غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
﴿القراءات﴾ :﴿أن تنزل﴾ خفيفاً : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد. ﴿حج البيت﴾ بكسر الحاء : يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحها.
الوقوف :﴿تحبون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿تنزل التوراة﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿الظالمون﴾ ه ﴿حنيفاً﴾ ط ﴿المشركين﴾ ه ﴿للعالمين﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مقام إبراهيم﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿آمنا﴾ ط ﴿سبيلا﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿بآيات الله﴾ ط قد قيل : والوجه الوصل لأن الواو للحال ﴿تعملون﴾ ه ﴿شهداء﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿رسوله﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿مستقيم﴾ ه.
ثم إنه سبحانه بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد ﷺ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه : أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد ﷺ على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ. ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي ﷺ بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد ﷺ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء. وثانيها أن اليهود قالوا له : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم ؟ فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب. إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع إلى التوراة. وثالثا لما نزل قوله تعالى :﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾[النساء: ١٦٠] وقوله :﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾[الأنعام: ١٤٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم. غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ. ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم. فقالوا : لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿كل الطعام﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا. والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل. وعن بعض أصحاب أبي حنيفة : إنه اسم البر خاصة. ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها. قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا ﷺ أنها كانت محرمة على إبراهيم ﷺ. وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق. والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع. قال تعالى :﴿لا هن حل لهم﴾ [الممتحنة: ١٠] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي ﷺ أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل. وقيل : كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق. وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.
وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله تعالى، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة ؟ فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء. وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية. وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿فاعتبروا﴾[الحشر: ٢] ولقوله في معرض المدح ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾[النساء: ٨٣] ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى. ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته. والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل : إلا ما حرمه الله تعالى على إسرائيل. فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال : الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.
وقال الأصم : لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم. وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب. ومعنى قوله :﴿من قبل أن تنزل التوراة﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله تعالى :﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا﴾[النساء: ١٦٠] إلى آخر الآية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿لن تنالوا البر﴾ وهو صفة الله ﴿حتى تنفقوا﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿كل الطعام كان حلاً﴾ الخلق ثلاثة أصناف : الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام : منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾[التوبة: ١٠٢]﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾[فاطر: ٣٢] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿أولئك هم خير البرية﴾[البينة: ٧] فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل : المجاهدات تورث المشاهدات ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾
[العنكبوت: ٦٩] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿قل صدق الله﴾ في قوله :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿وما كان من المشركين﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿فيه آيات بينات﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ومن دخله﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿كان آمناً﴾ من نار القطيعة ومن عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسماوات بخلوص النيات وصفاء الطويات. ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ﴿ومن كفر﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن إتباع الهوى إلا منه تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى