الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ هم اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد والقرآن. أو كفروا برسول الله بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطنعهم في كل وقت، وعداوتهم له، ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وصدهم عن الإيمان به، وسخريتهم بكل آية تنزل. وقيل : نزلت في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، وازديادهم الكفر أن قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون، وإن أردنا الرجعة نافقنا بإظهار التوبة.
فإن قلت : قد علم أنّ المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ ؟ قلت : جعلت عبارة عن الموت على الكفر، لأنّ الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل : إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم.
فإن قلت : فلم قيل في إحدى الآيتين ﴿لَّن تُقْبَلَ﴾ بغير فاء، وفي الآخرى ﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ ؟ قلت : قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء.
فإن قلت : فحين كان المعنى ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بمعنى الموت على الكفر، فهلا جعل الموت على الكفر مسبباً عن ارتدادهم وازديادهم الكفر لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر ؟ قلت : لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فإن قلت : فأي فائدة في هذه الكناية، أعني أن كنى عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة ؟ قلت : الفائدة فيها جليلة، وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها، ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة.
وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر. وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبب كما تقول : الذي جاءني له درهم، لم تجعل المجيء سبباً في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك : فله درهم.
فإن قلت : فحين كان المعنى ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بمعنى الموت على الكفر، فهلا جعل الموت على الكفر مسبباً عن ارتدادهم وازديادهم الكفر لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر ؟ قلت : لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فإن قلت : فأي فائدة في هذه الكناية، أعني أن كنى عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة ؟ قلت : الفائدة فيها جليلة، وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها، ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى