جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه قراء الأمصار :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ على جماع آية، بمعنى : فيه علامات بينات. وقرأ ذلك ابن عباس :«فيه آية بينة » يعني بها : مقام إبراهيم، يراد بها علامة واحدة.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ وما تلك الآيات. فقال بعضهم : مقام إبراهيم والمشعر الحرام، ونحو ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ : مقام إبراهيم، والمشعر.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة ومجاهد :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ قالا : مقام إبراهيم من الاَيات البينات.
وقال آخرون : الاَيات البينات ﴿مَقَام إبرَاهيم وَمن دَخَلَهُ كانَ آمِنا﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، قال : حدثنا عباد، عن الحسن في قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ قال :﴿مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾.
وقال آخرون : الاَيات البينات : هو مقام إبراهيم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ أما الاَيات البينات : فمقام إبراهيم.
وأما الذين قرأوا ذلك :﴿فيه آية بينة﴾ على التوحيد، فإنهم عنوا بالآية البينة : مقام إبراهيم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن بن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ قال : قَدَماه في المقام آية بينة. يقول :﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾ قال : هذا شيء آخر.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيّنَةٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ قال : أثر قدميه في المقام آية بينة.
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال : الاَيات البينات منهن مقام إبراهيم، وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما، فيكون الكلام مرادا فيهن «منهنّ »، فترك ذكره اكتفاءً بدلالة الكلام عليها.
فإن قال قائل : فهذا المقام من الاَيات البينات، فما سائر الاَيات التي من أجلها قيل :﴿آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ ؟ قيل : منهنّ : المقام، ومنهنّ الحِجر، ومنهنّ الحطيم، وأصحّ القراءتين في ذلك قراءة من قرأ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ﴾ على الجماع، لإجماع قراء أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها.
وأما اختلاف أهل التأويل في تأويل :﴿مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ فقد ذكرناه في سورة البقرة، وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنالك، وأنه عندنا : المقام المعروف به.
فتأويل الاَية إذا : إن أوّل بيت وضع للناس مباركا وهدًى للعالمين، للذي ببكة، فيه علامات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم منهن أثر قدم خليله إبراهيم ﷺ في الحجَر الذي قام عليه.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾.


واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : تأويله الخبر عن أن كلّ من جرّ في الجاهلية جريرة ثم عاذ بالبيت لم يكن يها مأخوذا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾ وهذا كان في الجاهلية، كان الرجل لو جرّ كل جريرة على نفسه ثم ألجأ إلى حرم الله، لم يتناول ولم يطلب¹ فأما في الإسلام، فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قُطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحدّ، من قتل فيه قُتل، وعن قتادة أن الحسن كان يقول : إن الحرم لا يمنع من حدود الله، لو أصاب حدّا في غير الحرم فلجأ إلى الحرم ولم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحدّ، ورأى قتادة ما قاله الحسن.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله :﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾ قال : كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم فإن سرق فيه أحد قطع، وإن قتل فيه قتل، ولو قدر فيه على المشركين قُتلوا.
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : حدثنا عبد السلام بن حرب، قال : حدثنا خصيف، عن مجاهد في الرجل يقتل، ثم يدخل الحرم، قال : يؤخذ فيخرج من الحرم، ثم يقام عليه الحدّ. يقول : القتل.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، مثل قول مجاهد.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا هشام، عن الحسن وعطاء في الرجل يصيب الحدّ، ويلجأ إلى الحرم : يخرج من الحرم فيقام عليه الحد.
فتأويل الاَية على قول هؤلاء : فيه آيات بينات مقام إبراهيم، والذي دخله من الناس كان آمنا بها في الجاهلية.
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن يدخله يكن آمنا بها، بمعنى الجزاء، كنحو قول القائل : من قام لي أكرمته : بمعنى من يقم لي أكرمه. وقالوا : هذا أمر كان في الجاهلية، كان الحرم مفزع كل خائف، وملجأ كلّ جانٍ، لأنه لم يكن يُهاج له ذو جريرة، ولا يعرض الرجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء. قالوا : وكذلك هو في الإسلام، لأن الإسلام زاده تعظيما وتكريما. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : حدثنا خصيف، قال حدثنا مجاهد، قال : قال ابن عباس : إذا أصاب الرجل الحدّ قَتل أو سَرق، فدخل الحرم، ولم يبايع ولم يؤو حتى يتبرّم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحدّ. قال : فقلت لابن عباس : ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يؤخذ برْمّته، ثم يخرج من الحرم، فيقام عليه الحدّ، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا عبد الملك، عن عطاء، قال : أخذ ابن الزبير سعدا مولى معاوية، وكان في قلعة بالطائف، فأرسل إلى ابن عباس من يشاوره فيهم، إنهم لنا عين، فأرسل إليه، ابن عباس : لو وجت قاتل أبي لم أعرض له. قال : فأرسل إليه، ابن الزبير : ألا نخرجهم من الحرم ؟ قال : فأرسل إليه ابن عباس : أفلا قبل أن تدخلهم الحرم ؟ زاد أبو السائب في حديثه فأخرجه فصلبهم، ولم يصغ إلى قول ابن عباس.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : من أحدث حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ولم يعرض له ولم يبايع ولم يكلم ولم يؤو حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم أُخذ فأقيم عليه الحدّ. قال : ومن أحدث في الحرم حدثا أقيم عليه الحدّ.
حدثنا أبو كريب قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال : من أحدث حدثا ثم استجار بالبيت فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج، فإذا خرج أقاموا عليه الحدّ.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عمر، قال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هِجْتُه.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا ليث، عن عطاء : أن الوليد بن عتبة أراد أن يقيم الحدّ في الحرم، فقال له عبيد بن عمير : لا تقم عليه الحدّ في الحرم إلا أن يكون أصابه فيه.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا مطرف، عن عامر، قال : إذا أصاب الحدّ، ثم هرب إلى الحرم، فقد أمن، فإذا أصابه في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبي، قال : من أصاب حدا في الحرم ومن أصابه خارجا من الحرم ثم دخل الحرم، لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه.
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : حدثنا عبد السلام بن حرب، قال : حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، وعن عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح في الرجل يقتل، ثم يدخل الحرم، قال : لا يبيعه أهل مكة، ولا يشترون منه، ولا يسقونه ولا يطعمونه، ولا يؤوونه عدّ أشياء كثيرة حتى يخرج من الحرم، فيؤخذ بذنبه.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن الرجل إذا أصاب حدّا ثم دخل الحرم أنه لا يطعم، ولا يسقى، ولا يؤوى، ولا يكلم، ولا ينكح، ولا يبايع، فإذا خرج منه أقيم عليه الحدّ.
حدثني المثنى، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال : إذا أحدث الرجل حدثا، ثم دخل الحرم، لم يؤو، ولم يجالس، ولم يبايع، ولم يطعم، ولم يسق، حتى يخرج من الحرم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أما قوله :﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾ : فلو أن رجلاً قتل رجلاً، ثم أتى الكعبة فعاذ بها، ثم لقيه أخو المقتول لم يحلّ له أبدا أن يقتله.
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن دخله يكن آمنا من النار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن مسلم، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : أخبرنا رزيق بن مسلم المخزومي، قال : حدثنا زياد ابن أبي عياض، عن يحيى بن جعدة، في قوله :﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا﴾ قال : آمنا من النار.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول ابن الزبير ومجاهد والحسن، ومن قال معنى ذلك : ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه، ولكنه يخرج منه فيقام عيه الحدّ إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه.
فتأويل الاَية إذا : فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يخرج منه.
فإن قال قائل : وما منعك من إقامة الحدّ عليه فيه ؟ قيل : لاتفاق جميع السلف على أن من كانت جريرته في غيره ثم عاذ به، فإنه لا يؤخذ بجريرته فيه.
وإنما اختلفوا في صفة إخراجه منه لأخذه بها، فقال بعضهم : صفة ذلك منعه المعاني التي يضطر مع منعه وفقده إلى الخروج منه.
وقال آخرون : لا صفة لذلك غير إخراجه منه بما أمكن إخراجه من المعاني التي توصل إلى إقامة حدّ الله معها، فلذلك قلنا : غير جائز إقامة الحدّ عليه فيه إلا بعد إخراجه منه. فأما من أصاب الحدّ فيه، فإنه لا خلاف بين الجميع في أنه يقام عليه فيه الحدّ، فكلتا المسألتين أصل مجمع على حكمها على ما وصفنا.
فإن قال لنا قائل : وما دلالتك على أن إخراج العائذ بالبيت إذا أتاه مستج

تفسير هذه الآية من كتب أخرى