البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿فيه آيات بينات﴾ أي علامات واضحات منها : مقام إبراهيم، والحجر الذي قام عليه، والحجر الأسود وهو : من حجارة الكعبة، وهو يمين الله في الأرض يشهد لمن مسه.
والحطيم، وزمزم، وأمن الخائف وهيبته وتعظيمه في قلوب الناس، وأمر الفيل، ورمى طير الله عنه بحجارة السجيل، وكف الجبابرة عنه على وجه الدهر، وإذعان نفوس العرب لتوفير هذه البقعة دون ناهٍ ولا زاجر، وجباية الأرزاق إليه، وهو ﴿بواد غير ذي زرع﴾ وحمايته من السيول.
ودلالةُ عموم المطر إياه من جميع جوانبه على خصب آفاق الأرض، فإنْ كان المطر من جانب أخصب الأفق الذي يليه.
وذكر مكي وغيره : أنّ من آياته كون الطير لا يعلوم عليه.
قال ابن عطية : وهذا ضعيف، والطير يعاين يعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته انتهى.
وأي عبد علا عليه عتق.
وتعجيلُ العقوبة لمن عتا فيه، وإجابة دعاء من دعا تحت الميزاب، ومضاعفة أجر المصلي، وغير ذلك من الآيات.
وقوله : فيه آيات بينات، الضمير في فيه عائد على البيت، فينبغي أن لا يذكر من الآيات إلا ما كان في البيت.
لكنهم توسعوا في الظرفية، إذ لا يمكن حملها على الحقيقة لأنه كان يلزم أن الآيات تكون داخل الجدران.
ووجهُ التوسع أنّ البيت وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه على سبيل المجاز.
ولذلك عدَّ المفسرون آياتٍ في الحرم وأشياء مما التزمت في شريعتنا من : تحريم قطع شجره، ومنع الاصطياد فيه.
والذي تعرضت له الآية هو مقام إبراهيم، لأنه آية باقية على مر الأعصار.
وذلك أنّه لمّا قام إبراهيم على حجر المقام وقت رفعه القواعد من البيت طال له البناء، فكلما علا الجدار ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى كمل الجدار.
ثم أراد الله إبقاء ذلك آية للعالمين ليَّن الحجر فغرقت فيه قدما إبراهيم كأنها في طين، فذلك الاثر باق إلى اليوم.
وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الاعصار.
وقال في ذلك أبو طالب :
فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول.
وقيل : سبب أثر قدميه في هذا الحجر أنه وافى مكة زائراً من الشام فقالت له زوجة إسماعيل : انزلْ.
حتى اغسلَ رأسك، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر من جهة شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقي أثر قدميه فيه.
وارتفاعُ آيات على الفاعلية بالمجرور قبله، فيكون المجرور في موضع الحال، والعامل فيها محذوف، وذلك المحذوف هو الحال حقيقة.
ونسبة الحالية إلى الظرف والمجرور مجاز، كنسبة الخبر إليها.
إذا قلت : زيد في الدار، أو عندك.
ولذلك قال بعض أصحابنا : وما يعزى للظرف من خبرية وعمل، فالأصح كونه لعامله.
وكون فيه في موضع حال مقدّرة، سواء كان العامل فيها هو العامل في ببكة، أم كان العامل فيها هو وضع على ما أعربوه، أو على ما أعربناه.
ويجوز أو يكون جملة مستأنفة.
أخبر الله تعالى أن فيه آيات بينات.
﴿مقام إبراهيم﴾ مقام : مفعل من القيام.
وقرأ الجمهور : آيات بينات على الجمع.
وقرأ أبيّ وعمر وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر في رواية قتيبة « آية بينة » على التوحيد.
فعلى قراءة الجمهور أعربوا مقام ابراهيم بدلاً، وهو بدل كل من كل، من قوله : آيات، وأعربوه خبر مبتدأ محذوف.
