المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
قوله :﴿فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك﴾ تحتمل الإشارة -بذلك- أن تكون إلى ثلاثة أشياء : أحدها : أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه، والآخر : أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية :﴿كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، ﴿فمن افترى على الله الكذب﴾، وزاد في المحرمات فهو الظالم، والثالث : أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾(١) فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة، وبخلاف هذه السيرة جاء الإسلام في قوله ﷺ :( يسروا ولا تعسروا ) (٢)، وقوله :( دين الله يسر ) (٣) وقوله :( بعثت بالحنيفية السمحة )(٤).
١ - من الآية (١٦) من سورة النساء..
٢ - أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، والإمام أحمد- عن أنس (الجامع الصغير: ٢/٦٥٦)..
٣ - أخرجه البخاري وهو من أفراده، والنسائي عن أبي هريرة (القسطلاني: ١/١٢٣)..
٤ - أخرجه الخطيب في التاريخ عن جابر. (الجامع الصغير: ١/٤٢٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى