اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
العامل في " إذْ " وجوه :
أحدها :" اذكر " إن كان الخطاب للنبي ﷺ.
الثاني :" اذكروا " إن كان الخطاب لأهل الكتابِ.
الثالث : اصطفى، فيكون معطوفاً على " إذْ " المتقدمة قبلها، وفيه بُعْدٌ ؛ بل امتناع ؛ لبُعْده.
الرابع : أن العامل فيه " قَالَ " في قوله :﴿قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ﴾ وهو واضح.
وميثاق، يجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أو لمفعوله، وفي مصحف أبيّ وعبد الله وقراءتهما (١) :﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ كما في آخر السورةِ [ الآية : ١٨٧ ]. وعن مجاهد، وقال : أخطأ الكاتب.
قال شهابُ الدين :" وهذا خطأٌ من قائله -كائناً مَنْ كان- ولا أظنه عن مجاهد ؛ فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ولم يَنْقُلْ عنه واحدٌ منهما شيئاً مِنْ ذلك ".
والمعنى على القراءة الشهيرة صحيح، وقد ذكروا فيها أوجهاً :
أحدها : أن الكلام على ظاهرهِ، وأن الله تعالى - أخذ على الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضهم بعضاً وينصر بعضُهم بعضاً، بمعنى : أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبي الذي يأتي بعده، ولا يخذلوه وهذا قول سعيد بن جبيرٍ والحسن وطاووس(٢).
وقيل هذا الميثاقُ مختص بمحمد ﷺ وهذا مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس وقتادةَ والسدي(٣)، واحتج القائلون بهذا بقوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] وهذا يدل على أن الآخذ [ هو الله - تعالى - والمأخوذ منهم هم النبيون، وليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة ] (٤).
وأجيب بأن على الوجه الذي قلتم يكون الميثاقُ مضافاً إلى الموثَقِ عليه. وعلى قولنا إضافته [ إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل - وهو الموثق - وإضافة الفعلِ إلى الفاعل أقوى من إضافته ] (٥) إلى المفعول ؛ فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال : ميثاقُ اللهِ وعهده، فيكون التقدير : وإذ أخذ اللهُ الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أمَمِهم.
ويمكن أن يُراد ميثاق أولاد النبيين - وهم بنو إسرائيلَ - على حذف مضافٍ [ وهو كما يقال :" فعل بكر بن وائل كذا "، و " فعل معد بن عدنان كذا "، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا ههنا ](٦).
ويحتمل أن يكون المراد من لفظ " النَّبِيِّينَ " أهل الكتاب، فأطلق لفظ " النَّبِيِّينَ " عليهم ؛ تهكُّماً بهم على زعمهم ؛ لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد ﷺ لأنا أهل الكتاب، ومنا النبيون، قاله الزمخشريُّ.
ويمكن أنه ذكر النبي والمراد أمته كقوله :﴿يَأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١].
واحتجوا - أيضاً - بما روي أنه ﷺ قال :" لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةٌ، أمَا وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عمْرانَ حَيًّا لَمَا وَسعهُ إلاَّ اتِّبَاعِي ". " (٧).
وبما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال :" إن الله - تعالى - ما بعث آدم وَمَنْ بعده من الأنبياء عليهم السلام إلا أخذ العهد عليه لئن بُعِث محمدٌ وهو حَيٌّ ليؤمننَّ به، ولينصرنه ".
القول الثاني : أن الميثاق مضاف لفاعله، والموثق عليه غير مذكور ؛ لفهم المعنى، والتقدير : ميثاق النبيِّين على أممهم، ويؤيده قراءة أبَيّ وعبد الله، ويؤيده - أيضاً - قوله :﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٢] والمراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بُعِث محمدٌ ﷺ أن يُؤمِنوا به وينصروه وهو قول مجاهدٍ والربيع، واحتجوا بقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وإنما كان محمد ﷺ مبعوثاً إلى أهل الكتابِ دون النبيين.
وقال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ اللهُ الميثاق منهم، يجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ عند مبعثه وكل الأنبياءِ يكونون عند مبعثه عليه السَّلامُ من زمرة الأموات والميت لا يكون مكلفاً، فعلمنا أن المأخوذ عليهم الميثاق ليسوا هم النبيين بل أممهم، ويؤكِّد هذا أنه - تعالى - حكم على مَنْ أخِذ عليهم الميثاقُ أنهم لو تولوا كانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم.
قال القفال عن هذا الاستدلال بأنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ بل يكون هذا كقوله :﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقد علم الله تعالى أنه لا يُشرك قط، ولكن خرج هذا على سبيل الفَرْض والتقدير، وكقوله :﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] وكقوله في صفة الملائكة :﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وكل ذلك على سبيل الفرض والتقدير - فكذا هنا - وقوله : إنه سماهم فاسقين فهو على تقدير التولي، واسم الشرك أقبح من اسم الفسق - وقد ذكره - تعالى - على سبيل الفرض في قوله :﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
واحتجوا - أيضاً - بأن المقصود من الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول ﷺ فإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء وأجيب عن ذلك بأن درجاتِ الأنبياء أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت الآيةُ على أن اللهَ أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ لو كانوا أحياءً - وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين، فلأن يكون الإيمان بمحمد ﷺ واجباً على أممهم كان أولى.
واحتجوا أيضاً بما روي عن ابن عباس قال : إنما أخذ الله ميثاقَ النَّبِيِّين على قومهم. وبقوله تعالى :﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وبقوله :﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقال بعض أصحاب القول الأول : المعنى : أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وينصروه، ويصدقوه - إن أدركوه.
قال بعضهم : إن الله أخذ الميثاق على النبيين وأممِهم - جميعاً - في أمر محمد ﷺ فاكتفى بذكر الأنبياء ؛ لأن العهد مع المتبوع عَهْد مع التابع، وهذا معنى قول ابن عباسٍ.
قرأ العامَّة :" لما آتيتكم " بفتح لام " لما " وتخفيف الميم، وحمزة - وحده - على كسر اللام(٨). وقرأ الحسن وسعيد بن جبير " لَمَّا " بالفتح والتشديد. (٩)
فأما قراءة العامة ففيها خمسة أوجه :
أحدها : أن تكون " ما " موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بفعل محذوف، ذلك الفعل هو جواب القسم والتقدير : واللهِ لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتاب. قال هذا القائلُ : لأن لامَ القسَم إنما تقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على الفعل حُذِف. ثم قال تعالى :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ قال : وعلى هذا التقدير يستقيم النَّظْمُ.
وقال شهاب الدينِ(١٠) : وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز البتة ؛ إذ يمتنع أن تقول في نظيره من الكلام :" والله لزيداً " تريد : والله لنضربن زيداً.
الوجه الثاني : وهو قول أبي علي وغيره : أن تكون اللام - في " لَمَا " - جواب قوله :﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي بمنزلة قولك : لزيدٌ أفضل من عمرو، فهي لام الابتداء المتلَقَّى بها القسم وتسمى اللام المتلقية للقسم. و " ما " مبتدأة موصولة و " آتيتكم " صلتها، والعائد محذوف، تقديره : آتيناكموه فحذف لاستكمال شرطه. و ﴿مِّن كِتَابٍ﴾ حال - إما من الموصول، وإما من عائده - وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطف على الصلة، وحينئذٍ فلا بد من رابط يربط هذه الجملةَ بما قبلها ؛ فإن المعطوفَ على الصلة صِلة.
واختلفوا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه محذوف، تقديره : جاءكم رسول به، فحذف " به " لطول الكلام ودلالة المعنى عليه. وهذا لا يجوز ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَف إلا بشروط، وهي مفقودةٌ هنا، [ وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفت، ومنهم من ] (١١) قال : الربط حصل - هنا - بالظاهر، لأن الظاهر - وهو قوله " لما معكم " صادق على قوله :" لما آتيناكم " فهو نظير : أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت أبو يوسف. وقال :[ الطويل ]
يريد رويت عنه، ورأيته، وفي رحمته. فأقام الظاهر مقام المضمر، وقد وقع ذلك في المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠] ولم يقل : إنا لا نضيع، وقال تعالى :﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] ولم يقل : لا يضيع أجره وهذا رأي أبي الحسن والأخفش. وقد تقدم البحث فيه.
ومنهم من قال : إن العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في " مَعَ " و " لتؤمنن به " جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القَسَم المقدَّر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو " لما آتيناكم " والهاء - في " بِهِ " - تعود على المبتدأ، ولا تعود على " رَسُولٌ " لئلاَّ يلزم خلُوّ الجملة الواقعة خبراً من رابط يربطها بالمبتدأ.
الوجه الثالث : كما تقدم، إلا أن اللام في " لَمَا " لام التوطئة ؛ لأن اخذ الميثاق في معنى الاستخلاف. وفي " لتؤمنن " لام جواب القسم، هذا كلام الزمخشريِّ. ثم قال : و " ما " تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و " لَتُؤمِنُنَّ " سادّ مَسَدّ جواب القَسَم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى الذي. وهذا الذي قاله فيه نظرٌ ؛ من حيثُ إن لام التوطئة تكون مع أدوات الشرط، وتأتي - غالباً - مع " إن " أما مع الموصول فلا يجوزُ في اللام أن تكون موطئةً وأن تكون للابتداء. ثم ذكر في " ما " الوجهين، لحملنا كل واحد على ما يليق به.
الوجه الرابع : أن اللام هي الموطئة، و " ما " بعدها شرطية، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها - وهو " آتيْنَاكُمْ "، وهذا الفعل مستقبل معنًى ؛ لكونه في جزاء الشرط، ومحله الجزم، والتقدير : واللهِ لأي شيء آتيتكم من كذا وكذا ليكونن كذا، وقوله :﴿مِّن كِتَابٍ﴾، كقوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدم تقريره. وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطف على الفعل قبله، فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عُطِف عليه، و " لَتُؤمِنُنَّ " جواب لقوله :﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ وجواب الشرط محذوف، سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضمي
أحدها :" اذكر " إن كان الخطاب للنبي ﷺ.
الثاني :" اذكروا " إن كان الخطاب لأهل الكتابِ.
الثالث : اصطفى، فيكون معطوفاً على " إذْ " المتقدمة قبلها، وفيه بُعْدٌ ؛ بل امتناع ؛ لبُعْده.
الرابع : أن العامل فيه " قَالَ " في قوله :﴿قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ﴾ وهو واضح.
وميثاق، يجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أو لمفعوله، وفي مصحف أبيّ وعبد الله وقراءتهما (١) :﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ كما في آخر السورةِ [ الآية : ١٨٧ ]. وعن مجاهد، وقال : أخطأ الكاتب.
قال شهابُ الدين :" وهذا خطأٌ من قائله -كائناً مَنْ كان- ولا أظنه عن مجاهد ؛ فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ولم يَنْقُلْ عنه واحدٌ منهما شيئاً مِنْ ذلك ".
والمعنى على القراءة الشهيرة صحيح، وقد ذكروا فيها أوجهاً :
أحدها : أن الكلام على ظاهرهِ، وأن الله تعالى - أخذ على الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضهم بعضاً وينصر بعضُهم بعضاً، بمعنى : أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبي الذي يأتي بعده، ولا يخذلوه وهذا قول سعيد بن جبيرٍ والحسن وطاووس(٢).
وقيل هذا الميثاقُ مختص بمحمد ﷺ وهذا مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس وقتادةَ والسدي(٣)، واحتج القائلون بهذا بقوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] وهذا يدل على أن الآخذ [ هو الله - تعالى - والمأخوذ منهم هم النبيون، وليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة ] (٤).
وأجيب بأن على الوجه الذي قلتم يكون الميثاقُ مضافاً إلى الموثَقِ عليه. وعلى قولنا إضافته [ إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل - وهو الموثق - وإضافة الفعلِ إلى الفاعل أقوى من إضافته ] (٥) إلى المفعول ؛ فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال : ميثاقُ اللهِ وعهده، فيكون التقدير : وإذ أخذ اللهُ الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أمَمِهم.
ويمكن أن يُراد ميثاق أولاد النبيين - وهم بنو إسرائيلَ - على حذف مضافٍ [ وهو كما يقال :" فعل بكر بن وائل كذا "، و " فعل معد بن عدنان كذا "، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا ههنا ](٦).
ويحتمل أن يكون المراد من لفظ " النَّبِيِّينَ " أهل الكتاب، فأطلق لفظ " النَّبِيِّينَ " عليهم ؛ تهكُّماً بهم على زعمهم ؛ لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد ﷺ لأنا أهل الكتاب، ومنا النبيون، قاله الزمخشريُّ.
ويمكن أنه ذكر النبي والمراد أمته كقوله :﴿يَأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١].
واحتجوا - أيضاً - بما روي أنه ﷺ قال :" لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةٌ، أمَا وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عمْرانَ حَيًّا لَمَا وَسعهُ إلاَّ اتِّبَاعِي ". " (٧).
وبما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال :" إن الله - تعالى - ما بعث آدم وَمَنْ بعده من الأنبياء عليهم السلام إلا أخذ العهد عليه لئن بُعِث محمدٌ وهو حَيٌّ ليؤمننَّ به، ولينصرنه ".
القول الثاني : أن الميثاق مضاف لفاعله، والموثق عليه غير مذكور ؛ لفهم المعنى، والتقدير : ميثاق النبيِّين على أممهم، ويؤيده قراءة أبَيّ وعبد الله، ويؤيده - أيضاً - قوله :﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٢] والمراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بُعِث محمدٌ ﷺ أن يُؤمِنوا به وينصروه وهو قول مجاهدٍ والربيع، واحتجوا بقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وإنما كان محمد ﷺ مبعوثاً إلى أهل الكتابِ دون النبيين.
وقال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ اللهُ الميثاق منهم، يجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ عند مبعثه وكل الأنبياءِ يكونون عند مبعثه عليه السَّلامُ من زمرة الأموات والميت لا يكون مكلفاً، فعلمنا أن المأخوذ عليهم الميثاق ليسوا هم النبيين بل أممهم، ويؤكِّد هذا أنه - تعالى - حكم على مَنْ أخِذ عليهم الميثاقُ أنهم لو تولوا كانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم.
قال القفال عن هذا الاستدلال بأنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ بل يكون هذا كقوله :﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقد علم الله تعالى أنه لا يُشرك قط، ولكن خرج هذا على سبيل الفَرْض والتقدير، وكقوله :﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] وكقوله في صفة الملائكة :﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وكل ذلك على سبيل الفرض والتقدير - فكذا هنا - وقوله : إنه سماهم فاسقين فهو على تقدير التولي، واسم الشرك أقبح من اسم الفسق - وقد ذكره - تعالى - على سبيل الفرض في قوله :﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
واحتجوا - أيضاً - بأن المقصود من الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول ﷺ فإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء وأجيب عن ذلك بأن درجاتِ الأنبياء أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت الآيةُ على أن اللهَ أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ لو كانوا أحياءً - وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين، فلأن يكون الإيمان بمحمد ﷺ واجباً على أممهم كان أولى.
واحتجوا أيضاً بما روي عن ابن عباس قال : إنما أخذ الله ميثاقَ النَّبِيِّين على قومهم. وبقوله تعالى :﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وبقوله :﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقال بعض أصحاب القول الأول : المعنى : أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وينصروه، ويصدقوه - إن أدركوه.
قال بعضهم : إن الله أخذ الميثاق على النبيين وأممِهم - جميعاً - في أمر محمد ﷺ فاكتفى بذكر الأنبياء ؛ لأن العهد مع المتبوع عَهْد مع التابع، وهذا معنى قول ابن عباسٍ.
قرأ العامَّة :" لما آتيتكم " بفتح لام " لما " وتخفيف الميم، وحمزة - وحده - على كسر اللام(٨). وقرأ الحسن وسعيد بن جبير " لَمَّا " بالفتح والتشديد. (٩)
فأما قراءة العامة ففيها خمسة أوجه :
أحدها : أن تكون " ما " موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بفعل محذوف، ذلك الفعل هو جواب القسم والتقدير : واللهِ لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتاب. قال هذا القائلُ : لأن لامَ القسَم إنما تقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على الفعل حُذِف. ثم قال تعالى :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ قال : وعلى هذا التقدير يستقيم النَّظْمُ.
وقال شهاب الدينِ(١٠) : وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز البتة ؛ إذ يمتنع أن تقول في نظيره من الكلام :" والله لزيداً " تريد : والله لنضربن زيداً.
الوجه الثاني : وهو قول أبي علي وغيره : أن تكون اللام - في " لَمَا " - جواب قوله :﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي بمنزلة قولك : لزيدٌ أفضل من عمرو، فهي لام الابتداء المتلَقَّى بها القسم وتسمى اللام المتلقية للقسم. و " ما " مبتدأة موصولة و " آتيتكم " صلتها، والعائد محذوف، تقديره : آتيناكموه فحذف لاستكمال شرطه. و ﴿مِّن كِتَابٍ﴾ حال - إما من الموصول، وإما من عائده - وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطف على الصلة، وحينئذٍ فلا بد من رابط يربط هذه الجملةَ بما قبلها ؛ فإن المعطوفَ على الصلة صِلة.
واختلفوا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه محذوف، تقديره : جاءكم رسول به، فحذف " به " لطول الكلام ودلالة المعنى عليه. وهذا لا يجوز ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَف إلا بشروط، وهي مفقودةٌ هنا، [ وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفت، ومنهم من ] (١١) قال : الربط حصل - هنا - بالظاهر، لأن الظاهر - وهو قوله " لما معكم " صادق على قوله :" لما آتيناكم " فهو نظير : أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت أبو يوسف. وقال :[ الطويل ]
| فَيَا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ | وَأنْتَ الَّذِي فِي رَحْمةِ اللهِ أطْمَعُ(١٢) |
ومنهم من قال : إن العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في " مَعَ " و " لتؤمنن به " جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القَسَم المقدَّر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو " لما آتيناكم " والهاء - في " بِهِ " - تعود على المبتدأ، ولا تعود على " رَسُولٌ " لئلاَّ يلزم خلُوّ الجملة الواقعة خبراً من رابط يربطها بالمبتدأ.
الوجه الثالث : كما تقدم، إلا أن اللام في " لَمَا " لام التوطئة ؛ لأن اخذ الميثاق في معنى الاستخلاف. وفي " لتؤمنن " لام جواب القسم، هذا كلام الزمخشريِّ. ثم قال : و " ما " تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و " لَتُؤمِنُنَّ " سادّ مَسَدّ جواب القَسَم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى الذي. وهذا الذي قاله فيه نظرٌ ؛ من حيثُ إن لام التوطئة تكون مع أدوات الشرط، وتأتي - غالباً - مع " إن " أما مع الموصول فلا يجوزُ في اللام أن تكون موطئةً وأن تكون للابتداء. ثم ذكر في " ما " الوجهين، لحملنا كل واحد على ما يليق به.
الوجه الرابع : أن اللام هي الموطئة، و " ما " بعدها شرطية، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها - وهو " آتيْنَاكُمْ "، وهذا الفعل مستقبل معنًى ؛ لكونه في جزاء الشرط، ومحله الجزم، والتقدير : واللهِ لأي شيء آتيتكم من كذا وكذا ليكونن كذا، وقوله :﴿مِّن كِتَابٍ﴾، كقوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدم تقريره. وقوله :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطف على الفعل قبله، فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عُطِف عليه، و " لَتُؤمِنُنَّ " جواب لقوله :﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ وجواب الشرط محذوف، سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضمي
١ انظر: المحرر الوجيز ١/٤٦٤، والبحر المحيط ٢/٥٣٢، والدر المصون ٢/١٥١..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٥٥) عن ابن عباس وطاووس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٨٤) عن ابن عباس وازد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أيضا عن طاووس (٢/٨٤) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد بن حميد..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٥٥) عن علي بن أبي طالب وقتادة والسدي. وذكره السيوطي في "الدرر المنثور" (٢/٨٤) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد.
وذكره أيضا عن السدي (٢/٨٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في ب..
٧ أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٣/٣٧٨) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٧) عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه ابن الضريس عن عمر كما في "الدر المنثور" (٥/١٤٩). والحديث ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٤/٢٩٦) وابن حجر في "الفتح" (١٣/٣٣٤)..
٨ انظر: السبعة ٢١٣، والكشف ١/٣٥١، والحجة ٣/٦٢، والعنوان ٨٠، وحجة القراءات ١٦٨، وإعراب القراءات ١/١١٦ وشرح الطيبة ٤/١٦١، وشرح شعلة ٣٢٠، وإتحاف ١/٤٨٣..
٩ انظر: المحرر الوجيز ١/٤٦٥، والبحر المحيط ٢/٥٣٢، والدر المصون ٢/١٥٢..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/١٥٢..
١١ سقط في ب..
١٢ البيت للمجنون ينظر الدرر ١/٢٨٦، وشرح شواهد المغني ٢/٥٥٩، والمقاصد النحوية ١/٤٩٧، وشرح التصريح ١/١٤٠، ومغني اللبيب ١/٢١٠، وشرح الأشموني ١/٦٧، وهمع الهوامع ١/٨٧. والدر المصون ٢/١٥٢..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٥٥) عن ابن عباس وطاووس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٨٤) عن ابن عباس وازد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أيضا عن طاووس (٢/٨٤) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد بن حميد..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٥٥) عن علي بن أبي طالب وقتادة والسدي. وذكره السيوطي في "الدرر المنثور" (٢/٨٤) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد.
وذكره أيضا عن السدي (٢/٨٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في ب..
٧ أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٣/٣٧٨) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٧) عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه ابن الضريس عن عمر كما في "الدر المنثور" (٥/١٤٩). والحديث ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٤/٢٩٦) وابن حجر في "الفتح" (١٣/٣٣٤)..
٨ انظر: السبعة ٢١٣، والكشف ١/٣٥١، والحجة ٣/٦٢، والعنوان ٨٠، وحجة القراءات ١٦٨، وإعراب القراءات ١/١١٦ وشرح الطيبة ٤/١٦١، وشرح شعلة ٣٢٠، وإتحاف ١/٤٨٣..
٩ انظر: المحرر الوجيز ١/٤٦٥، والبحر المحيط ٢/٥٣٢، والدر المصون ٢/١٥٢..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/١٥٢..
١١ سقط في ب..
١٢ البيت للمجنون ينظر الدرر ١/٢٨٦، وشرح شواهد المغني ٢/٥٥٩، والمقاصد النحوية ١/٤٩٧، وشرح التصريح ١/١٤٠، ومغني اللبيب ١/٢١٠، وشرح الأشموني ١/٦٧، وهمع الهوامع ١/٨٧. والدر المصون ٢/١٥٢..