمها، وهذا مشروطٌ بالإجماع بعد التوبة، فإذا تاب عنها سقط الوعيدُ - بالإجماع - وشرط بعضهم عدم العفو ؛ لقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]،
﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾ أي : كلاماً ينفعهم، ويسرهم.
وقيل : لمعنى الغضب، كما يقول الرجل : إني لا أكلم فلاناً - إذا كان قد غضب عليه - قاله القفالُ.
ثم قال :﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي : لا يرحمهم، ولا يُحْسِن إليهم، ولا يُنِيلُهم خيراً، وليس المقصود منه النظر بتقليب الحَدَقَةِ إلى المَرْئِيّ - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾ أي : لا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة.
وقيل : لا يُثْنِي عليهم كما يُثْنِي على أوليائه - كثناء المزكِّي للشاهد والتزكية من الله قد تكون على ألسنة الملائكة، كقوله تعالى :﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] وقد تكون من غير واسطة، أما في الدنيا فكقوله :﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾
[التوبة: ١١٢]. وأما في الآخرة فكقوله :﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ثم قال :﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لما بين حرمانهم من الثواب، بيَّن كونهم في العقاب الشديد المُؤلم.

فصل


قال القرطبيُّ :" دلَّت هذه الآية والأحاديث على أن حُكْمَ الحاكم لا يُحِلُّ المالَ في الباطن بقضاء الظاهرِ إذا علم المحكوم له بطلانَه، وروت أم سلمة قالت : قال رسول الله ﷺ :" إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحَنَ بحُجَّته من بَعْضٍ، وإنما أقضِي بينَكُم على نحو ما أسمع، فمن قَضَيْتُ له من حَقِّ أخيه شيئاً، فلا يأخذه ؛ فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة ".
قوله :﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في هذه اللام قولان :
أحدهما : أنها بمعنى الاستحقاق، أي : يستحقُّون العذاب الأليم.
الثاني : كما تقول : المال لزيد، فتكون لام التمليك، فذكر ملك العذاب لهم، تهكُّماً بهم.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٢٨) عن عكرمة..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٣١) عن ابن جريج وأخرجه البخاري (٥/٥٣، ٢٠٦) ومسلم (١/٤٩- ٥٠) وأحمد (٥/٢١١- ٢١٢) والطبري (٦/٥٢٩) عن عبد الله بن مسعود... فذكر الحديث..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٣٣)..
٤ أخرجه مسلم (١/١٠٢) كتاب الإيمان: باب غلظ تحريم إسبال الإزار (١٧١- ١٠٦) وأبو داود (٤/٥٧) كتاب اللباس باب ما جاء في إسبال الإزار (٤٠٧٨) والترمذي (٣/٥١٦) كتاب البيوع: باب ما جاء فيمن حلف على سلعة كاذبا (١٢١١) والنسائي (٥/٨١) كتاب الزكاة: باب المنان بما أعطى، (٧/٢٤٥) وأحمد (٢/٤٨٠، ٥/١٥٨، ١٦٢، ١٦٨) والبيهقي (٤/١٩١- ٥/٣٣٠- ٦/١٥٢- ٨/١٦١- ١٧٧) والبغوي في "شرح السنة" (٤/٢٢٦- ٢٢٧) عن أبي ذر مرفوعا.
وقال الترمذي: حديث أبي ذر حديث حسن صحيح..

٥ أخرجه البخاري (١٣/٤٣٣) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" (٧٤٤٦) ومسلم (١/١٠٣) كتاب الإيمان: باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار... الخ (١٧٣-١٠٨) والبغوي في "شرح السنة" (٣/٤٢٢) عن أبي هريرة مرفوعا..
٦ أخرجه مسلم كتاب الأيمان رقم (٢٢٣) وأبو داود كتاب الأيمان والنذور باب التغليظ في الأيمان الفاجرة رقم (٣٢٤٥) والترمذي (٣/٦٢٥) كتاب الأحكام: باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. رقم (١٣٤٠)..
٧ أخرجه مسلم كتاب الأيمان رقم (٢١٨) والنسائي (٨/٢٤٦): وأبو عوانة (١/٣٢) وأحمد (٥/٢٦٠) والبيهقي (١٠/١٧١) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٨٦)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى