الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ : قرأ ابن عباس : آية بينة.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ آية بينة على الواحد أراد مقام إبراهيم وحده، وقال : أثر قدميه في المقام آية بينة.
وقرأ الباقون : آيات بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر، وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] من أن يهاج فيه، لأنه حرم، وذلك بدعاء إبراهيم ( عليه السلام ) حيث قال :
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] وكان في الجاهلية من دخله ولجأ إليه آمن من الغارة والقتل ولم يزده الإسلام إلاّ شدة.
وكتب أبو الخلد إلى ابن عباس : أن أول من لاذ بالحرم الحيتان الصغار والكبار هرباً من الطوفان، وقيل : من دخله عام عمرة القضاء مع محمد ﷺ كان آمناً دليله قوله :
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
وقال أهل المعاني : صورة الآية خبر ومعناها أمر تقديرها : ومن دخلوه فأمنوه، كقوله :
﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل :( ومن دخله ) لقضاء النسك معظماً له عارفاً لحقه متقرباً إلى الله عزّ وجلّ كان آمناً يوم القيامة وهذا كقوله ﷺ " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " أي في نهار يوم القيامة.
يدل عليه ما روى جويبر عن الضحاك ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ يقول : من حجه ودخله كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.
وروى زياد بن أبي عياش عن يحيى بن جعدة في قوله تعالى :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قال : من النار.
وقال جعفر الصادق ( رضي الله عنه ) : من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمناً من عذابه.
وقال أبو النجم القرشي الصوفي : كنت أطوف بالبيت فقلت : يا سيدي، قلت :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ من أي شيء ؟ فسمعت من ورائي [ قائلا ] يقول : آمناً من النار، فالتفت فلم أر شيئاً.
ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أبان بن عياش عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" " من مات في أحد الحرمين بعثه الله عزّ وجلّ مع الآمنين " ".
وروى عن النبي ﷺ أنه قال :" الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة ".
وروى شقيق بن سلمة عن ابن مسعود قال :" وقف النبي ﷺ على ثنية المقبرة وليس هما يومئذ مقبرة، وقال :" بعث الله من هذه البقعة من هذا الحرم كله سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر " ".
وبه عن عبد الرحمن بن زيد العمى عن أبيه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام، وتقربت منه الجنة مسيرة مائة عام ".
وقال وهب بن منبه : مكتوب في التوراة : إن الله يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام فيقول لهم : إذهبوا إلى البيت الحرام فزموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى المحشر فيأتونه فيزمونه بسبعمائة ألف سلسلة من ذهب ثم يمدونه وملك ينادي : يا كعبة الله سيري فتقول : لست بسائرة حتى أعطي سؤلي.
فينادي ملك من جو السماء : سلي تعط. فتقول الكعبة : يا رب شفّعني في جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين. فيقول الله : قد أعطيتك سؤلك. قال : فيحشر موتى مكة من قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمين، فيجتمعون حول الكعبة يلبّون ثم يقول الملائكة : سيري يا كعبة الله، فتقول : لست بسائرة حتى أعطي سؤلي، فينادي ملك من جو السماء : سلي تعط، فتقول الكعبة : يا رب عبادك المؤمنين الذين وفدوا إليَّ من كل فجّ عميق شعثاً غبراً، تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقاً إليَّ زائرين مسلمين طائعين، حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وتشفّعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي الملك : إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصرَّ على الذنوب الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة : إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام. فيقول الله : قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. فينادي منادي من جو السماء : ألا من زار الكعبة فليعتزل من بين الناس. فيعتزلون، فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار يطوفون ويلبون، ثم ينادى ملك من جو السماء : ألا يا كعبة الله سيري. فتقول الكعبة : لبيك لبيك والخير بيديك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم [ يمدّونها ] إلى المحشر.
﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
قال عكرمة : لما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] قالت اليهود : فنحن مسلمون فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين، واللام في قوله لله لام الايجاب والإلزام، أي قد فرض وأوجب على الناس حجّ البيت. قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي : حِج، بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة.
وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة أهل نجد.
وقرأ الباقون : بالفتح كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز.
واختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، فهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد.
وقال الحسن الجعفي الفتح المصدر والكسر اسم الفعل، ثم قال :﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ إعلم أن شرائط وجوب الحج تسعة أشياء هي : البلوغ والعقل والإسلام والحرية ؛ لقول النبي ﷺ :" رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه ".
ولقوله ﷺ :" أيّما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيّما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى ".
وأراد بالهجرة هاهنا : الإسلام وتخلية الطريق، وهي أن يكون الطريق آمناً مسلوكاً، لا مانع فيه من عدو ونحوه، فإن كان غير مسلوك لم يجب الحج.
والدليل عليه : أنه لو كان محرماً فحصره العدو، فله أن يحل منه، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر فبان بعض الدخول فيه، والقصد إليه مع وجود الحصر أولى وأحرى، وإمكان المسير وهو أن يكون في الوقت سعة ممكنة فيه الحج، فإذا وجد شرائط الحج وهو [. . . . ] وقد بلغ الحاج إلى [ الكرقة ] مثلا، فلا يجب عليه، لأنه جعل شرائطه في وقت تعذر فعله فيه، فهو كالصبي الذي يبلغ في أثناء نهار الصيام، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم، وزاد كاف وراحلة مبلغة وقوة بدنية واختلف أقاويل الفقهاء في تفصيل هذه الشرائط الثلاثة.
فقال الشافعي ( رضي الله عنه ) : الإستطاعة وجهان : أن يكون مستطيعاً بدنه واجداً من ماله ما يبلغه الحج، والثاني : أن يكون معضوباً في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطعه إذا أمره أن يُحج عنه بأجرة وغير أجرة، وأما المستطيع بالمال : فقد لزمه فرض الحج بالسنّة، لحديث الخثعمية، فأما المستطيع بنفسه : فهو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج، فإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما يسقط فرض الحج عنه، فإن كان قادراً على المشي مطيقاً له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة ونحوهما، فالمستحب له أن يحج ماشياً، رجلا كان أو امرأة.
قال الشافعي : والرجل أقل عذراً من المرأة، لأنه أقوى وهذا على طريق الإستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج، لأنه يصير كلاًّ على الناس، وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج، وهو قول عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومن التابعين الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، دليلهم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :" جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : ما السبيل إلى الحج ؟ قال :" الزاد والراحلة " ".
ومثله روى ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك.
روى الحرث عن علي كرم الله وجهه قال : قال رسول الله ﷺ :" من ملك زاداً وراحلة تبلغانه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، فإن الله تعالى يقول :﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ".
قال ابن عمر :" قام رجل فقال : يا رسول الله ما يوجب الحج ؟ قال :" الزاد والراحلة " قال : فما الحاج ؟ قال :" [ الشعث التفل ] " قال : فما أفضل الحج ؟ قال :" العج والثج " ".
وقال مالك : إذا قدر على المشي ووجد الزاد والراحلة لزمه الحج بلا خلاف، وإن لم يجد الزاد والراحلة وقدر على المشي نظر، فإن كان مالكاً للزاد فعليه فرض الحج لكل حال، وإن لم يكن مالكاً للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق اختلف هذا باختلاف حال الرجل، فإن كان من أهل المروات وممّن لا يكسب بنفسه لم يجب عليه، وإن كان ممن يكسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إذا كان عادته مسئلة الناس لزمه فرض الحج، فأوجب مالك على المطيق للمشي الحج إذا لم يكن له زاد وراحلة، وهذا قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة.
وقال الضحاك : إن كان شاباً صحيحاً ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجته، فقال : له قائل ما كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت. فقال : لو أن لبعضهم ميراثاً بمكة أكان تاركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، كذلك يجب عليه الحج، واحتج هؤلاء بقوله تعالى :
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: ٢٧] أي مُشاة.
قالوا : ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب أن لا يكون من فرض وجوبها الزاد والراحلة كالصلاة والصيام، فإذا [ تقرر ] أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم، فوجب أن يبيّن كيفية اعتبار الراحلة والنفقة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
وأما الراحلة : فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الركوب عليها، وأما النفقة : فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخي، وكان تقديم إنفاق العيال أولى وأهم.
وقال النبي ﷺ :" كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت " فإذا لم يكن له أهل وعيال فلابد من نفقته لذهابه، وهل يعتبر فيه الرجوع أم لا ؟ فيه قولان للفقهاء :
قال بعضهم : لا يعتبر، لأنه ليس عليه كثير مشقة في تركه القيام ببلده، لأنه لا أهل له فيه ولا عيال له، فكل البلاد له وطن.
وقال الآخرون : يعتبر، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، لأنه قال في الإ
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ آية بينة على الواحد أراد مقام إبراهيم وحده، وقال : أثر قدميه في المقام آية بينة.
وقرأ الباقون : آيات بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر، وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] من أن يهاج فيه، لأنه حرم، وذلك بدعاء إبراهيم ( عليه السلام ) حيث قال :
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] وكان في الجاهلية من دخله ولجأ إليه آمن من الغارة والقتل ولم يزده الإسلام إلاّ شدة.
وكتب أبو الخلد إلى ابن عباس : أن أول من لاذ بالحرم الحيتان الصغار والكبار هرباً من الطوفان، وقيل : من دخله عام عمرة القضاء مع محمد ﷺ كان آمناً دليله قوله :
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
وقال أهل المعاني : صورة الآية خبر ومعناها أمر تقديرها : ومن دخلوه فأمنوه، كقوله :
﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل :( ومن دخله ) لقضاء النسك معظماً له عارفاً لحقه متقرباً إلى الله عزّ وجلّ كان آمناً يوم القيامة وهذا كقوله ﷺ " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " أي في نهار يوم القيامة.
يدل عليه ما روى جويبر عن الضحاك ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ يقول : من حجه ودخله كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.
وروى زياد بن أبي عياش عن يحيى بن جعدة في قوله تعالى :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قال : من النار.
وقال جعفر الصادق ( رضي الله عنه ) : من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمناً من عذابه.
وقال أبو النجم القرشي الصوفي : كنت أطوف بالبيت فقلت : يا سيدي، قلت :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ من أي شيء ؟ فسمعت من ورائي [ قائلا ] يقول : آمناً من النار، فالتفت فلم أر شيئاً.
ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أبان بن عياش عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" " من مات في أحد الحرمين بعثه الله عزّ وجلّ مع الآمنين " ".
وروى عن النبي ﷺ أنه قال :" الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة ".
وروى شقيق بن سلمة عن ابن مسعود قال :" وقف النبي ﷺ على ثنية المقبرة وليس هما يومئذ مقبرة، وقال :" بعث الله من هذه البقعة من هذا الحرم كله سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر " ".
وبه عن عبد الرحمن بن زيد العمى عن أبيه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام، وتقربت منه الجنة مسيرة مائة عام ".
وقال وهب بن منبه : مكتوب في التوراة : إن الله يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام فيقول لهم : إذهبوا إلى البيت الحرام فزموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى المحشر فيأتونه فيزمونه بسبعمائة ألف سلسلة من ذهب ثم يمدونه وملك ينادي : يا كعبة الله سيري فتقول : لست بسائرة حتى أعطي سؤلي.
فينادي ملك من جو السماء : سلي تعط. فتقول الكعبة : يا رب شفّعني في جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين. فيقول الله : قد أعطيتك سؤلك. قال : فيحشر موتى مكة من قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمين، فيجتمعون حول الكعبة يلبّون ثم يقول الملائكة : سيري يا كعبة الله، فتقول : لست بسائرة حتى أعطي سؤلي، فينادي ملك من جو السماء : سلي تعط، فتقول الكعبة : يا رب عبادك المؤمنين الذين وفدوا إليَّ من كل فجّ عميق شعثاً غبراً، تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقاً إليَّ زائرين مسلمين طائعين، حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وتشفّعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي الملك : إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصرَّ على الذنوب الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة : إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام. فيقول الله : قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. فينادي منادي من جو السماء : ألا من زار الكعبة فليعتزل من بين الناس. فيعتزلون، فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار يطوفون ويلبون، ثم ينادى ملك من جو السماء : ألا يا كعبة الله سيري. فتقول الكعبة : لبيك لبيك والخير بيديك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم [ يمدّونها ] إلى المحشر.
﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
قال عكرمة : لما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] قالت اليهود : فنحن مسلمون فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين، واللام في قوله لله لام الايجاب والإلزام، أي قد فرض وأوجب على الناس حجّ البيت. قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي : حِج، بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة.
وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة أهل نجد.
وقرأ الباقون : بالفتح كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز.
واختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، فهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد.
وقال الحسن الجعفي الفتح المصدر والكسر اسم الفعل، ثم قال :﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ إعلم أن شرائط وجوب الحج تسعة أشياء هي : البلوغ والعقل والإسلام والحرية ؛ لقول النبي ﷺ :" رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه ".
ولقوله ﷺ :" أيّما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيّما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى ".
وأراد بالهجرة هاهنا : الإسلام وتخلية الطريق، وهي أن يكون الطريق آمناً مسلوكاً، لا مانع فيه من عدو ونحوه، فإن كان غير مسلوك لم يجب الحج.
والدليل عليه : أنه لو كان محرماً فحصره العدو، فله أن يحل منه، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر فبان بعض الدخول فيه، والقصد إليه مع وجود الحصر أولى وأحرى، وإمكان المسير وهو أن يكون في الوقت سعة ممكنة فيه الحج، فإذا وجد شرائط الحج وهو [. . . . ] وقد بلغ الحاج إلى [ الكرقة ] مثلا، فلا يجب عليه، لأنه جعل شرائطه في وقت تعذر فعله فيه، فهو كالصبي الذي يبلغ في أثناء نهار الصيام، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم، وزاد كاف وراحلة مبلغة وقوة بدنية واختلف أقاويل الفقهاء في تفصيل هذه الشرائط الثلاثة.
فقال الشافعي ( رضي الله عنه ) : الإستطاعة وجهان : أن يكون مستطيعاً بدنه واجداً من ماله ما يبلغه الحج، والثاني : أن يكون معضوباً في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطعه إذا أمره أن يُحج عنه بأجرة وغير أجرة، وأما المستطيع بالمال : فقد لزمه فرض الحج بالسنّة، لحديث الخثعمية، فأما المستطيع بنفسه : فهو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج، فإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما يسقط فرض الحج عنه، فإن كان قادراً على المشي مطيقاً له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة ونحوهما، فالمستحب له أن يحج ماشياً، رجلا كان أو امرأة.
قال الشافعي : والرجل أقل عذراً من المرأة، لأنه أقوى وهذا على طريق الإستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج، لأنه يصير كلاًّ على الناس، وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج، وهو قول عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومن التابعين الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، دليلهم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :" جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : ما السبيل إلى الحج ؟ قال :" الزاد والراحلة " ".
ومثله روى ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك.
روى الحرث عن علي كرم الله وجهه قال : قال رسول الله ﷺ :" من ملك زاداً وراحلة تبلغانه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، فإن الله تعالى يقول :﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ".
قال ابن عمر :" قام رجل فقال : يا رسول الله ما يوجب الحج ؟ قال :" الزاد والراحلة " قال : فما الحاج ؟ قال :" [ الشعث التفل ] " قال : فما أفضل الحج ؟ قال :" العج والثج " ".
وقال مالك : إذا قدر على المشي ووجد الزاد والراحلة لزمه الحج بلا خلاف، وإن لم يجد الزاد والراحلة وقدر على المشي نظر، فإن كان مالكاً للزاد فعليه فرض الحج لكل حال، وإن لم يكن مالكاً للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق اختلف هذا باختلاف حال الرجل، فإن كان من أهل المروات وممّن لا يكسب بنفسه لم يجب عليه، وإن كان ممن يكسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إذا كان عادته مسئلة الناس لزمه فرض الحج، فأوجب مالك على المطيق للمشي الحج إذا لم يكن له زاد وراحلة، وهذا قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة.
وقال الضحاك : إن كان شاباً صحيحاً ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجته، فقال : له قائل ما كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت. فقال : لو أن لبعضهم ميراثاً بمكة أكان تاركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، كذلك يجب عليه الحج، واحتج هؤلاء بقوله تعالى :
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: ٢٧] أي مُشاة.
قالوا : ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب أن لا يكون من فرض وجوبها الزاد والراحلة كالصلاة والصيام، فإذا [ تقرر ] أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم، فوجب أن يبيّن كيفية اعتبار الراحلة والنفقة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
وأما الراحلة : فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الركوب عليها، وأما النفقة : فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخي، وكان تقديم إنفاق العيال أولى وأهم.
وقال النبي ﷺ :" كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت " فإذا لم يكن له أهل وعيال فلابد من نفقته لذهابه، وهل يعتبر فيه الرجوع أم لا ؟ فيه قولان للفقهاء :
قال بعضهم : لا يعتبر، لأنه ليس عليه كثير مشقة في تركه القيام ببلده، لأنه لا أهل له فيه ولا عيال له، فكل البلاد له وطن.
وقال الآخرون : يعتبر، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، لأنه قال في الإ