روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿فِيهِ ءايات بينات﴾ كإهلاك من قصده من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل وغيرهم وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه وعدم نفرة الطير من الناس هناك، وإن أيّ ركن من البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما يليه من البلاد فإذا وقع في مقابلة الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان في مقابلة الركن الشامي كان الخصب بالشام ؛ وإذا عم البيت كان في جميع البلدان وكقلة الجمرات على كثرة الرماة إلى غير ذلك وعدوا منه انحراف الطير عن موازاته على مدى الأعصار، وفيه كلام للمحدثين لأن منها ما يعلوه، وقيل : لا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء، واعترض بأن العقاب علته لأخذ الحية، وقيل : إن الطير المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه وبه جمع بعضهم بين الكلامين ومع هذا في القلب منه شيء فقد نقل بعض الناس أنه شاهد أن الطير مطلقاً تعلوه في بعض الأحايين والضمير المجرور عائد على ﴿البيت﴾ [آل عمران: ٩٦]، والظرفية مجازية وإلا لما صح عدّ هذه الآيات، والجملة إما مستأنفة جىء بها بياناً وتفسيراً للهدى، وإما حال أخرى ولا بأس في ترك الواو في الجملة الاسمية الحالية على ما أشار إليه عبد القاهر وغيره، وجوز أن تكون حالاً من الضمير في العالمين والعامل فيه هدى، أو من الضمير في ﴿مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: ٩٦] وهو العامل فيها، أو يكون صفة لهدى كما أن العالمين كذلك.
وقوله تعالى :﴿مَّقَامِ إبراهيم﴾ مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ أي منها أو أحدها مقام إبراهيم، واختار الحلبي الأخير، وقيل : بدل البعض من الكل وإليه ذهب أبو مسلم، وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان وصح بيان الجمع بالمفرد بناءاً على اشتمال المقام على آيات متعددة ؛ لأن أثر القدمين في الصخرة الصماء آية وغوصهما فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض هذا النوع دون بعض آية وإبقاؤه على ممر الزمان آية وحفظه من الأعداء آية، أو على أن هذه الآية الواحدة لظهور شأنها وقوة دلالتها على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام منزلة منزلة آيات كثيرة، وأيد ذلك بما أخرجه ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ فيه آية بينة بالتوحيد، وفيه أن هذا وإن ساغ معنى إلا أنه يرد عليه أن ﴿ءايات﴾ نكرة، و ﴿مَّقَامِ إبراهيم﴾ معرفة، وقد صرح أبو حيان أنه لا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين، ثم إن سبب هذا الأثر في هذا المقام ما ورد في الأثر عن سعيد بن جبير أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه وقد تقدم غير ذلك في ذلك أيضاً.
﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً﴾ الضمير المنصوب عائد إلى ﴿مَّقَامِ إبراهيم﴾ بمعنى الحرم كله على ما قاله ابن عباس لا موضع القدمين فقط، ويمكن أن يكون هناك استخدام، وقال الجصاص :«أورد الآيات المذكورات في الحرم، ثم قال :﴿وَمَن دَخَلَهُ﴾ الخ فيجب أن يكون المراد جميع الحرم »، والجملة إما ابتدائية وليست بشرطية وإما شرطية عطف كما قال غير واحد من حيث المعنى، على ﴿مَّقَامِ﴾ لأنه في المعنى أمْنُ مَنْ دخله أي ومنها، أو ثانيها أمْنُ مَن دخله أو فيه آيات مقام إبراهيم وَأمْنُ مَن دخله وعلى هذا لا حاجة إلى ما تكلف في توجيه الجمعية لأن الآيتين نوع من الجملة كالثلاثة والأربعة، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، ومثل هذا الطي واقع في الأحاديث النبوية والأشعار العربية، فالأول : كرواية «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » على ما هو الشائع وإن صححوا عدم ذكر ثلاث، وأما الثاني : فمنه قول جرير :
كانت حنيفة ( أثلاثاً ) فثلثهممن العبيد ( وثلث من مواليها )
و ﴿منْ﴾ إما للعقلاء أو لهم ولغيرهم على سبيل التغليب لأنه يأمن فيه الوحش والطير بل والنبات، فحينئذٍ يراد بالأمن ما يصح نسبته إلى الجميع بضرب من التأويل، وعلى التقدير الأول يحتمل أن يراد بالأمن الأمن في الدنيا من نحو القتل والقطع وسائر العقوبات، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية أنه قال : كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه. وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير عن ابنه أنه قال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته ؛ وعن ابن عباس لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أتعرض له، ومذهبه في ذلك أن من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم/ ولا يؤذى ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه ما جرّ فإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم والروايات عنه في ذلك كثيرة وقد تقدم تفصيل الأقوال في المسألة، وأما أن يراد به كما ذهب إليه الصادق رضي الله تعالى عنه الأمن في الآخرة من العذاب، فقد أخرج عبد بن حميد وغيره عن يحيى بن جعدة أن من دخله كان آمناً من النار، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفوراً له "
، وروي من غير طريق عنه ﷺ أنه قال :«من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة »، وفي رواية عن ابن عمر قال : من قبر بمكة مسلماً بعث آمناً يوم القيامة، ويجوز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة ولعله الظاهر من إطلاق اللفظ.
﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ جملة ابتدائية، المبتدأ فيها ﴿حَجَّ﴾ والخبر لله وعلى الناس متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالاً من المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه الاستقرار. وجوز أن يكون ﴿عَلَى الناس﴾ خبراً، ولله متعلق بما تعلق به، ولا يجوز أن يكون حالاً من المستكن في الناس لأن العامل في الحال حينئذٍ يكون معنى، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي عند الجمهور، وجوزه ابن مالك إذا كان الحال ظرفاً أو حرف جر وعامله كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما لا يتقدمان على عاملهما المعنوي، وجوز أن يرتفع الحج بالجار الأول أو الثاني وهو في اللغة مطلق القصد أو كثرته إلى من يعظم، والمراد به هنا قصد مخصوص غلب فيه حتى صار حقيقة شرعية، وأل في البيت للعهد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ﴿حَجَّ﴾ بالكسر كعلم وهو لغة نجد.
﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ بدل من الناس، بدل البعض من الكل والضمير في البدل مقدر أي منهم، وقيل : بدل الكل من الكل، والمراد من ﴿الناس﴾ خاص ولا يحتاج إلى ضمير، وقيل : خبر لمحذوف أي هم من استطاع أو الواجب عليه من استطاع، وجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل أعني وأن يكون فاعل المصدر وهو مضاف إلى مفعوله أي ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم البيت وفيه مناقشة مشهورة، و ﴿مِنْ﴾ على هذه الأوجه موصولة. وجوز أن تكون شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدم، أو هو نفسه على الخلاف المقرر بين البصريين والكوفيين ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط ﴿عَلَى الناس﴾ والتقدير من استطاع منهم إليه سبيلاً فللَّه عليه أن يحج، ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده، والضمير المجرور للبيت أو للحج لأنه المحدث عنه، وهو متعلق بالسبيل لما فيه من معنى الإفضاء وقدم عليه للاهتمام بشأنه.
والاستطاعة في الأصل استدعاء طواعية الفعل وتأتيه، والمراد بالاستدعاء الإرادة، وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقاً أو بسهولة فهي أخص منها وهو المراد هنا، وسيأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى، والقدرة إما بالبدن أو بالمال أو بهما، وإلى الأول : ذهب الإمام مالك فيجب الحج عنده على من قدر على المشي والكسب في الطريق، وإلى الثاني : ذهب الإمام الشافعي، ولذا أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وإلى الثالث : ذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويؤيده ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به.
واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بما أخرجه الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال :«لما نزلت هذه الآية ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قام رجل فقال : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال :" الزاد والراحلة " وروي هذا من طرق شتى وهو ظاهر فيما ذهب إليه الشافعي حيث قصر الاستطاعة على المالية دون البدنية، وهو مخالف لما ذهب إليه الإمام مالك مخالفة ظاهرة، وأما إمامنا فيؤول ما وقع فيه بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة بدليل أنه لو فقد أمن الطريق مثلاً لم يجب الحج عليه، والظاهر أنه ﷺ لم يتعرض لصحة البدن لظهور الأمر، كيف لا والمفسر في الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يتصور بدون الصحة، ومما يؤيد أن ما في الحديث بيان لبعض الشروط أنه ورد في بعض الروايات الاقتصار على واحد مما فيه، فقد أخرج الدارقطني أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه أن النبي ﷺ سئل عن السبيل فقال :" أن تجد ظهر بعير ولم يذكر الزاد "
هذا واستدل بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل وفساد القول بأنها معه، ووجه الاستدلال ظاهر، وأجيب بأن الاستطاعة التي ندعي أنها مع الفعل هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل وتطلق الاستطاعة على معنى آخر هو سلامة الأسباب والآلات والجوارح أي كون المكلف بحيث سلمت أسبابه وآلاته وجوارحه ولا نزاع لنا في أن هذه الاستطاعة قبل الفعل وهي مناط صحة التكليف وما في الآية بهذا المعنى، كذا قالوا. وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما قالوا : إن المشهور عن الأشعري أن القدرة مع الفعل، بمعنى أنها توجد حال حدوثه وتتعلق به في هذه الحال ولا توجد قبله فضلاً عن تعلقها به، ووافقه على ذلك كثير من المعتزلة كالنجار ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وأبي عيسى الوراق وغيرهم، وقال أكثر المعتزلة : القدرة قبل الفعل وتتعلق به حينئذٍ ويستحيل تعلقها به قبل حدوثه، ثم اختلفوا في بقاء القدرة فمنهم من قال : ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرة عليه ومنهم من نفاه، ودليلهم على ذلك وجوه :
الأول : أن تعلق القدرة بالفعل معناه الإيجاد، وإيجاد الموجود محال لأنه تحصيل الحاصل بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود ولهذا صح أن يقال : أوجده فوجد، وأجيب بأن هذا مبني على أن القدرة الحادثة مؤثرة وهو ممنوع وعلى تقدير تسليمه يقال : إيجاد الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد جائز، بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجود في زمان الإيجاد مستنداً إلى الموجد ومتفرعاً على إيجاده، والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر وتحقيقه أن التأثير مع حصول الأثر بحسب الزمان، وإن كان متقدماً عليه بحسب الذات وهذا التقدم هو المصحح لاستعمال الفاء بينهما.
الثاني : إن جاز تعلق القدرة حال الحدوث يلزم القدرة على الباقي حال بقائه والتالي باطل، بيان الملازمة أن المانع من تعلق القدرة به ليس إلا كونه متحقق الوجود والحادث حال حدوثه متحقق الوجود أيضاً، وأجيب بأنا نلتزمه لدوام

تفسير هذه الآية من كتب أخرى