البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى : لما نفى عن أهل الكتاب قبائح أقوالهم وأفعالهم، وكان مما ذكر أخيراً اشتراءهم بآيات الله ثمناً قليلاً، وما يؤول أمرهم إليه في الآخرة، وإن منهم من بدل في كتابه وغير، وصف رسول الله ﷺ ونزه رسوله عن الأمر بأن يعبد هو أو غيره، بل تفرّد بالله تعالى بالعبادة، أخذ تعالى يقيم الحجة على أهل الكتاب وغيرهم ممن أنكر نبوّته ودينه، فذكر أخذ الميثاق على أنبيائهم بالإيمان برسول الله ﷺ، والتصديق له، والقيام بنصرته، وإقرارهم بذلك، وشهادتهم على أنفسهم، وشهادته تعالى عليهم بذلك، وهذا العهد مذكور في كتبهم وشاهد بذلك أنبياؤهم.
وقرأ أبي، وعبد الله : ميثاق الذين أوتوا الكتاب، بدل : النبيين، وكذا هو في مصحفيهما.
وروي عن مجاهد أنه قال : هكذا هو القرآن، وإثبات النبيين خطأ من الكاتب، وهذا لا يصح عنه لأن الرواة الثقاة نقلوا عنه أنه قرأ : النبيين كعبد الله بن كثير وغيره، وإن صح ذلك عن غيره فهو خطأ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان.
والخطاب بقوله : وإذ أخذ، يجوز أن يكون للنبي ﷺ، أمره أن يذكر أهل الكتاب بما هو في كتبهم من أخذ الميثاق على النبيين، ويجوز أن يتوجه إلى أهل الكتاب أمروا أن يذكروا ذلك، وعلى هذين التقديرين يكون العامل : أذكر، أو : أذكروا، ويجوز أن يكون العامل في : إذ، قال من قوله :﴿قال أأقررتم﴾ وهو حسن، إذ لا تكلف فيه.
قيل : ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم من لفظ إذ، والعامل فيها : اصطفى، وهذا بعيد جداً.
وظاهر الكلام يدل على أن الله هو الآخذ ميثاق النبيين فروي عن عليّ، وابن عباس، وطاووس، والحسن، والسدّي : أن الذين أخذ ميثاقهم هم الأنبياء دون أممهم، أخذ عليهم أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن ينصر بعضهم بعضاً، ونصرة كل نبي لمن بعده توصية من آمن به أن ينصره إذا أدرك زمانه.
وينبو عن هذا المعنى لفظ :﴿ثم جاءكم رسول﴾ إلى آخر الكلام.
وقال ابن عباس أيضاً فيما روى عنه : أخذ ميثاق النبيين وأممهم على الأيمان بمحمد ﷺ ونصره، واجتزأ بذكر النبيين من ذكر أممها لأن الأمم أتباع للأنبياء، ويدل عليه قول عليّ كرّم الله وجهه : ما بعث الله نبياً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمد ﷺ، وأمره بأخذ العهد على قومه فيه بأن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوا زمانه.
وروي عن ابن عباس أيضاً : أنه تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه أخذ الميثاق على جميع المرسلين أن يقروا بمحمد ﷺ.
وعلى هذين القولين يكون قوله :﴿ثم جاءكم رسول﴾ عني به واحد وهو محمد ﷺ، ولا يكون جنساً.
ويبعد قول ابن عباس : أن الميثاق كان حين أخرجهم من ظهر آدم كالذر.
قرأ حمزة : لما آتيناكم، لأن الظاهر أن ذلك كان بعد إيتاء الكتاب والحكمة.
و : ميثاق، مضاف إلى النبيين، فيحتمل أن يكون النبيون هم الموثقون للعهد على أممهم، ويحتمل أن يكونوا هم الموثق عليهم، والذي يدل عليه ما قبل الآية من قوله :﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله﴾ الآية وما بعدها من قوله :﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ أن المراد بقوله ﴿ثم جاءكم رسول﴾ هو محمد ﷺ، ولذلك جاء مصدقاً لما معكم.
وكثيراً ما وصف بهذا الوصف في القرآن رسولنا محمد ﷺ، ألا ترى إلى قوله ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق﴾ وكذلك وصف كتابه بأنه مصدق لما في كتبهم، وإذا تقرر هذا كان المجاز في صدر الآية فيكون على حذف مضاف أي : وإذ أخذ الله ميثاق أتباع النبيين من أهل الكتاب، أو ميثاق أولاد النبيين، فيوافق صدر الآية ما بعدها، وجعل ذلك ميثاقاً للنبيين على سبيل التعظيم لهذا الميثاق، أو يكون المأخوذ عليهم الميثاق مقدّراً بعد النبيين، التقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم.
ويبين هذا التأويل قراءة أبي، وعبد الله : ميثاق الذين أوتوا الكتاب، ويبين أيضاً أن الميثاق كان على الأمم قوله :﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ ومحال هذا الفرض في حق النبيين، وإنما ذلك في حق الأتباع.
وقرأ جمهور السبعة : لما، بفتح اللام وتخفيف الميم وقرأ حمزة : لما، بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير، والحسن : لما، بتشديد الميم.
فأما توجيه قراءة الجمهور ففيه أربعة أقوال.
أحدها : أن : ما، شرطية منصوبة على المفعول بالفعل بعدها، واللام قبلها موطئة لمجيء : ما، بعدها جواباً للقسم، وهو أخذ الله ميثاق.
و : من، في قوله : من كتاب، كهي، في قوله :﴿ما ننسخ من آية﴾ والفعل بعد : ما، ماضٍ معناه الاستقبال لتقدم، ما، الشرطية عليه.
وقوله : ثم جاءكم، معطوف على الفعل بعد : ما، فهو في حيز الشرط، ويلزم أن يكون في قوله : ثم جاءكم، رابط يربطها بما عطفت عليه، لأن : جاءكم، معطوف على الفعل بعد : ما، و : لتؤمنن به، جواب لقوله ﴿أخذ الله ميثاق النبيين﴾ ونظيره من الكلام في التركيب : أقسم لأيهم صحبت، ثم أحسن إليه رجل تميمي لأحسنن إليه، تريد لأحسنن إلى الرجل التميمي.
فلأحسنن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وكذلك في الآية جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، والضمير في : به، عائد على : رسول، وهذا القول، وهو أن : ما، شرطية هو قول الكسائي.
وسأل سيبويه الخليل عن هذه الآية فقال ما نصه : ما، ههنا بمنزلة : الذي، ودخلت اللام كما دخلت على : إن، حين قلت : والله لئن فعلت لأفعلن، فاللام في : ما، كهذه التي في : أن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا انتهى ثم قال سيبويه : ومثل ذلك ﴿لمن تبعك منهم لأملأن جهنم﴾ إنما دخلت اللام على نية اليمين انتهى.
وقال أبو علي : لم يرد الخليل بقوله : بمنزلة الذي أنها موصولة، بل أنها اسم، كما أن الذي اسم ووفرَّ أن تكون حرفاً كما جاءت حرفاً :﴿وإن كلا لما ليوفينهم﴾ وفي قوله :﴿وإن كل ذلك لما متاع﴾ انتهى.
وتحصل من كلام الخليل وسيبويه أن : ما، في : لما أتيتكم، شرطية وقد خرجها على الشرطية غير هؤلاء : كالمازني، والزجاج، وأبي علي، والزمخشري، وابن عطية وفيه خدش لطيف جدّاً، وهو أنه : إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفاً لدلالة جواب القسم عليه، وإذا كان كذلك فالمحذوف من جنس المثبت، ومتعلقاته متعلقاته، فإذا قلت : والله لمن جاءني لأكرمنه، فجواب : مَنْ، محذوف، التقدير : من جاءني أكرمه.
وفي الآية اسم الشرط : ما، وجوابه محذوف من جنس جواب القسم، وهو الفعل المقسم عليه، ومتعلق الفعل هو ضمير الرسول بواسطة حرف الجر لا ضمير : ما، المقدّر، فجواب : ما، المقدّر إن كان من جنس جواب القسم فلا يجوز ذلك، لأنه تعرٍّ.
والجملة الجوابية إذ ذاك من ضمير يعود على اسم الشرط، وإن كان من غير جنس جواب القسم فيكف يدل عليه جواب القسم وهو من غير جنسه وهو لا يحذف إلاَّ إذا كان من جنس جواب القسم ؟ ألا ترى أنك لو قلت : والله لئن ضربني زيد لأضربنه ؟ فكيف تقدره : إن ضربني زيد أضربه ؟ ولا يجوز أن يكون التقدير : والله إن ضربني زيد أشكه لأضربنه، لأن : لأضربنه، لا يدل على : أشكه، فهذا ما يرد على قول من خرج : ما، على أنها شرطية.
وأما قول الزمخشري : ولتؤمنن، ساد مسد جواب القسم، والشرط جميعاً فقول ظاهره مخالف لقول من جعل : ما، شرطية، لأنهم نصوا على أن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، اللهم إن عنى أنه من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب يسد مسدهما، فيمكن أن يقال ؛ وأما من حيث تفسير الإعراب فلا يصح، لأن كلاًّ منهما، أعني : الشرط والقسم، يطلب جواباً على حدة، ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما، لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل فيه، فيكون في موضع جزم، والقسم يطلبه على جهة التعلق المعنوي به بغير عمل فيه، فلا موضع له من الإعراب.
ومحال أن يكون الشيء الواحد له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب.
والقول الثاني : قاله أبو علي الفارسي وغيره، وهو : أن تكون : ما، موصولة مبتدأة، وصلتها : آتيناكم، والعائد محذوف تقديره : آتيناكموه، و : ثم جاءكم، معطوف على الصلة، والعائد منها على الموصول محذوف تقديره : ثم جاءكم رسول به، فحذف لدلالة المعنى عليه، هكذا خرجوه، وزعموا أن ذلك على مذهب سيبويه، وخرجوه على مذهب الأخفش : أن الربط لهذه الجملة العارية عن الضمير حصل بقوله : لما معكم، لأنه هو الموصول، فكأنه قيل : ثم جاءكم رسول مصدق له، وقد جاء الربط في الصلة بغير الضمير، إلاَّ أنه قليل : روي من كلامهم : أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، يريدون : رويت عنه وقال :
يريد في رحمته أطمع.
وخبر المبتدأ، الذي هو : ما، الجملة من القسم المحذوف وجوابه، وهو : لتؤمنن به، والضمير في : به، عائد على الموصول المبتدأ، ولا يعود على : رسول، لئلا تخلو الجملة التي وقعت خبراً عن المبتدأ من رابط يربطها به، والجملة الابتدائية التي هي : لما آتيناكم، إلى آخره هي الجملة المتلقى بها ما أجرى مجرى القسم، وهو قوله :﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾.
والقول الثالث : قاله بعض أهل العلم، وهو : أن تكون : ما، موصولة مفعولة بفعل جواب القسم، التقدير : لتبلغن ما آتيناكم من كتاب وحكمة، قال : إلاَّ أنه حذف : لتبلغن، للدلالة عليه، لأن لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل حذف، ثم قال تعالى :﴿ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم﴾ وهو محمد ﷺ ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ وعلى هذا التقدير يستقيم النظم، انتهى.
ويعني : يكون : لتؤمنن به، جواب قسم محذوف، وهذا بعيد جداً لا يحفظ من كلامهم، والله لزيداً تريد ليضربن زيداً.
والقول الرابع : قاله ابن أبي إسحاق، وهو : أن يكون : لما، تخفيف لما، والتقدير : حين آتيناكم، ويأتي توجيه قراءة التشديد.
وأمّا توجيه قراءة حمزة : فاللام هي للتعليل، و : ما، موصولة : بآتيناكم، والعائد محذوف.
و : ثم جاءكم، معطوف على الصلة، والرابط لها بالموصول إما إضمار : به، على ما نسب إلى سيبويه، وإما هذا الظاهر الذي هو : لما معكم، لأنه في المعنى هو الموصول على مذهب أبي الحسن.
وقول الزمخشري : فجواب : أخذ الله ميثاق النبيين هو لتؤمنن به، والضمير في : به، عائد على رسول، ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار والمجرور، لو قلت : أقسمت للخبر الذي بلغني عن عمر ولأحسنن إليه، جاز.
وأجاز الزمخشري، في قراءة حمزة، أن تكون : ما، مصدرية، وبدأ به في توجيه هذه القراءة، قال : ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به، على أن : ما، مصدرية، والفعلان معها أعني : آتيناكم وجاءكم، في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل
وقرأ أبي، وعبد الله : ميثاق الذين أوتوا الكتاب، بدل : النبيين، وكذا هو في مصحفيهما.
وروي عن مجاهد أنه قال : هكذا هو القرآن، وإثبات النبيين خطأ من الكاتب، وهذا لا يصح عنه لأن الرواة الثقاة نقلوا عنه أنه قرأ : النبيين كعبد الله بن كثير وغيره، وإن صح ذلك عن غيره فهو خطأ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان.
والخطاب بقوله : وإذ أخذ، يجوز أن يكون للنبي ﷺ، أمره أن يذكر أهل الكتاب بما هو في كتبهم من أخذ الميثاق على النبيين، ويجوز أن يتوجه إلى أهل الكتاب أمروا أن يذكروا ذلك، وعلى هذين التقديرين يكون العامل : أذكر، أو : أذكروا، ويجوز أن يكون العامل في : إذ، قال من قوله :﴿قال أأقررتم﴾ وهو حسن، إذ لا تكلف فيه.
قيل : ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم من لفظ إذ، والعامل فيها : اصطفى، وهذا بعيد جداً.
وظاهر الكلام يدل على أن الله هو الآخذ ميثاق النبيين فروي عن عليّ، وابن عباس، وطاووس، والحسن، والسدّي : أن الذين أخذ ميثاقهم هم الأنبياء دون أممهم، أخذ عليهم أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن ينصر بعضهم بعضاً، ونصرة كل نبي لمن بعده توصية من آمن به أن ينصره إذا أدرك زمانه.
وينبو عن هذا المعنى لفظ :﴿ثم جاءكم رسول﴾ إلى آخر الكلام.
وقال ابن عباس أيضاً فيما روى عنه : أخذ ميثاق النبيين وأممهم على الأيمان بمحمد ﷺ ونصره، واجتزأ بذكر النبيين من ذكر أممها لأن الأمم أتباع للأنبياء، ويدل عليه قول عليّ كرّم الله وجهه : ما بعث الله نبياً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمد ﷺ، وأمره بأخذ العهد على قومه فيه بأن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوا زمانه.
وروي عن ابن عباس أيضاً : أنه تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه أخذ الميثاق على جميع المرسلين أن يقروا بمحمد ﷺ.
وعلى هذين القولين يكون قوله :﴿ثم جاءكم رسول﴾ عني به واحد وهو محمد ﷺ، ولا يكون جنساً.
ويبعد قول ابن عباس : أن الميثاق كان حين أخرجهم من ظهر آدم كالذر.
قرأ حمزة : لما آتيناكم، لأن الظاهر أن ذلك كان بعد إيتاء الكتاب والحكمة.
و : ميثاق، مضاف إلى النبيين، فيحتمل أن يكون النبيون هم الموثقون للعهد على أممهم، ويحتمل أن يكونوا هم الموثق عليهم، والذي يدل عليه ما قبل الآية من قوله :﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله﴾ الآية وما بعدها من قوله :﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ أن المراد بقوله ﴿ثم جاءكم رسول﴾ هو محمد ﷺ، ولذلك جاء مصدقاً لما معكم.
وكثيراً ما وصف بهذا الوصف في القرآن رسولنا محمد ﷺ، ألا ترى إلى قوله ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق﴾ وكذلك وصف كتابه بأنه مصدق لما في كتبهم، وإذا تقرر هذا كان المجاز في صدر الآية فيكون على حذف مضاف أي : وإذ أخذ الله ميثاق أتباع النبيين من أهل الكتاب، أو ميثاق أولاد النبيين، فيوافق صدر الآية ما بعدها، وجعل ذلك ميثاقاً للنبيين على سبيل التعظيم لهذا الميثاق، أو يكون المأخوذ عليهم الميثاق مقدّراً بعد النبيين، التقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم.
ويبين هذا التأويل قراءة أبي، وعبد الله : ميثاق الذين أوتوا الكتاب، ويبين أيضاً أن الميثاق كان على الأمم قوله :﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ ومحال هذا الفرض في حق النبيين، وإنما ذلك في حق الأتباع.
وقرأ جمهور السبعة : لما، بفتح اللام وتخفيف الميم وقرأ حمزة : لما، بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير، والحسن : لما، بتشديد الميم.
فأما توجيه قراءة الجمهور ففيه أربعة أقوال.
أحدها : أن : ما، شرطية منصوبة على المفعول بالفعل بعدها، واللام قبلها موطئة لمجيء : ما، بعدها جواباً للقسم، وهو أخذ الله ميثاق.
و : من، في قوله : من كتاب، كهي، في قوله :﴿ما ننسخ من آية﴾ والفعل بعد : ما، ماضٍ معناه الاستقبال لتقدم، ما، الشرطية عليه.
وقوله : ثم جاءكم، معطوف على الفعل بعد : ما، فهو في حيز الشرط، ويلزم أن يكون في قوله : ثم جاءكم، رابط يربطها بما عطفت عليه، لأن : جاءكم، معطوف على الفعل بعد : ما، و : لتؤمنن به، جواب لقوله ﴿أخذ الله ميثاق النبيين﴾ ونظيره من الكلام في التركيب : أقسم لأيهم صحبت، ثم أحسن إليه رجل تميمي لأحسنن إليه، تريد لأحسنن إلى الرجل التميمي.
فلأحسنن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وكذلك في الآية جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، والضمير في : به، عائد على : رسول، وهذا القول، وهو أن : ما، شرطية هو قول الكسائي.
وسأل سيبويه الخليل عن هذه الآية فقال ما نصه : ما، ههنا بمنزلة : الذي، ودخلت اللام كما دخلت على : إن، حين قلت : والله لئن فعلت لأفعلن، فاللام في : ما، كهذه التي في : أن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا انتهى ثم قال سيبويه : ومثل ذلك ﴿لمن تبعك منهم لأملأن جهنم﴾ إنما دخلت اللام على نية اليمين انتهى.
وقال أبو علي : لم يرد الخليل بقوله : بمنزلة الذي أنها موصولة، بل أنها اسم، كما أن الذي اسم ووفرَّ أن تكون حرفاً كما جاءت حرفاً :﴿وإن كلا لما ليوفينهم﴾ وفي قوله :﴿وإن كل ذلك لما متاع﴾ انتهى.
وتحصل من كلام الخليل وسيبويه أن : ما، في : لما أتيتكم، شرطية وقد خرجها على الشرطية غير هؤلاء : كالمازني، والزجاج، وأبي علي، والزمخشري، وابن عطية وفيه خدش لطيف جدّاً، وهو أنه : إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفاً لدلالة جواب القسم عليه، وإذا كان كذلك فالمحذوف من جنس المثبت، ومتعلقاته متعلقاته، فإذا قلت : والله لمن جاءني لأكرمنه، فجواب : مَنْ، محذوف، التقدير : من جاءني أكرمه.
وفي الآية اسم الشرط : ما، وجوابه محذوف من جنس جواب القسم، وهو الفعل المقسم عليه، ومتعلق الفعل هو ضمير الرسول بواسطة حرف الجر لا ضمير : ما، المقدّر، فجواب : ما، المقدّر إن كان من جنس جواب القسم فلا يجوز ذلك، لأنه تعرٍّ.
والجملة الجوابية إذ ذاك من ضمير يعود على اسم الشرط، وإن كان من غير جنس جواب القسم فيكف يدل عليه جواب القسم وهو من غير جنسه وهو لا يحذف إلاَّ إذا كان من جنس جواب القسم ؟ ألا ترى أنك لو قلت : والله لئن ضربني زيد لأضربنه ؟ فكيف تقدره : إن ضربني زيد أضربه ؟ ولا يجوز أن يكون التقدير : والله إن ضربني زيد أشكه لأضربنه، لأن : لأضربنه، لا يدل على : أشكه، فهذا ما يرد على قول من خرج : ما، على أنها شرطية.
وأما قول الزمخشري : ولتؤمنن، ساد مسد جواب القسم، والشرط جميعاً فقول ظاهره مخالف لقول من جعل : ما، شرطية، لأنهم نصوا على أن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، اللهم إن عنى أنه من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب يسد مسدهما، فيمكن أن يقال ؛ وأما من حيث تفسير الإعراب فلا يصح، لأن كلاًّ منهما، أعني : الشرط والقسم، يطلب جواباً على حدة، ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما، لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل فيه، فيكون في موضع جزم، والقسم يطلبه على جهة التعلق المعنوي به بغير عمل فيه، فلا موضع له من الإعراب.
ومحال أن يكون الشيء الواحد له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب.
والقول الثاني : قاله أبو علي الفارسي وغيره، وهو : أن تكون : ما، موصولة مبتدأة، وصلتها : آتيناكم، والعائد محذوف تقديره : آتيناكموه، و : ثم جاءكم، معطوف على الصلة، والعائد منها على الموصول محذوف تقديره : ثم جاءكم رسول به، فحذف لدلالة المعنى عليه، هكذا خرجوه، وزعموا أن ذلك على مذهب سيبويه، وخرجوه على مذهب الأخفش : أن الربط لهذه الجملة العارية عن الضمير حصل بقوله : لما معكم، لأنه هو الموصول، فكأنه قيل : ثم جاءكم رسول مصدق له، وقد جاء الربط في الصلة بغير الضمير، إلاَّ أنه قليل : روي من كلامهم : أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، يريدون : رويت عنه وقال :
| فيا رب ليلى أنت في كل موطن | وأنت الذي في رحمة الله أطمع |
وخبر المبتدأ، الذي هو : ما، الجملة من القسم المحذوف وجوابه، وهو : لتؤمنن به، والضمير في : به، عائد على الموصول المبتدأ، ولا يعود على : رسول، لئلا تخلو الجملة التي وقعت خبراً عن المبتدأ من رابط يربطها به، والجملة الابتدائية التي هي : لما آتيناكم، إلى آخره هي الجملة المتلقى بها ما أجرى مجرى القسم، وهو قوله :﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾.
والقول الثالث : قاله بعض أهل العلم، وهو : أن تكون : ما، موصولة مفعولة بفعل جواب القسم، التقدير : لتبلغن ما آتيناكم من كتاب وحكمة، قال : إلاَّ أنه حذف : لتبلغن، للدلالة عليه، لأن لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل حذف، ثم قال تعالى :﴿ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم﴾ وهو محمد ﷺ ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ وعلى هذا التقدير يستقيم النظم، انتهى.
ويعني : يكون : لتؤمنن به، جواب قسم محذوف، وهذا بعيد جداً لا يحفظ من كلامهم، والله لزيداً تريد ليضربن زيداً.
والقول الرابع : قاله ابن أبي إسحاق، وهو : أن يكون : لما، تخفيف لما، والتقدير : حين آتيناكم، ويأتي توجيه قراءة التشديد.
وأمّا توجيه قراءة حمزة : فاللام هي للتعليل، و : ما، موصولة : بآتيناكم، والعائد محذوف.
و : ثم جاءكم، معطوف على الصلة، والرابط لها بالموصول إما إضمار : به، على ما نسب إلى سيبويه، وإما هذا الظاهر الذي هو : لما معكم، لأنه في المعنى هو الموصول على مذهب أبي الحسن.
وقول الزمخشري : فجواب : أخذ الله ميثاق النبيين هو لتؤمنن به، والضمير في : به، عائد على رسول، ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار والمجرور، لو قلت : أقسمت للخبر الذي بلغني عن عمر ولأحسنن إليه، جاز.
وأجاز الزمخشري، في قراءة حمزة، أن تكون : ما، مصدرية، وبدأ به في توجيه هذه القراءة، قال : ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به، على أن : ما، مصدرية، والفعلان معها أعني : آتيناكم وجاءكم، في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل