جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : لن تدركوا أيها المؤمنون البرّ، وهو البرّ من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له، ويرجونه منه، وذلك تفضله عليهم بإدخاله جنته، وصرف عذابه عنهم¹ ولذلك قال كثير من أهل التأويل : البرّ : الجنة، لأن برّ الربّ بعبده في الآخرة وإكرامه إياه بإدخاله الجنة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله :﴿لَنْ تَنالُوا البِرّ﴾ قال : الجنة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله :﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ﴾ قال : البرّ : الجنة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ﴾ أما البرّ. فالجنة.
فتأويل الكلام : لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم، حتى تنفقوا مما تحبون، يقول : حتى تتصدّقوا مما تحبون وتهوون أن يكون لكم من نفيس أموالكم. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿لَنْ تَنالُوا البِرّ حتى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ يقول : لن تنالوا برّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم ومما تههون من أموالكم.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن، قوله :﴿لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ قال : من المال.
وأما قوله :﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني به : ومهما تنفقوا من شيء فتتصدّقوا به من أموالكم، فإن الله تعالى ذكره بما يتصدّق به المتصدّق منكم، فينفقه مما يحبّ من ماله في سبيل الله، وغير ذلك عليم، يقول : هو ذو علم بذلك كله، لا يعزب عنه شيء منه حتى يجازى صاحبه عليه جزاءه في الاَخرة. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يقول : محفوظ لكم ذلك الله به عليم شاكر له.
وبنحو التأويل الذي قلنا تأوّل هذه الآية جماعة من الصحابة والتابعين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :
﴿لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب، فقال : إن الله يقول :﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ فأعتقها عمر. وهي مثل قول الله عزّ وجلّ :﴿وَيُطْعِمُونَ الطّعامَ على حُبّهِ مِسكِينا وَيَتِيما وأسِيرا﴾، ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن أبي أبي نجيح، عن مجاهد، مثله سواء.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال : لما نزلت هذه الآية :﴿لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ أو هذه الآية :﴿مَنْ ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا﴾ قال أبو طلحة : يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة، ولو استطعت أن أجعله سرّا لم أجعله علانية. فقال رسول الله ﷺ :«اجْعَلْها فِي فُقَرَاءِ أهْلِكَ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال : لما نزلت هذه الآية :
﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ قال أبو طلحة : يا رسول الله، إن الله يسألنا من أموالنا، اشهد أني قد جعلت أرضي بأرْيَحا لله، فقال رسول الله ﷺ :«اجْعَلْها فِي قَرَابَتِكَ ». فجعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا ليث، عن ميمون بن مهران، أن رجلاً سأل أبا ذرّ أيّ الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة عماد الإسلام، والجهاد : سنام العمل، والصدقة شيء عجيب. فقال : يا أبا ذرّ لقد تركت شيئا هو أوثق عملي في نفسي لا أراك ذكرته ! فقال : ما هو ؟ قال : الصيام، فقال : قربة، وليس هناك ! وتلا هذه الآية :﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني داود بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عمرو بن دينار، قال : لما نزلت هذه الاَية :﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ جاء زيد بفرس له يقال لها :«سَبَل » إلى النبيّ ﷺ، فقال : تصدّق بهذه يا رسول الله ! فأعطاها رسول الله ﷺ ابنة أسامة بن زيد بن حارثة، فقال : يا رسول الله إنما أردت أن أتصدّق به، فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب وغيره : أنها حين نزلت :﴿لَنْ تَنَالُوا البِرّ حتى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها، فقال : يا رسول الله هذه في سبيل الله ! فحمل رسول الله ﷺ عليها أسامة بن زيد، فكأن زيدا وجد في نفسه، فلما رأى ذلك منه النبيّ ﷺ قال :«أمَا إنّ اللّهَ قَدْ قَبِلَها ».