أي هنّ مقام إبراهيم.
وعلى ما أعربوه فكيف يبدل المفرد من الجمع، أو يخبر به عن الجمع ؟ وأجيب بوجهين : أحدهما : أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ونبوّة ابراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد كقوله تعالى :﴿إن ابراهيم كان أمة قانتاً﴾ والثاني : اشتماله على آيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية لابراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين آية.
قال الزمخشري : ويجوز أن يراد فيه « آيات بينات مقام ابراهيم » وأمن من دخله، لأن الآيتين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة.
وقال ابن عطية : والمترجح عندي أنّ المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخصّا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ؛ إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم.
فظاهرُ كلامه وكلام الزمخشري قبله : أن مقام ابراهيم وأمن الداخل تفسير للآيات وهي جمع، ولكن لم يذكر أمن الداخل في الآية تفسيراً صناعياً، إنما جاء « ومن دخله كان آمناً » جملة من شرط وجزاء، أو مبتدأ أو خبر، لا على سبيل أن يكون اسماً مفرداً يعطف على قوله : مقام ابراهيم، فيكون ذلك تفسيراً صناعياً.
بل لم يأت بعد قوله :﴿آيات بينات﴾ سوى مفرد وهو : مقام ابراهيم فقال.
فإن قلت : كيف أجزت أنْ يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان وقوله : ومن دخله كان آمناً جملة مستأنفة : إما ابتدائية، وإما اشترطية ؟ قلت : أجزت ذلك من حيث المعنى.
ولأن قوله :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ دل على أمن داخله، فكأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن داخله.
ألا ترى أنك لو قلت فية آية بينة من دخله كان آمناً صحّ، لأنه في معنى فيه آية بينة أمن مَن دخله انتهى سؤاله وجوابه وليس بواضح.
لأن تقديره وأمن الداخل، هو مرفوع عطفاً على مقام إبراهيم، وفسر بهما الآيات.
والجملة من قوله : ومن دخله كان آمناً لا موضع لها من الإعراب، فتدافعا إلا أنْ اعتقد أنّ ذلك معطوف محذوف يدل عليه ما بعده، فيمكن التوجيه.
فلا يجعل قوله : ومن دخله كان آمناً في معنى : وأمن داخله، إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب.
قال الزمخشري : ويجوز أن يذكر هاتين الآيتين ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.
ونحوه في طي الذكر قول جرير :
ومنه قوله ﷺ :« حبب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة » انتهى كلامه.
وفيه حذف معطوفين، ولم يذكر الزمخشري في إعراب مقام إبراهيم إلا أنه عطف بيان لقوله : آيات بينات.
ورد عليه ذلك، لأن آيات نكرة، ومقام إبراهيم معرفة، ولا يجوز التخالف في عطف البيان.
وقوله مخالف لإجماع الكوفيين والبصريين، فلا يلتفت إليه.
وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت، فتتبع النكرة النكرة والمعرفة المعرفة، وقد تبعهم في ذلك أبو علي الفارسي.
وأما عند البصريين فلا يجوز إلا أنْ يكونا معرفتين، ولا يجوز أنْ يكونا نكرتين.
وما أعربه الكوفيون ومن وافقهم : عطف بيان وهو نكرة على النكرة قبله، أعربه البصريون بدلاً، ولم يقم لهم دليل على تعيين عطف البيان في النكرة، فينبغي أن لا يجوز.
والأولى والأصوب في إعراب مقام إبراهيم أنْ يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : أحدها : أي أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم.
أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره منها : أي من الآيات البينات مقام إبراهيم.
ويكون ذكر المقام لعظمه ولشهرته عندهم، ولكونه مشاهداً لهم لم يتغير، ولإذكاره إياهم دين أبيهم إبراهيم.
وأما على قراءة من قرأ : آية بينة بالتوحيد، فإعرابه بدل، وهو بدل معرفة من نكرة موصوفة، كقوله تعالى :﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله﴾ ويكون الله تعالى قد أخبر عن هذه الآية العظيمة وحدها وهي مقام إبراهيم لما ذكرنا، وإنْ كان في البيت آيات كثيرة.
واختلفوا في تفسير مقام إبراهيم.
فقال الجمهور : هو الحجر المعروف.
وقال قوم : البيت كله مقام إبراهيم، لأنه بناه، وقام في جميع أقطاره.
وقال قوم : مكة كلها مقام إبراهيم.
وقال قوم : الحرم كله.
والحرم مما يلي المدينة نحواً من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق نحواً من ثمانية أميال يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال إلى منتهى الحديبية.
﴿ومن دخله كان آمناً﴾ : الضمير في « ومن دخله » عائد على البيت : إذْ هو المحدث عنه، والمقيد بتلك القيود من البركة والهدى والآيات البينات من مقام إبراهيم وغيره.
ولا يمكن أنْ يعود على مقام إبراهيم إذا فسّرناه بالحجر.
وظاهر الآية وسياق الكلام أنّ هذه الجملة هي مفسرة لبعض آيات البيت، ومذكرة للعرب بما كانوا عليه في الجاهلية من احترام هذا البيت، وأمن من دخله من ذوي الجرائم.
وكانت العرب يغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال، وأنواع الظلم، إلا في الحرم كقوله تعالى :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام ﴿رب اجعل هذا بلداً آمناً﴾ فأما في الإسلام فمن أصاب حدًّا فإن الحرم لا يعيذُه وإلى هذا ذهب : عطاء، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغيره.
فمن زنى، أو سرق، أو قتل، أقيم عليه الحدّ واستحسن كثير ممن قال هذا القول : أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل فيه.
وقال ابن عباس : من أحدث حدثاً واستجار بالبيت فهو آمن.
والأمر في الإسلام على ما كان في الجاهلية، فلا يعرض أحد لقاتل وليه.
إلا أنه يجب على المسلمين أن لا يبايعوه، ولا يكلموه، ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد.
وقال بمثل هذا عطاء أيضاً، والشعبي، وعبيد بن عمير، والسدي، وابن جبير، وغيرهم إلا أن أكثرهم قالوا : هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، أمّا من قتل فيه فيقام عليه الحد فيه.
واختلف فقهاء الأمصار : إذا جنى في غير الحرم ثم التجأ إليه فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وأحمد في رواية حنبل عنه : إن كانت الجناية في النفس لم يقتص منه ولا يخالط، أو فيما دون النفس اقتص منه في الحرم.
وقال مالك في رواية : لا يقتص منه فيه، لا بقتل ولا فيما دون النفس، ولا يخالط.
قالوا : وانعقد الإجماع على أنّ من جنى فيه لا يؤمن، لأنه هتك حرمة الحرم وردّ الأمان.
فبقي حكم الآية فيمن جنى صار خارجاً منه ثم التجأ إليه.
وقالوا : هذا خبر معناه الأمر.
أي ومَن دخله فأمّنوه.
وهو عام فيمن جنى فيه أو في غيره ثم دخله، لكنْ صدَّ الإجماع عن العمل به فيمن جنى فيه وبقي حكم الآية مختصاً بمن جنى خارجاً منه ثم دخله.
وقال يحيى بن جعدة في آخرين : آمناً من النار، ولا بد من قيد في.
ومن دخله كان آمناً : أي ومن دخله حاجًّا، أو من دخله مخلصاً في دخوله.
وقيل المعنى : ومن دخله عام عمرة القضاء مع النبي ﷺ لقوله :﴿لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ وقال جعفر الصادق : منْ دخله ورقى على الصفا أمِن أمْن الأنبياء.
وظاهرُ الآية ما بدأنا به أولاً، وكلّ هذه الأقوال سواه متكلفات، وينبو اللفظ عنها، ويخالف بعضها ظواهر الآيات وقواعد الشريعة ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ روى ع
والحطيم، وزمزم، وأمن الخائف وهيبته وتعظيمه في قلوب الناس، وأمر الفيل، ورمى طير الله عنه بحجارة السجيل، وكف الجبابرة عنه على وجه الدهر، وإذعان نفوس العرب لتوفير هذه البقعة دون ناهٍ ولا زاجر، وجباية الأرزاق إليه، وهو ﴿بواد غير ذي زرع﴾ وحمايته من السيول.
ودلالةُ عموم المطر إياه من جميع جوانبه على خصب آفاق الأرض، فإنْ كان المطر من جانب أخصب الأفق الذي يليه.
وذكر مكي وغيره : أنّ من آياته كون الطير لا يعلوم عليه.
قال ابن عطية : وهذا ضعيف، والطير يعاين يعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته انتهى.
وأي عبد علا عليه عتق.
وتعجيلُ العقوبة لمن عتا فيه، وإجابة دعاء من دعا تحت الميزاب، ومضاعفة أجر المصلي، وغير ذلك من الآيات.
وقوله : فيه آيات بينات، الضمير في فيه عائد على البيت، فينبغي أن لا يذكر من الآيات إلا ما كان في البيت.
لكنهم توسعوا في الظرفية، إذ لا يمكن حملها على الحقيقة لأنه كان يلزم أن الآيات تكون داخل الجدران.
ووجهُ التوسع أنّ البيت وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه على سبيل المجاز.
ولذلك عدَّ المفسرون آياتٍ في الحرم وأشياء مما التزمت في شريعتنا من : تحريم قطع شجره، ومنع الاصطياد فيه.
والذي تعرضت له الآية هو مقام إبراهيم، لأنه آية باقية على مر الأعصار.
وذلك أنّه لمّا قام إبراهيم على حجر المقام وقت رفعه القواعد من البيت طال له البناء، فكلما علا الجدار ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى كمل الجدار.
ثم أراد الله إبقاء ذلك آية للعالمين ليَّن الحجر فغرقت فيه قدما إبراهيم كأنها في طين، فذلك الاثر باق إلى اليوم.
وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الاعصار.
وقال في ذلك أبو طالب :
| وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة | على قدميه حافياً غير ناعل |
وقيل : سبب أثر قدميه في هذا الحجر أنه وافى مكة زائراً من الشام فقالت له زوجة إسماعيل : انزلْ.
حتى اغسلَ رأسك، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر من جهة شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقي أثر قدميه فيه.
وارتفاعُ آيات على الفاعلية بالمجرور قبله، فيكون المجرور في موضع الحال، والعامل فيها محذوف، وذلك المحذوف هو الحال حقيقة.
ونسبة الحالية إلى الظرف والمجرور مجاز، كنسبة الخبر إليها.
إذا قلت : زيد في الدار، أو عندك.
ولذلك قال بعض أصحابنا : وما يعزى للظرف من خبرية وعمل، فالأصح كونه لعامله.
وكون فيه في موضع حال مقدّرة، سواء كان العامل فيها هو العامل في ببكة، أم كان العامل فيها هو وضع على ما أعربوه، أو على ما أعربناه.
ويجوز أو يكون جملة مستأنفة.
أخبر الله تعالى أن فيه آيات بينات.
﴿مقام إبراهيم﴾ مقام : مفعل من القيام.
وقرأ الجمهور : آيات بينات على الجمع.
وقرأ أبيّ وعمر وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر في رواية قتيبة « آية بينة » على التوحيد.
فعلى قراءة الجمهور أعربوا مقام ابراهيم بدلاً، وهو بدل كل من كل، من قوله : آيات، وأعربوه خبر مبتدأ محذوف.
أي هنّ مقام إبراهيم.
وعلى ما أعربوه فكيف يبدل المفرد من الجمع، أو يخبر به عن الجمع ؟ وأجيب بوجهين : أحدهما : أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ونبوّة ابراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد كقوله تعالى :﴿إن ابراهيم كان أمة قانتاً﴾ والثاني : اشتماله على آيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية لابراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين آية.
قال الزمخشري : ويجوز أن يراد فيه « آيات بينات مقام ابراهيم » وأمن من دخله، لأن الآيتين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة.
وقال ابن عطية : والمترجح عندي أنّ المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخصّا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ؛ إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم.
فظاهرُ كلامه وكلام الزمخشري قبله : أن مقام ابراهيم وأمن الداخل تفسير للآيات وهي جمع، ولكن لم يذكر أمن الداخل في الآية تفسيراً صناعياً، إنما جاء « ومن دخله كان آمناً » جملة من شرط وجزاء، أو مبتدأ أو خبر، لا على سبيل أن يكون اسماً مفرداً يعطف على قوله : مقام ابراهيم، فيكون ذلك تفسيراً صناعياً.
بل لم يأت بعد قوله :﴿آيات بينات﴾ سوى مفرد وهو : مقام ابراهيم فقال.
فإن قلت : كيف أجزت أنْ يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان وقوله : ومن دخله كان آمناً جملة مستأنفة : إما ابتدائية، وإما اشترطية ؟ قلت : أجزت ذلك من حيث المعنى.
ولأن قوله :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ دل على أمن داخله، فكأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن داخله.
ألا ترى أنك لو قلت فية آية بينة من دخله كان آمناً صحّ، لأنه في معنى فيه آية بينة أمن مَن دخله انتهى سؤاله وجوابه وليس بواضح.
لأن تقديره وأمن الداخل، هو مرفوع عطفاً على مقام إبراهيم، وفسر بهما الآيات.
والجملة من قوله : ومن دخله كان آمناً لا موضع لها من الإعراب، فتدافعا إلا أنْ اعتقد أنّ ذلك معطوف محذوف يدل عليه ما بعده، فيمكن التوجيه.
فلا يجعل قوله : ومن دخله كان آمناً في معنى : وأمن داخله، إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب.
قال الزمخشري : ويجوز أن يذكر هاتين الآيتين ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.
ونحوه في طي الذكر قول جرير :
| كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم | من العبيد وثلث من مواليها |
وفيه حذف معطوفين، ولم يذكر الزمخشري في إعراب مقام إبراهيم إلا أنه عطف بيان لقوله : آيات بينات.
ورد عليه ذلك، لأن آيات نكرة، ومقام إبراهيم معرفة، ولا يجوز التخالف في عطف البيان.
وقوله مخالف لإجماع الكوفيين والبصريين، فلا يلتفت إليه.
وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت، فتتبع النكرة النكرة والمعرفة المعرفة، وقد تبعهم في ذلك أبو علي الفارسي.
وأما عند البصريين فلا يجوز إلا أنْ يكونا معرفتين، ولا يجوز أنْ يكونا نكرتين.
وما أعربه الكوفيون ومن وافقهم : عطف بيان وهو نكرة على النكرة قبله، أعربه البصريون بدلاً، ولم يقم لهم دليل على تعيين عطف البيان في النكرة، فينبغي أن لا يجوز.
والأولى والأصوب في إعراب مقام إبراهيم أنْ يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : أحدها : أي أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم.
أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره منها : أي من الآيات البينات مقام إبراهيم.
ويكون ذكر المقام لعظمه ولشهرته عندهم، ولكونه مشاهداً لهم لم يتغير، ولإذكاره إياهم دين أبيهم إبراهيم.
وأما على قراءة من قرأ : آية بينة بالتوحيد، فإعرابه بدل، وهو بدل معرفة من نكرة موصوفة، كقوله تعالى :﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله﴾ ويكون الله تعالى قد أخبر عن هذه الآية العظيمة وحدها وهي مقام إبراهيم لما ذكرنا، وإنْ كان في البيت آيات كثيرة.
واختلفوا في تفسير مقام إبراهيم.
فقال الجمهور : هو الحجر المعروف.
وقال قوم : البيت كله مقام إبراهيم، لأنه بناه، وقام في جميع أقطاره.
وقال قوم : مكة كلها مقام إبراهيم.
وقال قوم : الحرم كله.
والحرم مما يلي المدينة نحواً من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق نحواً من ثمانية أميال يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال إلى منتهى الحديبية.
﴿ومن دخله كان آمناً﴾ : الضمير في « ومن دخله » عائد على البيت : إذْ هو المحدث عنه، والمقيد بتلك القيود من البركة والهدى والآيات البينات من مقام إبراهيم وغيره.
ولا يمكن أنْ يعود على مقام إبراهيم إذا فسّرناه بالحجر.
وظاهر الآية وسياق الكلام أنّ هذه الجملة هي مفسرة لبعض آيات البيت، ومذكرة للعرب بما كانوا عليه في الجاهلية من احترام هذا البيت، وأمن من دخله من ذوي الجرائم.
وكانت العرب يغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال، وأنواع الظلم، إلا في الحرم كقوله تعالى :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام ﴿رب اجعل هذا بلداً آمناً﴾ فأما في الإسلام فمن أصاب حدًّا فإن الحرم لا يعيذُه وإلى هذا ذهب : عطاء، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغيره.
فمن زنى، أو سرق، أو قتل، أقيم عليه الحدّ واستحسن كثير ممن قال هذا القول : أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل فيه.
وقال ابن عباس : من أحدث حدثاً واستجار بالبيت فهو آمن.
والأمر في الإسلام على ما كان في الجاهلية، فلا يعرض أحد لقاتل وليه.
إلا أنه يجب على المسلمين أن لا يبايعوه، ولا يكلموه، ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد.
وقال بمثل هذا عطاء أيضاً، والشعبي، وعبيد بن عمير، والسدي، وابن جبير، وغيرهم إلا أن أكثرهم قالوا : هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، أمّا من قتل فيه فيقام عليه الحد فيه.
واختلف فقهاء الأمصار : إذا جنى في غير الحرم ثم التجأ إليه فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وأحمد في رواية حنبل عنه : إن كانت الجناية في النفس لم يقتص منه ولا يخالط، أو فيما دون النفس اقتص منه في الحرم.
وقال مالك في رواية : لا يقتص منه فيه، لا بقتل ولا فيما دون النفس، ولا يخالط.
قالوا : وانعقد الإجماع على أنّ من جنى فيه لا يؤمن، لأنه هتك حرمة الحرم وردّ الأمان.
فبقي حكم الآية فيمن جنى صار خارجاً منه ثم التجأ إليه.
وقالوا : هذا خبر معناه الأمر.
أي ومَن دخله فأمّنوه.
وهو عام فيمن جنى فيه أو في غيره ثم دخله، لكنْ صدَّ الإجماع عن العمل به فيمن جنى فيه وبقي حكم الآية مختصاً بمن جنى خارجاً منه ثم دخله.
وقال يحيى بن جعدة في آخرين : آمناً من النار، ولا بد من قيد في.
ومن دخله كان آمناً : أي ومن دخله حاجًّا، أو من دخله مخلصاً في دخوله.
وقيل المعنى : ومن دخله عام عمرة القضاء مع النبي ﷺ لقوله :﴿لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ وقال جعفر الصادق : منْ دخله ورقى على الصفا أمِن أمْن الأنبياء.
وظاهرُ الآية ما بدأنا به أولاً، وكلّ هذه الأقوال سواه متكلفات، وينبو اللفظ عنها، ويخالف بعضها ظواهر الآيات وقواعد الشريعة ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ روى ع