الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾ : في العامل في هذا الظرف أوجهٌ :
أحدُها :" اذكر " إنْ كان الخطاب للنبيّ ﷺ.
والثاني :" اذكروا " إن كان خطاباً لأهل الكتاب.
الثالث :" اصطفى " فيكون معطوفاً على " إذ " المقدَّمةِ قبلها. وفيه بُعْدٌ، بل امتناعٌ لبُعْدِه.
الرابع : أنَّ العامل فيه " قال " من قوله :" قال أأقررتم " وهو واضح جداً.
و ﴿مِيثَاقَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما :" ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب " مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال :" أخطأ الكاتب " وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، فإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.
والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً :
أحدُها : أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة.
الثاني : أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير : ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه :﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ﴾.
الثالث : أنه على حذف مضاف تقديرُه : ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾.
الرابع : قال الزمخشري :" أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدَّ على زَعْمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أَوْلى بالنبوة من محمد ﷺ، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون " وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياءً تهكماً بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تبيِّن ذلك ؟
قوله :﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ العامةُ :" لَما " بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزةُ وحده على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن : لَمَّا بالفتح والتشديد.
فأمَّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه : أحدُها : أن تكون " ما " موصولةً بمعنى الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، وذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير : والله لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل : لأنَّ لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى :" ثم جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه سلم " قال :" وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ". قلت :" وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقولَ في نظيرِه من الكلام :" واللهِ لزيداً " تريد : والله لتضرِبَنَّ زيداً.
الوجه الثاني : وهو قول أبي عليّ وغيره أن تكونَ اللامُ في " لَما " جوابَ قوله :﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء المُتَلَقَّى بها القسمُ، و " ما " مبتدأةٌ موصولة و " آتيناكم " صلتُها، والعائد محذوف تقديره : آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و " من كتاب " حال : إمَّا من الموصول وإمَّا من عائده، وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الصلة، وحينئذ فلا بُدَّ من رابطٍ يربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة صلةٌ، واختلفوا في ذلك : فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره :" ثم جاءكم رسول به " فَحُذِف " به " لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه، وهذا لا يجوزُ ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَفْ إلا بشروطٍ تقدَّمت، هي مفقودةٌ هنا، وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفته، ومنهم مَنْ قال : الربطُ حصل هنا بالظاهر، لأن هذا الظاهر وهو قوله :" لِما معكم " صادقٌ على قوله :" لِما آتيناكم " فهو نظير :" أبو سعيد الذي رَوَيْتُ عن الخِدْريّ، والحَجَّاج الذي رأيتُ ابنُ يوسف "، وقال :
يريدون : عنه ورأيته وفي رحمته، وقد وَقَع ذلك في المبتدأ والخبر نحو قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠] وهذا رأي أبي الحسن وتقدَّم فيه بحث. ومنهم مَنْ قال : إنَّ العائدَ يكون ضميرَ الاستقرارِ العامل في " مع "، و " لتؤمِنُنَّ به " جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القسمُ المقدَّرُ وجوابهُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو " لَما آتيتكم "، والهاء في به تعود على المبتدأ ولا تعودُ على " رسول "، لئلا يلزَمَ خُلُوُّ الجملةِ الواقعةِ خبراً من رابطٍ يَرْبِطُها بالمبتدأ.
الثالث : كما تقدم إلا أن اللام في " لما " لامُ التوطئة، لأنَّ أَخْذَ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي " لتؤمِنُنَّ به " لامُ جوابِ القسم، هذا كلام الزمخشري ثم قال :" وما " تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و " لتؤمِنُنَّ " سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى " الذي ". وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنَّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط، وتأتي غالباً مع " إنْ "، أما مع الموصول فلا، فلو جَوَّز في اللام أن تكون موطئةً وأن تكونَ للابتداء، ثم ذكر في " ما " الوجهين لحَمَلْنَا كلَّ واحد على ما يليق به.
الرابع : أن اللامَ هي الموطئة و " ما " بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو " آتيتكم "، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنًى لكونِه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير : والله لأَيَّ شيء آتيتُكم مِنْ كذا وكذا لتكونن كذا.
وقوله :﴿مِّن كِتَابٍ﴾ كقوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدَّم تقريرُه. وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الفعلِ قبلَه فيلزُم أَنْ يكون فيه رابطٌ يربطُه بما عُطِف عليه. و " لتؤمِنُنَّ " جوابٌ لقوله :﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضميرُ في " به " عائدٌ على " رسول "، كذا قال الشيخ، وفيه نظر لأنه عَوْدُه على اسمِ الشرط، ويَسْتَغني حينئذ عن تقديره رابطاً، وهذا كما تقدَّم في الوجهِ الثاني، ونظيرهُ هذا من الكلام أن تقول :" أَحْلِفُ باللهِ لأَيَّهم رأيتُ ثم ذهب إليه رجلٌ قُرَشي لأُحْسِنَنَّ إليه " تريدُ إلى الرجل، وهذا الوجهُ هو مذهبُ الكسائي.
وقال سأل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية فأجابَ بأنَّ " ما " بمنزلة الذي، ودَخَلَتِ اللامُ على " ما " كما دخلت على " إنْ " حين قلت : واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأفعلنَّ، فاللامُ التي في " ما " كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا " هذا نصٌّ الخليل. قال أبو علي :" لم يُرِد الخليل بقوله " إنها بمنزلة الذي " كونَها موصولةً بل أنها اسمٌ كما أن الذي اسم، وقرر أن تكونَ حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله :﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ﴾ [الزخرف: ٣٥] وقال سيبويه :" ومثلُ ذلك :﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] إنما دَخَلَتْ اللامُ على نِيَّة اليمين ".
وإلى كونِها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج والزمخشري والفارسي، قال الشيخ :" وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ ؛ لأنَّ كلاً منهما أعني الشرط والقسم يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ هذا محمولاً عليهما ؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب " قلت : تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.
الخامس : أنَّ أصلَها " لَمَّا " بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة.
وقرأ حمزة :" لِما " بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه :
أحدهما : وهو أغربُها أن تكونَ اللام بمعنى " بعد " كقوله النابعة :
يريد : فَعَرَفْتُها بعد ستة أعوام، وهذا منقولٌ عن صاحب النظم، ولا أدري ما حَمَله على ذلك ؟ وكيف يَنْتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديرُه : وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيين بعدَما آتيناكم، ومَنِ المخاطبُ بذلك ؟
الثاني : أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة ب " لتؤمِنُنَّ "، و " ما " حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري :" ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ " ما " مصدريةٌ، والفعلان معها أعني :" آتيناكم " و " جاءكم " في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى : أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ :" ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله : لتؤمِنُنَّ به "، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول : والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ : والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في " لِما " بقوله :" لتؤمِننَّ ". وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب إذا كان ظرفاً أو مجروراً تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك :
١٣٥٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ***. عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
وقولَه تعالى :﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله :" لَتُؤْمِنُنَّ " وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت : أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه.
والثالث : أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي : لأجل إيتائي إياكم كيتَ وكيتَ أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه : لرعاية ما أتيتكم.
الرابع : أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه الأوجهُ بالنسبة إلى اللام.
وأمَّا [ ما ] ففيها ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : أَنْ تكونَ مصدرية وق
أحدُها :" اذكر " إنْ كان الخطاب للنبيّ ﷺ.
والثاني :" اذكروا " إن كان خطاباً لأهل الكتاب.
الثالث :" اصطفى " فيكون معطوفاً على " إذ " المقدَّمةِ قبلها. وفيه بُعْدٌ، بل امتناعٌ لبُعْدِه.
الرابع : أنَّ العامل فيه " قال " من قوله :" قال أأقررتم " وهو واضح جداً.
و ﴿مِيثَاقَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما :" ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب " مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال :" أخطأ الكاتب " وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، فإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.
والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً :
أحدُها : أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة.
الثاني : أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير : ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه :﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ﴾.
الثالث : أنه على حذف مضاف تقديرُه : ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾.
الرابع : قال الزمخشري :" أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدَّ على زَعْمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أَوْلى بالنبوة من محمد ﷺ، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون " وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياءً تهكماً بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تبيِّن ذلك ؟
قوله :﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ العامةُ :" لَما " بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزةُ وحده على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن : لَمَّا بالفتح والتشديد.
فأمَّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه : أحدُها : أن تكون " ما " موصولةً بمعنى الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، وذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير : والله لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل : لأنَّ لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى :" ثم جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه سلم " قال :" وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ". قلت :" وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقولَ في نظيرِه من الكلام :" واللهِ لزيداً " تريد : والله لتضرِبَنَّ زيداً.
الوجه الثاني : وهو قول أبي عليّ وغيره أن تكونَ اللامُ في " لَما " جوابَ قوله :﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء المُتَلَقَّى بها القسمُ، و " ما " مبتدأةٌ موصولة و " آتيناكم " صلتُها، والعائد محذوف تقديره : آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و " من كتاب " حال : إمَّا من الموصول وإمَّا من عائده، وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الصلة، وحينئذ فلا بُدَّ من رابطٍ يربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة صلةٌ، واختلفوا في ذلك : فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره :" ثم جاءكم رسول به " فَحُذِف " به " لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه، وهذا لا يجوزُ ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَفْ إلا بشروطٍ تقدَّمت، هي مفقودةٌ هنا، وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفته، ومنهم مَنْ قال : الربطُ حصل هنا بالظاهر، لأن هذا الظاهر وهو قوله :" لِما معكم " صادقٌ على قوله :" لِما آتيناكم " فهو نظير :" أبو سعيد الذي رَوَيْتُ عن الخِدْريّ، والحَجَّاج الذي رأيتُ ابنُ يوسف "، وقال :
| فيا رَبَّ ليلى أَنْتَ في كلِّ موطن | وأنت الذي في رحمةِ اللهِ أَطْمَعُ |
الثالث : كما تقدم إلا أن اللام في " لما " لامُ التوطئة، لأنَّ أَخْذَ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي " لتؤمِنُنَّ به " لامُ جوابِ القسم، هذا كلام الزمخشري ثم قال :" وما " تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و " لتؤمِنُنَّ " سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى " الذي ". وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنَّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط، وتأتي غالباً مع " إنْ "، أما مع الموصول فلا، فلو جَوَّز في اللام أن تكون موطئةً وأن تكونَ للابتداء، ثم ذكر في " ما " الوجهين لحَمَلْنَا كلَّ واحد على ما يليق به.
الرابع : أن اللامَ هي الموطئة و " ما " بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو " آتيتكم "، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنًى لكونِه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير : والله لأَيَّ شيء آتيتُكم مِنْ كذا وكذا لتكونن كذا.
وقوله :﴿مِّن كِتَابٍ﴾ كقوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدَّم تقريرُه. وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الفعلِ قبلَه فيلزُم أَنْ يكون فيه رابطٌ يربطُه بما عُطِف عليه. و " لتؤمِنُنَّ " جوابٌ لقوله :﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضميرُ في " به " عائدٌ على " رسول "، كذا قال الشيخ، وفيه نظر لأنه عَوْدُه على اسمِ الشرط، ويَسْتَغني حينئذ عن تقديره رابطاً، وهذا كما تقدَّم في الوجهِ الثاني، ونظيرهُ هذا من الكلام أن تقول :" أَحْلِفُ باللهِ لأَيَّهم رأيتُ ثم ذهب إليه رجلٌ قُرَشي لأُحْسِنَنَّ إليه " تريدُ إلى الرجل، وهذا الوجهُ هو مذهبُ الكسائي.
وقال سأل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية فأجابَ بأنَّ " ما " بمنزلة الذي، ودَخَلَتِ اللامُ على " ما " كما دخلت على " إنْ " حين قلت : واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأفعلنَّ، فاللامُ التي في " ما " كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا " هذا نصٌّ الخليل. قال أبو علي :" لم يُرِد الخليل بقوله " إنها بمنزلة الذي " كونَها موصولةً بل أنها اسمٌ كما أن الذي اسم، وقرر أن تكونَ حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله :﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ﴾ [الزخرف: ٣٥] وقال سيبويه :" ومثلُ ذلك :﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] إنما دَخَلَتْ اللامُ على نِيَّة اليمين ".
وإلى كونِها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج والزمخشري والفارسي، قال الشيخ :" وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ ؛ لأنَّ كلاً منهما أعني الشرط والقسم يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ هذا محمولاً عليهما ؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب " قلت : تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.
الخامس : أنَّ أصلَها " لَمَّا " بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة.
وقرأ حمزة :" لِما " بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه :
أحدهما : وهو أغربُها أن تكونَ اللام بمعنى " بعد " كقوله النابعة :
| تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها | لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ |
الثاني : أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة ب " لتؤمِنُنَّ "، و " ما " حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري :" ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ " ما " مصدريةٌ، والفعلان معها أعني :" آتيناكم " و " جاءكم " في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى : أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ :" ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله : لتؤمِنُنَّ به "، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول : والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ : والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في " لِما " بقوله :" لتؤمِننَّ ". وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب إذا كان ظرفاً أو مجروراً تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك :
١٣٥٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ***. عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
وقولَه تعالى :﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله :" لَتُؤْمِنُنَّ " وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت : أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه.
والثالث : أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي : لأجل إيتائي إياكم كيتَ وكيتَ أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه : لرعاية ما أتيتكم.
الرابع : أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه الأوجهُ بالنسبة إلى اللام.
وأمَّا [ ما ] ففيها ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : أَنْ تكونَ مصدرية وق