الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ )... الآية [ ٧٧ ].
معنى الآية : إن الذين يستبدلون(١) بعهد الله الذي عهد إليهم في كتابهم وبإيمانهم الكاذب عوضاً قليلاً أي : خسيساً من عرض الدنيا(٢)، ( لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ) أي : لا حظ لهم فيها أي : لا نصيب(٣) ( وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) معناه : لا يكلمهم بما يسرهم.
وقيل : لا يسمعهم كلامه بلا سفير(٤).
وقيل معناه : غضب عليهم(٥) كما يقال : فلان لا يكلم فلاناً أي : هو غاضب عليه.
( وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ )، أي لا يعطف عليهم بخير، كما يقال : انظر إلي نظر الله إليك أي : اعطف علي عطف الله عليك(٦).
ما زالت هذه الآية في أحبار اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي(٧) بن الأخطب(٨).
وقيل : إنها نزلت في الأشعت بن قيس(٩) وخصم له اختصما في أرض، فقال النبي ﷺ لليهودي(١٠) : احلف، فقال الأشعت : إذن يحلف فيذهب حقي، فأنزل الله الآية، وقال النبي عليه السلام(١١) بعقب ذلك : " من حلف بيمين كاذبة ليقطع بها حق أخيه لقي الله عز وجل(١٢) ( وهو عليه غضبان ) " (١٣).
وروي عن مجاهد أنه قال : نزلت في رجل أقام سلعة في أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه فيها، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها بهذا(١٤) العطاء فأنزل الله الآية(١٥).
وقال ابن المسيب(١٦) : اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية(١٧).
وقال(١٨) قتادة : من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها حق أخيه فليتبوأ مقعده من النار، ثم تلا هذه الآية(١٩).
وقال ابن مسعود : كنا نرى ونحن مع رسول الله ﷺ أن من الذنب الذي لا يغفر : يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها(٢٠).
وعن مجاهد أنه قال : هو الرجل يقول أعطيت بسلعتي كذا وكذا كذباً(٢١).
وقيل(٢٢) : إنها نزلت في قوم من اليهود ضاقت عليهم معاشهم، فخرجوا إلى المدينة، فلما رجعوا رؤساءهم سألوهم عن النبي عليه السلام(٢٣) فقالوا : هو الصادق لا شك فيه، فقال الرؤساء : الآن حرمْتُم أنفسَكم بِرَّنَا ونَفْعَنَا. فانقلب القوم، إلى منازلهم، وأخرجوا كتبهم فحكوا(٢٤) صفة النبي ﷺ وأثبتوا صفة غيره، وراحوا إلى رؤسائهم فقالوا : إنا فتحنا كتبنا فرأينا الأمر فيها على ما تصفون في محمد ﷺ فنفعوهم(٢٥) وأعطوهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية فيهم(٢٦).
وروى(٢٧) ابن مسعود بأن النبي عليه السلام(٢٨) قال " من حلف بيمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك ( إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ ) الآية(٢٩).
١ - (د): يتبدلون..
٢ - انظر: جامع البيان ٣/٢٠٠ والدر المنثور ٢/٢٤٤..
٣ - انظر: المفردات ١٥٨، واللسان (خلق) ١٠/٨٥..
٤ - قال النحاس: لا يكلمهم على الحقيقة، ويكلمهم مجازاً بأن يأمر الملائكة أن تحاسبهم. انظر: إعراب النحاس ١/٣٤٦، وقيل: المعنى على المجاز ولا يكلمهم كلام راض عنهم، وإنما كلام موبخ لهم ساخط عليهم. انظر: الكشاف ١/٤٣٩ والتفسير الكبير ٨/١١٦. وقال قوم: هو عبارة عن الغضب أي لا يحفل بهم ولا يرضى عنهم. انظر: البحر ١/٥٠٢..
٥ - انظر: معاني الزجاج ١/٤٣٤..
٦ - إعراب النحاس ١/٣٤٦..
٧ - كعب بن الأشرف الطائي توفي ٣ هـ أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو الرسول ﷺ وأصحابه فأمر النبي بقتله. انظر: طبقات ابن سلام ١/٢٨٢ والمرزياني ٣٤٣..
٨ - حيي بن أخطب يهودي أدرك الإسلام ولم يسلم قتل يوم قريظة، انظر: سيرة ابن هشام ١/٥٤٦ و٢/٣٣، والأعلام ٢/٢٩٢..
٩ - الأشعت بن قيس بن معديكرب الكندي توفي ٤٠ هـ أمير كِندة أسلم ثم امتنع عن الزكاة. انظر: أسد الغابة ١٥٨..
١٠ - (د): اليهود..
١١ - (ج): صلى الله عليه وسلم..
١٢ - ساقط من (ج)..
١٣ - خرجه البخاري في كتاب التفسير ٥/١٦٦، ومسلم في كتاب الأيمان ١/٨٥ والترمذي ٤/٢٩٢..
١٤ - (د): لهذا..
١٥ - انظر: صحيح البخاري ٥/١٦٦ وانظر: جامع البيان ٣/٣٢٢ والدر المنثور ٢/٢٤٥..
١٦ - هو أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي توفي ٩٤ هـ، عالم التابعين في الفقه والتفسير والحديث، انظر: تاريخ الثقات ١٨٨. وطبقات الفقهاء ٣٩. والتهذيب ٤/٨٤..
١٧ - انظر: جامع البيان ٣/٣٢٣ والدر المنثور ٢/٢٤٨..
١٨ - (أ): وقيل قتادة..
١٩ - انظر: جامع البيان ٣/٢٢٢-٢٢٣ والدر المنثور ٢/٢٤٥..
٢٠ - انظر: المصدر السابق..
٢١ - انظر: المصدر السابق..
٢٢ - (أ): وقال..
٢٣ - (ج): صلى الله عليه وسلم..
٢٤ - قال المدقق "الحك": أن يمحى الشيء حتى لا يبقى له أثر. انظر: المحيط في اللغة ١/٢٠٧ وحكَّ فيه أي أثر فيه. جمهرة اللغة ١/٢٧ والحك: إمرار جرم على جرم صكاً. القاموس المحيط ٣/٢٣ وتحاك الجرمان حك أحدهما الآخر، المحكم والمحيط الأعظم ١/٣٧١..
٢٥ - (د): فينفعوه..
٢٦ - انظر: أسباب النزول..
٢٧ - حق هذا الحديث التقديم..
٢٨ - (ج): صلى الله عليه وسلم..
٢٩ - تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى