الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( وإِذَا اَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقًَ النَّبِيئِينَ(١) لَمَاءََاتَيْنَاكُم ) [ ٨١-٨٥ ]
أي : واذكر إذ أخذ الله. واللام في " لما " لام تأكيد " وما " بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و( من ) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم(٢) و، ( مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ) الخبر هذا مذهب الخليل(٣) وسيبويه(٤).
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ( لَتُومِنُنَّ بِهِ )(٥) وهذا لام قسم كأنه قال : والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي : ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به(٦).
ومن كسر اللام في " لما " فهي لام الجر أي : أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ( لَتُومِنُنَّ ) من أخذ الميثاق وكأن تقول : أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ( وَإِذَ اَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيئِينَ )، وكذلك قرأها أبي بن كعب(٧)، ودليله قوله :( ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ) وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ( لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا : إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم(٨).
وقال ابن عباس : المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم(٩). وقال طاووس : أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق(١٠) بعضهم بعضاً(١١).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك(١٢).
وقال قتادة : أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له(١٣).
وقال السدي : لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء(١٤).
وقوله :( ءَاَقْرَرْتُمْ(١٥) ) أي : بالميثاق على نحو ما تقدم " ( وَأَخَذتُّمْ(١٦) عَلَى ذَلِكُمُ إٍصْرِي(١٧) ) أي : عهدي ( قَالُوا أَقْرَرْنَا ).
قيل : الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء : أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
( قَالَ فَاشْهَدُوا ) أي : اشهدوا أيها النبيون بما أخذت(١٨) به ميثاقكم عليكم، وعلى أمكم ( وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) أي : أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل : إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور(١٩).
١ - في "لما" ثلاث قراءات: (أ) لما بـ الفتح والتخفيف وهي قراءة الجمهور. (ب) لما بكسر اللام وتخفيف الميم وهي قراءة يحيى بن وثاب وأهل الكوفة. (ج) لَّما بفتح اللام وتشديد الميم وهي قراءة الحسن والأعرج وسعيد بن جبير. انظر: معاني الفراء ١/٢٢٥ وإعراب النحاس ٣٤٨ والمحتسب ١/١٦٤ ومشكل الإعراب ١/١٦٥..
٢ - في كل النسخ "آتيناكموه" وهو خطأ..
٣ - هو الخليل بن أحمد الفراهيدي توفي ١٧٠ هـ إمام في اللغة والنحو، روى الحروف عن عاصم وابن كثير، انظر: طبقات الزبيدي ٤٨..
٤ - انظر: الكتاب ٣/١٠٧ ومشكل الإعراب ١/١٦٥..
٥ - انظر: معاني الأخفش ١/٤١٣..
٦ - عن إعراب النحاس ١/٣٤٨..
٧ - أبي بن كعب توفي ٢١ هـ كان من أحبار اليهود ولما أسلم أصبح من كتّاب الوحي شهد بدراً وأُحداً وغيرها وهو ممن جمع المصحف، انظر: صفة الصفوة ١/٤٧٤ وأسد الغابة ١/٦١..
٨ - انظر: تفسير مجاهد ١/١٣٠ وانظر: جامع البيان ٣/٣٣١..
٩ - انظر: جامع البيان ٣/٣٣١..
١٠ - (ب): تصدق..
١١ - انظر: جامع البيان ٣/٣٣٢-٣٣٣ والدر المنثور ٢/٢٥٢-٢٥٣..
١٢ - انظر: المصدر السابق..
١٣ - انظر: جامع البيان ٣/٣٣٢-٣٣٣ والدر المنثور ٢/٢٥٢-٢٥٣..
١٤ - انظر: المصدر السابق..
١٥ - قر فعل ثلاثي العين ومختلف المعاني وهنا أقر بالأمر بمعنى: اعترف به ونسبه إليه وثبت عليه. انظر: اللسان (قر) ٥/٨٢ وانظر: أيضاً المفردات ٣/٤٣١..
١٦ - (أ) و(ج): ذلك وهو مخالف لخط المصحف..
١٧ - أصل الإصر الثقل، والمقصود به العهد المؤكد الذي ثبط ناقضه عن الثواب والخيرات وسمي العهد إصراً لأنه يمنع من الأمر الذي أخذ له. انظر: تفسير الغريب ١٠٧ والعمدة ١٠١..
١٨ - (ج): أخذ..
١٩ - انظر: جامع البيان ٣/٣٣٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى