الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿يَشْتَرُونَ﴾ يستبدلون ﴿بِعَهْدِ الله﴾ بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدّق لما معهم ﴿وأيمانهم﴾ وبما حلفوا به من قولهم : والله لنؤمنن به ولننصرنه ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك. وقيل : نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول الله ﷺ، وأخذوا الرشوة على ذلك. وقيل : جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم : هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله ؟ قالوا : نعم، قال : لقد هممت أن أَمِيرَكم وأكسوكم فحرمكم الله خيراً كثيراً. فقالوا : لعله شبه علينا فرويداً حتى نلقاه. فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته، ثم رجعوا إليه وقالوا : قد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح ومارَهُمْ. وعن الأشعث بن قيس :" نزلت فيّ، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال :
«شاهداك أو يمينه » فقلت إذن يحلف ولا يبالي فقال «من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ". وقيل : نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه. والوجه أن نزولها في أهل الكتاب. وقوله :﴿بِعَهْدِ الله﴾ يقوّي رجوع الضمير في بعهده إلى الله ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم تقول : فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه إليه ﴿وَلاَ يُزَكّيهِمْ﴾ ولا يثني عليهم.
فإن قلت : أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه ؟ قلت : أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى